_
موسم الحمضيات..  ثُلث للاستهلاك المحلي والباقي بمهب الريح
سمير علي سمير علي

موسم الحمضيات.. ثُلث للاستهلاك المحلي والباقي بمهب الريح

موسم الحمضيات قرع الأبواب، وقد سبق ذلك الكثير من الأحاديث المعادة والمكررة عن معاناة الفلاحين مع فائض الإنتاج، ومن صعوبات التسويق الداخلي وعمليات التصدير، ونتائجه الكارثية سنوياً على شكل خسائر متراكمة يتكبدها المزارعون، مع تداعياتها السلبية المتمثلة بقطع الأشجار واستبدالها بزراعات أخرى وصولاً إلى هجرة الأرض والزراعة. 

وقد بدأت الاجتماعات الخاصة بالموسم، كما كل عام، تُعقد تباعاً، حيث عقدت هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات في وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية اجتماعاً بتاريخ 20/11/2019 لمناقشة واقع تسويق وتصدير الحمضيات السورية، والصعوبات التي تعترضه، والحلول الواجب اتخاذها للحد منها، وقد حضر الاجتماع وزيرا الاقتصاد والتجارة الخارجية والزراعة والإصلاح الزراعي، ومعاون وزير الاقتصاد وعدد من منتجي ومصدري المنتجات الزراعية.

أرقام الموسم التقديرية

وردت على صفحة وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية بتاريخ 21/11/2019، تغطية لمجريات ووقائع الاجتماع أعلاه، مع بعض الأرقام التفصيلية عن واقع الموسم الحالي، وما تم تصديره من كميات خلال المواسم الماضية، حيث تم تقدير إجمالي إنتاج سورية من الحمضيات بكمية مليون طن، وبالنسبة للكميات المتاحة للتصدير في الموسم الحالي فقد قدرت بحدود /674012/ طناً ، بحسب الأصناف التي وردت على الصفحة كما يلي:
268 ألف طناً من البرتقال «أبو صرة» بأنواعه.
186558 طناً من البرتقال اليافاوي.
27455 طناً من البرتقال الماوردي.
151155 طناً من صنف الفالنسيا.
40844 من الكريفون (الجريب فروت) بأنواعه الأبيض والأحمر والزهري.
وبحسب الصفحة ومجريات الاجتماع: «وفقاً للأرقام تقدر الكميات القابلة للتصدير بمواصفات عالية الجودة ولأسواق غير تقليدية بنحو 202000 طن منها 30% على الأقل أصناف تصديرية، في حين تقدر الكميات القابلة للتصدير إلى الأسواق التقليدية، مثل العراق ولبنان والخليج بحوالي 20% أي 134 ألف طن، كون هذه الأسواق تستقبل أصناف الحامض واليوسفي».
كما ورد حول بلدان المقصد المستهدفة من عمليات التصدير، فقد ورد التالي: «الأسواق المستهدفة للصادرات السورية من مادة الحمضيات بمقابل نقدي تشمل وفقاً لما طرح خلال اللقاء أرمينيا وكازاخستان ورومانيا وسلطنة عمان وروسيا الاتحادية، أما الأسواق المستهدفة للصادرات السورية من مادة الحمضيات عن طريق المقايضة فتشمل الهند والفيلبين وتايلاند وماليزيا وأندونيسيا والسودان».
مقارنات تصديرية
صفحة الوزارة أوردت بعض الأرقام بما يخص عمليات التصدير وكمياتها كما يلي: «بلغت كمية الصادرات السورية من مادة الحمضيات خلال عام 2017 نحو 41,4 ألف طن، وبنسبة انخفاض بلغت 56% عن عام 2016، كما تراجعت كمية الصادرات السورية من مادة الحمضيات خلال الفترة الواقعة بين عامي 2013 -2018 بنسبة انخفاض بلغت 91%، في حين بلغت كمية الصادرات من مادة الحمضيات للموسم الحالي 2018-2019، ما يقارب 13 ألف طن، وذلك تأسيساً على استمارات التصدير المقدمة إلى هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات، للحصول على الحوافز المقررة، حيث تعددت الوجهات التصديرية للحمضيات السورية للموسم الحالي ما بين دول الخليج بكمية 7264 طناً بنسبة 55,87% من الصادرات الإجمالية في حين كانت حصة العراق 4436 طناً بنسبة 34,12%، أما روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا فكانت حصتهم 1300 طن بنسبة 10% من إجمالي صادرات الحمضيات».
الأرقام أعلاه توضح الفارق الكبير بين كمِّ الإنتاج والكميات المصدرة سنوياً، بما في ذلك الكميات بحسب استمارات التصدير للموسم الحالي حتى تاريخه، فالحديث عن مليون طن إنتاج سنوي يقابله بضعة آلاف من الأ طناً ن التي تم تصديرها فقط، الأمر الذي يوضح حجم المأساة السنوية التي يعاني منها الفلاحون والمنتجون الزراعيون مع هذا المحصول الإستراتيجي.

صعوبات ليست جديدة

حسب الصفحة، لقد تم التوقف عند الصعوبات التي تواجه عمليات التسويق والتصدير، وقد ورد بهذا الصدد: «الصعوبات التي تواجه تصدير الحمضيات السورية فصّلتها الشروحات ضمن مستويين اثنين، حيث تستوعب السوق المحلية ما يقارب ثُلث الإنتاج من موسم الحمضيات، وبالتالي توجد زيادة كبيرة في العرض تؤدي إلى انخفاض الأسعار بشكل مجحف بحق الفلاح وتلف جزء من الموسم لعدم جدوى قطافه وتسويقه، ومن هنا تأتي أهمية التصدير إلى الأسواق الخارجية في العملية التسويقية».
من المفروغ منه، أن ما ورد أعلاه ليس بجديد، وخاصة في ظل الأرقام والمعطيات أعلاه، والتي تؤكِّد أن الفلاحين يتكبدون خسائر كبيرة لقاء عدم تمكنهم من تسويق ثلثي الإنتاج السنوي من محصول الحمضيات، بالإضافة إلى انخفاض الأسعار جراء عمليات الاستغلال القائمة على أرضيةِ فائض الإنتاج غير المسوق سنوياً، ولعل الوصول لقطع الأشجار وهجرة الزراعة نتيجة طبيعية لكل ذلك، ولعل مطالبهم المكررة بخصوص معامل العصائر التي يتوخَّون من خلالها أن يتمكنوا من تسويق فائض الإنتاج السنوي تعتبر مطالب محقة وضرورية، ليس بالنسبة لهم ولواقعهم المعيشي فقط، بل لانعكاس ذلك على الاقتصاد الوطني ككل، فمعامل العصائر تحقق قيماً مضافة على هذا الإنتاج، وتشغل أيدي عاملة إضافية، وتفتح أسواقاً تصديرية جديدة، ما يعني عائدات قطع إضافي تصبُّ في صالح الخزينة العامة أيضاً، وعلى الرغم من ذلك فإن الاجتماع أعلاه لم يتطرق لهذا الجانب الهام خلال مجرياته.

الموز بمواجهة الحمضيات مجدداً

القديم الجديد بهذا الصدد، أن يتم فتح باب استيراد الموز خلال ذروة موسم الحمضيات كل عام، وقد كانت محافظة دمشق بوابة عبور لمشروع قرار السماح باستيراد مادة الموز هذا الموسم، فقد رفعت محافظة دمشق خلال اجتماع مجلسها مطلع الشهر الحالي توصية إلى اللجنة الاقتصادية «لفتح استيراد البطاطا والموز»، وذلك من بوابة ارتفاع أسعار هاتين المادتين محلياً.
وبحسب إحدى الصحف المحلية شبه الرسمية أيضاً: «أكد مصدر في وزارة التجارة الاقتصاد والتجارة الخارجية تلقي الوزارة منذ قرابة الشهر عدة طلبات من جهات لبنانية للسماح بتصدير الموز اللبناني إلى سورية، لكنَّ الموضوع لا يزال قيد الدراسة».
وبحسب موقع الاقتصادي بتاريخ 19/11/2019: «شكر وزير الزراعة اللبناني الحكومة السورية ووزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية لسماحها استيراد نحو 70 ألف طن موز لبناني».
أي إن عمليات الاستيراد لمادة الموز ستبدأ، ولا شكَّ أن استيراد كميات من الموز خلال ذروة إنتاج موسم الحمضيات يؤثر على سعره، وخاصة في السوق المحلي، حيث يعتبر الموز مادة منافسة في هذا السوق، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض سعره على المنتجين وتعرضهم لضغوط إضافية من قبل التجار والسماسرة والمسوقين المحليين كما كل عام.
النتيجة، أن ثُلثي الإنتاج من موسم الحمضيات ستبقى قيد دراسات عمليات التصدير وبواباتها، وبما يتوافق مع مصالح المستفيدين منها دوناً عن مصالح المنتجين الحقيقيين لهذا الموسم من فلاحين ومزارعين كما كل عام وكل موسم، حيث يستفيد بعض المصدرين من دعم عمليات التصدير لبعض كميات هذا الموسم فقط، أما الثلث المتبقي للاستهلاك المحلي فسيبقى معرَّضاً للمنافسة الظالمة المفتوحة عليه مع الموز كمنافس، بالإضافة إلى أوجه الاستغلال من قبل التجار وسماسرة أسواق الهال.
ومن المؤكد بعد ذلك كله، وكما كل عام أيضاً، أنَّ جزءاً من الإنتاج سيبقى على الأشجار دون قطاف، وبأن قطع الأشجار أمر متوقع لاستبدال زراعة الحمضيات بزراعات أخرى ذات جدوى اقتصادية أفضل، أو لهجرة الأرض والزراعة بشكل نهائي من قبل بعض الفلاحين والمزارعين.
وتستمر الاجتماعات والاقتراحات التي لا تُسمن ولا تُغني مِن جوع!

معلومات إضافية

العدد رقم:
941
آخر تعديل على الإثنين, 25 تشرين2/نوفمبر 2019 12:50