المواطن منضبط وفوضى الطوابير صناعة مُربحة
سمير علي سمير علي

المواطن منضبط وفوضى الطوابير صناعة مُربحة

بالرغم من كل ما يُفرض على المواطن من طوابير، قديمها وجديدها، وبالرغم من كل المعاناة التي يتكبدها والصعوبات التي يواجهها، معيشياً وخدمياً، لحظياً ويومياً وشهرياً، وبالرغم من كل التعدي على الكثير من حقوقه، فهو ملتزم ومنضبط، ويقوم بما عليه من واجبات، ويسعى جاهداً من أجل أن يحافظ على كرامته، التي تهدر في الكثير من الأحيان، ولأتفه الأسباب مع الأسف.

فمشاهد طوابير الانتظار مطلع كل شهر، مثلاً، أمام كوات تسديد فواتير (الكهرباء- المياه- الهاتف) مألوفة جداً، والمألوف فيها أكثر هو انضباط المواطنين المنتظرين في هذه الطوابير، أما الملفت، فهو أن الغالبية من هؤلاء هم من كبار السن المتقاعدين، رجال ونساء.

انتظام وانضباط برغم المشقة

على الرغم من كبر سن هؤلاء، إلا أنك تراهم واقفين بكل هدوء بانتظار دورهم من أجل القيام بتسديد ما عليهم من فواتير مستحقة، وغالباً ما يقوم هؤلاء بتسديد ما على أبنائهم أو أقربائهم من فواتير أيضاً، حرصاً على وقتهم خلال ساعات الدوام والعمل، في حرٍّ الصيف وتحت المطر وفي قسوة البرد والشتاء، ولا مانع لدى هؤلاء من الانتظار والحفاظ على دورهم في الطوابير عندما تُقطع الكهرباء، أو عندما تتعطل الشبكة مثلاً، فهم يُقدرون هذه الحالات بحكم الاعتياد عليها، سواء كانت حقيقية أو عبارة عن ذرائع مسوقة ليس إلا!.
وكذلك طوابير الصرافات الآلية والانتظام فيها مطلع كل شهر، وفي منتصفه، وبحسب المتوفر منها والمتاح بالخدمة، أو ما فُرض على المواطن من طوابير مرتبطة باستلام أسطوانة الغاز، سواء كانت بالطريقة ما قبل «الذكاء» أو بعدها، حيث تبدو مشاهد الانضباط والالتزام في الطوابير عادية، وأيضاً في حرٍّ الصيف وتحت رحمة السماء في الشتاء، عسى يدركه الدور ويحظى بالأسطوانة المدعومة مع حفاظه على كرامته، ولئن استغرق منه الحصول عليها الكثير من الوقت والجهد والعناء.
ولعل ما يثبت الالتزام والانضباط مؤخراً أيضاً، هو مشاهدة سيارات الغاز الممتلئة بالأسطوانات لدى المعتمدين في الوقت الذي ينتظر فيه المواطن أن تصله الرسالة الموعودة باستحقاقه من أجل استلامها خلال الموعد المحدد ومن المعتمد المخصص، فلا ازدحام ولا فوضى، فالمواطن التزم بالتعليمات الصادرة، لكن الرسالة لم تصل!.

الفوضى مفتعلة

بالمقابل، يلفت النظر من يفرض الفوضى ويفتعلها على هذه الطوابير المنتظمة والمنضبطة، سواء من قبل من يحسب نفسه أنه يمتلك امتيازاً على غيره، بحكم المحسوبية والدعم، أو من قبل ممارسي الوساطة والنفوذ لمصلحة البعض بعيداً عن الطوابير وازدحامها، والتي تغلب عليها المنفعة المادية طبعاً.
فطوابير الغاز سابقاً، وطيلة سنوات طويلة وحتى وقت قريب، كانت تطغى عليها الفوضى المفتعلة، والمرتبطة بالمنفعة المادية، والمرتبطة أكثر بالسوق السوداء للمادة ومَن خلفها من شبكة مستفيدين، ولا ندري كيف سيكون عمل هذه الشبكة لاحقاً مع التعليمات الجديدة، فقد اعتادت على التكسب والاستغلال، المصاحب لغض الطرف عنها؟!.
أما الفاقع في طوابير الانتظار فهي المرتبطة برغيف الخبز اليومي للمواطن، فقد أصبح مفتعلو الفوضى فيها لهم الغلبة، وذلك لما يرتبط بها من منافع مادية استقطبت معها شبكات عاملة مستفيدة، ولا مانع لدى هؤلاء من افتعال المشاكل مع الملتزمين في الطوابير من أجل طردهم منها ليفرض عليهم الشراء من البائعين المنتشرين حول المخابز اضطراراً وحفاظاً على كرامتهم من الهدر، وبسعر أعلى طبعاً.
لتأتي أخيراً طوابير الانتظار من أجل الحصول على السلع الغذائية المدعومة بموجب البطاقة الذكية من خلال منافذ وصالات السورية للتجارة، وما بدأ يظهر من فوضى على هامشها حتى الآن.
وكذلك الطوابير المتوقعة في المصارف مع بدء تنفيذ قرار البيوع العقارية والمركبات منتصف الشهر الحالي.
ولا ندري ما ستتمخض عنه جعبة أصحاب القرار من طوابير لاحقة قد تُفرض على المواطنين، وما يمكن أن تسفر عنه من فوضى مصاحبة ومرافقة تُصنع على هامشها وبعمقها من أجل الاستفادة منها.

صناعة مربحة وتعمية

واقع الحال يقول إن كل طابور جديد يتم تصنيعه وفرضه على المواطنين سيكون فرصة أمام البعض لتسخيره للاستفادة منه قدر الإمكان، وذلك بالتوازي مع بوابات الفساد الصغيرة المفتوحة على مصراعيها والمسكوت عنها، برغم كثرة المعاناة منها والحديث عنها، ولعل ذلك من أجل التعمية عن بوابات الفساد الكبيرة، بحيث تبدو مشكلة الفوضى من صنع المواطنين أنفسهم، وبحيث يتم تكريس الصراع حولها فيما بينهم، واللهو فيها بعيداً عن تسليط الأضواء على الفساد الكبير والمدعوم.
فالحديث عن الخبز مثلاً يتم تسليط الضوء فيه على فوضى الأفران والفساد الصغير المرتبط بهذه الحلقة الأخيرة وارتباطها بالمواطن المستهلك باعتباره المتضرر المباشر منها، وهي حقيقة يجب معالجتها والمحاسبة عليها بشكل جدي طبعاً، لكن مع الأسف ما زالت الحال على ما هي عليه، بينما هناك حلقات فساد أكبر من ذلك بكثير مرتبطة بهذا الرغيف، والتي تبدأ من حبة القمح مروراً بالمطاحن وصولاً للمخابز، وضمناً الكميات الكبيرة من الدقيق التمويني المدعوم المهرب للسوق السوداء، ولعل بعض ما تم ضبطه بهذه الحلقات خلال السنوات القليلة الماضية يعتبر مؤشراً ودليلاً على ذلك، مع الأخذ بعين الاعتبار كل ما يتم الحديث عنه حول حجم الدعم المخصص لهذه المادة بمليارات الليرات السورية سنوياً.
وكذلك الحديث عن مشكلة أسطوانة الغاز، حيث تبدو كأنها من صنع المواطنين بذريعة زيادة استهلاكهم، بينما واقع الحال يقول إن هذه المادة من المفروض أنها محكمة الإنتاج والتوزيع باعتبارها محصورة بسادكوب، فكيف للسوق السوداء أن تنشط بها بكل أريحية، وكذلك حال بقية المشتقات النفطية وأسواقها السوداء، والمدعومة أيضاً بالمليارات سنوياً.
فهل من سؤال بعد ذلك عن الانضباط والالتزام، وعمَّن يصنع الفوضى ويرعاها، ولمصلحة من، وللتعمية عن من؟!.

معلومات إضافية

العدد رقم:
952
آخر تعديل على الأربعاء, 12 شباط/فبراير 2020 12:02