_
«الإنقلاب البرازيلي».. متخفياً في الأروقة البرلمانية والقضائية

«الإنقلاب البرازيلي».. متخفياً في الأروقة البرلمانية والقضائية

تتصاعد المواجهة في أميركا اللاتينية بين اليسار والمعارضات اليمينية، وتتخذ أبعاداً متعددة تجاوزت الحدود الضيقة للصراع الانتخابي عبر صناديق الاقتراع، لتصل إلى حدود باتت تهدد أمريكا الجنوبية بشكل كامل، بتأزمات لم تكن أولى إرهاصاتها في البرازيل.

بعد تلقي اليسار الأرجنتيني هزيمة كبيرة في الانتخابات الرئاسية في 24 تشرين الثاني 2015، والتي كانت أول هزيمة يتلقاها اليسار في أمريكا اللاتينية منذ فوز الرئيس الراحل، هوغو تشافيز،  في الرئاسة الفنزويلية عام 1998، ومن بعدها فوز اليمين الفنزويلي في الانتخابات البرلمانية بغالبية ثلثي المقاعد (6 كانون الأول 2016)، انتقلت ارتدادات الصراع إلى البرازيل. لكن هذه المرة بلا انتخابات، بل عبر المسارات البرلمانية والقضائية، وفي الشارع بين جمهوري اليسار واليمين.

 

في الوقت الذي حسمت فيه المعركة الانتخابية الموازين لصالح اليمين في الأرجنتين وفنزويلا، لا تزال البرازيل تشهد صداماً حاداً وعلنياً بين «حزب العمال» الحاكم وبين اليمين البرازيلي الذي يسعى لاستثمار انتصارات نظرائه في الأرجنتين وفنزويلا، لوضع حد لحقبة حكم اليسار في البلد الأكبر والأقوى اقتصادياً من بين دول أميركا اللاتينية، ومن بوابة البرلمان، والملاحقة القضائية لرموز الحكومة اليسارية..

«الانقلاب المتجدّد»

أصبحت الرئيسة البرازيلية، ديلما روسيف، آخر الفائزين من قوى اليسار اللاتيني في انتخابات الرئاسة البرازيلية (2014)، والتي تلتها على الفور سلسة هزائم انتخابية لليسار في أهم بلدان القارة على ايقاع التراجع الاقتصادي فيها، والذي كان للبرازيل حصة كبيرة منه: ازداد حجم الدين والعجز العام بنسق متسارع، وقاربت نسبة التضخم 10 في المئة، ويخسر البلد 200 ألف وظيفة شهرياً. ويتوقع أن يتراجع الناتج الإجمالي البرازيلي بأكثر من 3 في المئة في 2015، ونحو 2 في المئة في العام 2016، ما يجسد أطول فترة ركود خلال 85 عاماً. وفقد الريال البرازيلي أكثر من 30 في المئة من قيمته مقابل الدولار منذ كانون الثاني. وأضيف إلى كل ذلك انتصار اليمين في أهم بلدين آخرين في أميركا اللاتينية. 

هذه المعطيات كانت كافية لدفع اليمين البرازيلي إلى تجميع قواه لترتيب انتصار غير انتخابي، عبر البرلمان، وهو ما أطلقت عليه قوى اليسار اسم «الانقلاب المتجدد»، حيث دعا نواب يمينيون إلى إجراء تصويت سري بين أعضاء البرلمان لتشكيل لجنة لإقالة الرئيسة، ديلما روسيف، بناءً على تهم فساد، وصوتت الغالبية بالموافقة على تشكيل اللجنة. إلا أن المحكمة العليا ردّت نتيجة هذا التصويت، مطالبةً بإجراء تصويت علني داخل البرلمان على أساس القائمة الحزبية لا الفردية، وفقاً للدستور البرازيلي، ليصار إلى رفعه مجدداً إلى المحكمة العليا، والتي- في حال وافقت عليه- سيحال إلى مجلس الشيوخ حتى يتم تشكيل مثل هذه اللجنة. وهو ما اعتبر انتصار لليسار في قدرته على فرض القواعد الدستورية على خصومه، لقطع الطريق على إجراء كهذا: قانوني في الشكل وسياسي في الجوهر. 

ملاحقة سياسية

جاء الهجوم على الرئيسة روسيف متوازياً مع إصدار النائب العام مذكرة اعتقال بحق الرئيس السابق لولا دي سيلفا، الذي دوهم بيته وجرى اعتقاله تحت يافطة كبيرة أسماها الإعلام اليميني فضيحة «بتروبراس»، وفحواها أن الرئيس السابق «تلقى هبات مالية من شركات بناء كبرى متورطة بقضايا فساد، ما مكنه من امتلاك بيت في إحدى المقاطعات البرازيلية، وتمويل الانتخابات الرئاسية لروسيف»، وقدرت الهبات بثمانية ملايين دولار.

الرئيس السابق دي سيلفا، وصف اعتقاله بالاستعراض السياسي والإعلامي، مؤكداً أن ذلك هجوماً على «حزب العمال»، وملاحقة سياسية محضة. فوفقاً للقوانين كان ممكناً ان يتلقى استدعاءً، وليس مذكرة اعتقال، وكان ليحضر لأنه «ليس فاراً من العدالة، ولا أخشى العدالة كما يحاولون أن يصوروا»، بحسب لولا. وانتقد طيف واسع من الأوساط السياسية والإعلامية والقانونية اعتقال لولا بهذه الطريقة التعسفية، التي تعيد إلى الأذهان حكم اليمين الانقلابي في عقود خلت.

تحالف اليمين

محاولات قلب الحكم من داخل أروقة البرلمان والقضاء، يقودها تحالف جديد لقوى اليمين والوسط المنتعشة إثر فوز اليمين في الأرجنتين وفنزويلا، يتصدره نائب الرئيسة وزعيم «الحركة الديمقراطية»، ميشال تامر، ورئيس مجلس النواب، إدواردو كونيا. الأمر الذي يعكس في أحد جوانبه تغيراً في خارطة التحالفات السياسية منذ بداية تراجع اليسار في معاركه الانتخابية قبل بضعة شهور.

بعد ذلك كله، واصلت المعارضة اليمينية محاولاتها الحثيثة في الاتجاه ذاته، لكن عن طريق تسيير المظاهرات في المدن البرازيلية الكبرى، تحت شعار «روسيف إرحلي»، للضغط الشعبي على أعضاء البرلمان المترددين في الموافقة على إقالة روسيف، الأمر الذي ردت عليه الأوساط المؤيدة لليسار بـ«تجنب الاستفزازات» أولاً، وبالدعوة إلى خروج مظاهرات مقابلة في 18 و31 من الشهر الحالي تالياً، بشعار: «لن يكون هناك انقلاب».

مادورو: «إنه وقت القتال..!»

وفي وقت يواجه فيه اليسار الفنزويلي أكبر أزمة في تاريخ حكمه حتى الآن، دعا الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، إلى التضامن العالمي ضد «العاصفة التي تختمر في أكبر دولة في أمريكا الجنوبية».

هذا، وكتب الرئيس مادورو، على صفحته الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، يوم الجمعة 18/3/2016، أي في اليوم الذي احتشد فيه أنصار الرئيسة روسيف في ميادين البرازيل عموماً: «إننا نرفع الصوت عالياً من أجل التضامن العالمي مع ديلما روسيف ولولا دا سيلفا، قبل تنفيذ الانقلاب الإعلامي الذي تخوضه المعارضة في البرازيل»، حاثاً الحركات الاجتماعية والسياسية في أمريكا اللاتينية للتحرك نحو مواجهة الهجمات التي يتعرض لها السياسيون البرازيليون، مؤكداً: «إنه وقت النضال والقتال..!».

وحذر مادورو من أن الهجمات التي تتعرض لها الحكومة البرازيلية هي جزء من الهجوم الإمبريالي الهادف إلى إسقاط القوى الثورية اليسارية والتقدمية في منطقة أمريكا الجنوبية، مشدداً: «لا يجب لأحد أن ينخدع، إنها جريمة إمبريالية تحاول وضع حد للقوى التقدمية والثورية.. علينا القتال والانتصار».