_
«أوسكي» الطب البشري يطيح بجهود الطلاب!
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

«أوسكي» الطب البشري يطيح بجهود الطلاب!

تعرضت «الامتحانات السريرية» في كلية الطب البشري في جامعة دمشق مؤخراً للكثير من اللغط والاعتراضات، وصولاً لإقرار حذف امتحان «النسائية» بتاريخ 9/1/2020، على أن يجري لاحقاً مع مادة النظري، بحيث يصبح 80 سؤالاً نظرياً و20 سؤالاً عملياً، مع تمديد وقت الامتحان للمادة.

البداية كانت مع امتحان الجراحة العامة للسنة الرابعة بتاريخ 5/1، حيث تم توزيع أوراق امتحانية والصور المطبوعة بها بالأبيض والأسود وبشكل سيئ وغير واضحة، ومن المتعذر، بل المستحيل، على الطلاب تحديد الإجابة الصحيحة من بين الخيارات المتاحة، الأمر الذي تم تداركه من عمادة الكلية عبر «تساهلها» مع الطلاب من خلال «حذف الأسئلة غير الواضحة» ومنح علامتها لهؤلاء، وهو ما أكده عميد الكلية بتصريحه أن «نسبة النجاح في مادة الجراحة العامة للسنة الرابعة هي 100%».

جملة من الاعتراضات

صدر برنامج «الامتحانات السريرية» لطلاب السنتين الرابعة والخامسة بكلية الطب البشري في جامعة دمشق نهاية عام 2019، وشمل للسنة الرابعة (الجراحة العامة- الباطنة الخمجية بتاريخ 5/1- الباطنة الهضمية- الباطنة الغدية بتاريخ 7/1- الأذنية- الأورام بتاريخ 9/1)، وللسنة الخامسة (الجراحة العصبية والبولية للأطفال بتاريخ 5/1- الباطنة العصبية- الباطنة كلية بتاريخ 7/1- العينية والنسائية بتاريخ 9/1)، ومدة كل امتحان 30 دقيقة فقط.
ومنذ صدور البرنامج وفقاً للشكل أعلاه بدأت الاعتراضات عليه من قبل الطلاب، وبالحد الأدنى كانت الاعتراضات تتمحور حول الوقت المخصص والمقرر بـ 30 دقيقة لمادتين معاً.
وقد وردت الكثير من الاعتراضات على صفحة «الهيئة الإدارية– كلية الطب البشري- جامعة دمشق» الرسمية.
حيث علقت إحدى الطالبات: «المادتين سوا بنص ساعة؟».
فيما علقت أخرى: «معقول المادتين بنص ساعة؟ والله هالفحص شكلو أسرع من حياتي!».
وعلق آخر: «40علامة بنص ساعة.. لك النظري استحا».
لتتزايد الاعتراضات لاحقاً على الامتحان نفسه، خاصة بعد سوء الطباعة في مادة الجراحة العامة كما أسلفنا أعلاه، والخلل في أسئلة امتحان النسائية، وقرار حذف الامتحان بعد أن تقدم إليه طلاب السنة الخامسة، وقبل صدور نتائجه، بالإضافة إلى الملاحظات على امتحان الأذنية وغيره، حيث تتالت التعليقات على صفحة الهيئة الإدارية، ومنها:
«يعني صححوا غلط الدكاترة ع حسابنا وع حساب وقتنا وتعبنا.. برافو كليتنا».
«يعني يا إنو الامتحان بالأصل علامتو مو محسوبة! يا إنكن عم تلعبو لعب.. بالأذنية منحل ٢٠ سؤال وما حدا بخبرنا انو آخر ١٠ محذوفين لنطلع ونتفاجئ إنو بباقي القاعات مطبوعين أصلاً بس ١٠ أسئلة.. عنجد مهزلة..».
«يعني مو ملاحظين إنو كتير تخنت.. عم ندرس مادتين بيوم واحد وآخر شي الأسئلة مو منطقية بنوب!!.. لا واليوم كل ما فات حدا يبهدلنا ليش عم نسأل.. وكأنو نحنا مو طلاب جامعة.. ما بتفكرو بنفسيتنا وتعبنا يعني قبل ما تحطو الاسئلة».
«ع أساس المشكلة بس بالنسائية!!.. طيب وباقي المواد؟.. شي صور مو واضحة وشي أسئلة الدكاترة مختلفين بحلها.. ليش لتحذفوا أسئلة وتحذفوا علامتنا وتضيعوا تعبنا.. اشتهيت مرة تاخدوا قرار لمصلحة الطلاب.. بس بتاخدوا قرارات لتجربوا فينا.. وبتجوا بتقولوا عم ندرّس الطلاب وبعدين عم يسافروا.. يعني يلي داء الويل بهالكلية شو يلي رح يخليه يضل.. بكفي والله طفشتونا وكرهتونا بهالكلية».
الصفحات الطلابية الأخرى على «فيسبوك» أيضاً ورد فيها الكثير من الاعتراضات، فقد علق البعض عبر «صحيفة الطب السورية» بما يلي:
«يعني معقول طلاب درسوا وتعبوا ونزلوا يقدموا فحص بينصدموا إنو ملتغي والله هيك كتير».
«شي بخجل عنجد... هي لازم يطير من وراها مناصب عفكرة.. بس لا حياة لمن تنادي».
«حاج فضايح صرت أخجل احكي إني من كلية الطب البشري بجامعة دمشق».

شهادة وتعرية

حول اللغط والخلل في الامتحانات السريرية الأخيرة في كلية الطب البشري في جامعة دمشق، أورد الدكتور يوسف بركات (عضو هيئة تدريسية في كلية الطب البشري في جامعة دمشق، ونائب العميد للشؤون العلمية، سابقاً)، عبر صفحته الخاصة على «فيسبوك» ما يلي:
«في زحمة اللغط القائم حول امتحانات الطب السريرية وجدت أن من واجبي تقديم التوضيح التالي: للتوضيح، وللتاريخ والحقيقة فقط، أرفق لكم هذا الكتاب الذي وجهناه لرؤساء الأقسام عندما تم إقرار نظام الامتحانات الجديد (2017)، والذي لم نسمه أبداً «الأوسكي»، وهذا الكتاب يوضح باختصار مفهوم الطريقة الجديدة للامتحان، والذي قمت شخصياً بتنفيذه عام 2017 دون مشاكل تُذكر، رغم كونها المرة الأولى. الكتاب يوضح أن المطلوب هو امتحان بالمهارات السريرية العملية فقط، وهو برأيي أكثر عدالة وكفاءة (وألف خط تحت كلمة عدالة وكفاءة) من نظام المقابلات. ولكن ما حدث بعد 2017 هو تشويه للأسس التي قام عليها القرار بالأصل. كما أرسلنا خطاباً آخر يطلب من رؤساء الأقسام تحديد المهارات السريرية المطلوبة من كل ستاج وتسميتها بشكل واضح وصريح.. مع الأسف، هذا الشكل لم يعجب البعض لأنه يضر بمصالحهم، فسعوا إلى تشويهه وإلغائه، ثم تمت إعادة تطبيقه بالشكل الذي صار عليه هذا الفصل.. إن ما جرى يشبه كل ما يحدث في بلدنا... يكون القرار أو المرسوم جيداً إن لم نقل مثالياً، ثم، وبالتدريج يفرغ من مضمونه، وهذا ما حدث لقرارات أخرى اتخذناها ومنها «التكامل في تدريس المقررات» وتلافي التناقض بين المقررات وطباعة الكتب للطلاب وفق هذا المبدأ وغير ذلك، وكل هذا تم إجهاضه».

«الأوسكي» لمحة تعريفية

«الأوسكي»، بحسب بعض المراجع العلمية، هو استبدال بنية الفحص السريري والشفوي المتعارف عليها ببنية أخرى تحافظ على الغاية من الفحص السريري الذي يضمن أن المتدرب «الطالب» قد اكتسب المعرفة والمهارة اللازمة والضرورية والأمور الأخرى المتعلقة بإكمال التدريب، من خلال امتحان يتألف من عدة محطات، لكل منها مدة محددة وتبويب محدد، بما يضمن التأكد من معايير ومستويات (المعرفة- المهارة- الكفاءة- الحرفية..) لدى الطالب أو المتدرب. وقد عمدت الجامعات والكليات الطبية التي تتبع هذا النموذج الامتحاني إلى وضع ضوابطها ومعاييرها الخاصة بشأنه، بما يضمن الغاية المرجوة منه.

تساؤلات مشروعة

حول ما جرى من لغط وخلل واعتراضات مشروعة بما يخص الامتحانات السريرية للسنة الرابعة والخامسة مؤخراً، نتساءل:
هل هناك من يتحمل المسؤولية عن هذا الخلل، بعيداً عن تجييرها على حساب الطلاب؟.
هل «تساهل» العمادة و«حذف الأسئلة غير الواضحة» بالنسبة لمادة الجراحة العامة للسنة الرابعة، و«إقرار حذف امتحان النسائية» للسنة الخامسة، يعتبر إجراءات كافية؟.
هل هذا النمط من الامتحانات السريرية يؤدي الغرض منه (الحصيلة العلمية والمهارة العملية) لدى الطلاب؟.
هل يمكن تسمية هذا النمط من الامتحانات السريرية «أوسكي»؟.
هل من نهاية لهذا التخبط والعشوائية في معالجة المشاكل ومكامن الخلل، والتي لا يدفع ضريبتها إلا الطلاب؟.
وهل وهل وهل... فما ورد أعلاه جزء بسيط جداً من فيض المشاكل المرتبطة بالعملية التعليمية، ليس في كلية الطب البشري في جامعة دمشق فقط، وليس بالمرحلة الجامعية دون سواها من مراحل التعليم الأخرى، وليس بالتعليم العام دوناً عن الخاص، بل بجملة العملية التعليمية والقطاع التعليمي ككل (سياسات- مدخلات- مخرجات..) مع ما يجب أن يرافقه افتراضاً وبالتوازي، تناسقاً وتناغماً، مع بقية القطاعات عبر السياسات المطبقة حيالها هي الأخرى والقائمة تطول وتطول..!

معلومات إضافية

العدد رقم:
948
آخر تعديل على الإثنين, 13 كانون2/يناير 2020 13:01