_
المدارس الخاصة.. دكاكين تعليم بخدمات فندقية
دارين السكري دارين السكري

المدارس الخاصة.. دكاكين تعليم بخدمات فندقية

ارتفع عدد المدارس الخاصة في سورية خلال العقود الماضية، وخصوصاً في سنوات الحرب، وقد توزعت الحصة الأكبر لهذه المدارس في دمشق وريفها ومدينة حلب، ومن يتابع رسوم التسجيل في هذه المدارس يلزمه «حبة تحت اللسان»، لأن الأصفار قد وصلت إلى الستة في المدارس النموذجية أو ما تسمى بـ «الإنترناشونال»، ناهيك عن الرسوم المتفرقة بعد منعهم «نظرياً» من زيادة الأقساط هذا العام.

فبحسب بيانات المكتب المركزي للإحصاء، بلغ عدد مدارس التعليم الأساسي (الحلقة الأولى والثانية) الخاصة في عام 2013 /257/ مدرسة، ليرتفع وصولاً إلى /323/ مدرسة في عام 2017، بزيادة مقدارها /66/ مدرسة، كما كان عدد المدارس الثانوية الخاصة في عام 2013 /95/ مدرسة، ليصل إلى /136/ مدرسة في عام 2017، بزيادة مقدارها /41/ مدرسة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الأرقام تعبر عن المدارس الخاصة المرخصة، حيث يمكن أن يضاف إليها بعض المعاهد التي تقوم بمهام التدريس «المجزأ» لبعض المواد على شكل دورات.

خدمات الـ«VIP» تزيد عدد الأصفار

لاشك أن التعليم الخاص في سورية أضحى تجارة رابحة تحت أيدي المستغلين وأصحاب الأموال، فهي تدر عليهم الملايين الوفيرة دون رقيبٍ أو حسيب، خصوصاً في ظل خدمات الـ«VIP» المقدمة التي تتحجج بها المدارس الخاصة لرفع الرسوم والأقساط عاماً بعد عام، كالمواد الإثرائية واللباس الموحد الخاص بكل مدرسة، واللباس الرياضي المنقوش بشعار المدرسة، إضافةً إلى القرطاسية والكتب المدرسية التي يزيد سعرها ضعفاً عن التسعيرة خارجاً، والتدفئة والتكييف، ناهيك عن أجور المواصلات التي باتت استغلالاً واضحاً، والتي وصلت في بعض المدارس اليوم إلى 400 ألف ليرة للعام الدراسي.
فبالرغم من طمأنة مدير التعليم الخاص في وزارة التربية للأهالي هذا العام بصدور قرار جديد من الوزارة، والذي يتضمن «منع رفع الأقساط المدارس الخاصة، والإبقاء عليها كما كانت خلال العام الفائت»، وتأكيده أيضاً «أن أية مخالفة أو شكاوى صادرة سيتم التدقيق والتحقيق فيها في المدرسة، واتخاذ الإجراءات اللازمة، والعقوبة المالية، وتعويض مقابل الضرر، وإعادة الأقساط لمستحقيها». إلا أن عدداً كبيراً من الأهالي أكدوا أن أغلب المدارس والروضات في محافظة دمشق وريفها عمدت إلى رفع الأقساط لهذا العام دون أية مبررات، أو حتى دون أية ضوابط محددة للأجور.

أين الرقابة؟

أوضحت إحدى الأمهات التي قامت بتسجيل ابنها في روضة في منطقة المهاجرين، أنه عند سؤالها للمديرة عن سبب رفع القسط، أجابتها أن الرفع مقابل الخدمات المقدمة منطقي!. وعند إعلامها عن قرار الوزارة بعدم الرفع، ردت المديرة: «مو عاجبك روحي اشتكي».
فاليوم، وصلت أقساط التسجيل بالروضات، حسب ما تم تداوله عبر صفحات الفيسبوك من قبل الأهالي- وهم يشتكون من الارتفاع الجنوني لها- لأرقام خيالية، فقد تراوحت الأقساط بين 80 ألف ليرة و 400 ألف ليرة حسب «مستوى» الروضة والكادر التدريسي فيها «فأين الرقابة؟؟».

الأقساط «حدث ولا حرج»

قامت قاسيون برصد الأقساط لبعض المدارس الخاصة في محافظة دمشق وريفها، من قبل ذوي بعض الطلاب، فكانت الأقساط تتراوح على الشكل الآتي:
صفوف الروضات، «Kindergarten» Kg 1,2,3: من الـ 100 ألف وصولاً لـ 400 ألف حسب مستوى الروضة والمنطقة المتواجدة فيها، الأقساط شاملة اللباس الموحد، الكتب المدرسية، النقل للطلاب على مدار العام الدراسي، لكن دون أن يشمل هذا القسط وجبة إفطار أو غداء للطفل!.
المرحلة الابتدائية: تتراوح الأقساط بين 200 ألف ليرة لـ 500 ألف ليرة.
المرحلة الإعدادية: تتراوح الأقساط بين 500 ألف ليرة لـ 700 ألف ليرة.
المرحلة الثانوية وكما وصف بعض الأهالي أقساطها بـ «حدث ولا حرج»: حيث تصل أقساطها لحدود المليون ليرة سورية.
وفي حال تسجيل الطلاب في المدارس النموذجية أو ما تسمى بـ «الإنترناشونال» فإن أقساطها كما قال بعض الأهالي «ما بتنبلع لا بميزان ولا بقبان»، حيث أجور باص النقل للطالب الواحد فقط قد تصل إلى 400 ألف ليرة، عدا الأنشطة الترفيهية التي تُطلب من الطالب كل أسبوع تقريباً!.

المدارس الخاصة «تنافس وموضة»

مثلها مثل أي نشاط استثماري ربحي وتنافسي، فإن تزايد أعداد المدارس الخاصة سببه الرئيس هو البحث عن الأرباح الاستثمارية، وقد كان ذلك متاحاً بسلاسة، بسبب:
تراجع المدارس الحكومية في جميع مستوياتها، بسبب تخفيض الإنفاق على القطاع التعليمي عموماً، بدءاً من تدني مستوى رواتب المدرسين وتعويضاتهم، والذي أدى بدوره إلى تراجع سويّة وأداء بعضهم واعتمادهم على الدروس الخصوصية، مروراً بعدم توفر مستلزمات التعليم، مثل «الوسائل التعليمية الشاملة لجميع المواد، الطباشير... إلخ»، وصولاً لواقع المدارس والشعب الصفية والازدحام، وغيرها من الجوانب الأخرى.
ظهور شريحة أثرياء تجار الحرب والأزمة الجدد، والذين انضموا بدورهم إلى طبقة «الأثرياء»، وبالمقابل أصبح من «العَيب» ترك أطفالهم في المدارس الحكومية، من باب «الموضة».
مع عدم تغييب دور الدعايات والترويج والبهرجة التي تستقطب وتستهوي شريحة الأثرياء، وربما تورط البعض من بقية الشرائح، وخاصة بالنسبة للروضات الخاصة بسبب انعدام البدائل، وضرورات الالتزام بالعمل التي تفرض نفسها على الأمهات العاملات.
أما الأكثر تضرراً من الرسوم والتكاليف المرتفعة فهم المضطرون إلى التسجيل في المدارس الخاصة من المفقرين الذين حالت ظروفهم للانقطاع عن التعليم في المدارس الحكومية، وأصبحت عودتهم إليها صعبة إن لم تكن مستحيلة، فهؤلاء لا تعنيهم البهرجة وخدمات الـ«VIP» بقدر حاجتهم الحقيقية لاستكمال تعليمهم، وهؤلاء يتركزون غالباً في صفوف شهادات (التعليم الأساسي والثانوي)، ولعل سنوات الحرب والأزمة وظروفها كانت سبباً في زيادة أعداد هؤلاء. وبالتالي، زيادة الاستقطاب من قبل المدارس الخاصة لهم.

«فوق النصب شوفة حال»

تعلن بعض المدارس الخاصة التزامها بموعد محدد لنهاية التسجيل بسبب تزايد الإقبال عليها، وحسب ما قالته إحدى الموظفات المسؤولة عن التسجيل في إحدى المدارس: «سبب الإقبال هو وجود باصات لنقل الطلاب، وساعات دوام المدرسة الخاصة أطول من دوام المدارس الحكومية غالباً، وهاد بيناسب الأم الموظفة، خصوصاً إنو الولد بيرجع ع بيتو خالص دراسة، وهاد الحكي بينطبق ع طلاب المرحلة الإبتدائية».
طبعاً هذا لا ينفي أن غالبية المدارس الخاصة تعج بالمخالفات، اعتباراً من الشروط الفنية والصحية لأبنيتها وشعبها الصفية، مروراً بكفاءة وإمكانات الكادر الإداري والتدريسي، وليس انتهاءً بباصات النقل التي تكدس الطلاب «كالمكدوس» داخلها، ناهيك عما يمكن أن توصف به أقساطها ورسومها الخيالية.
كما أن التسجيل في المدارس الخاصة لا يعني الخلاص من الدروس الخصوصية لبعض المواد، وهي على ذلك حالها كحال المدارس الحكومية.
ولا عجب بعد كل ذلك أن يكون تزايد الإقبال على المدارس الخاصة أصبح فعلاً نوع من «البريستيج» و«الموضة»، أكثر منه حاجة وضرورة.
فغالبية المدارس الخاصة تحولت إلى دكاكين خدمات فندقية، تقدم للطلاب مع عوامل الترفيه والكلام الطيب المعسول، بعيداً عن عصا المدير وصوت الموجهة المرتفع، لتطغى هذه النوعية من الخدمات على سوية التعليم المفترض من خلالها، مع عدم التعميم من دون شك.

الأفضلية للحكومي ولكن!

حسب ما تم نقله على لسان أحد المعلمين المُخضرمين في إحدى المدارس الحكومية من خلال إحدى صفحات «فيسبوك»: «إن المدارس الحكومية ممتازة، وإذا في خلل بشي مادة يمكن للأهل الإستعانة بدروس خصوصية للتقوية، وبالنهاية الطالب هو الأساس إذا كان مُهتماً.. يُبدع، ولا علاقة للإبداع بالخدمات الفندقية التي تقدمها المدارس الخاصة، والكفاءات الموجودة في المدارس الحكومية أفضل من الخاصة بالرغم من تسرب بعض الكفاءات، نتيجة تدني مستوى الراتب وتركيز وزارة التربية على الطلاب وإهمال المدرس، وبالرغم من ذلك جميع المتفوقين يدرسون في مدارس حكومية، ومنهم في مناطق شبه نائية».
فبالرغم من المنافسة غير العادلة بين المدارس الحكومية والمدارس الخاصة، والدعم المباشر وغير المباشر للمدارس الخاصة، إلا أنه لا يمكن لهذه المدارس أن تقوم مقام الدولة لا على المستوى التعليمي، ولا على مستوى الانتشار، ولا على مستوى الإعداد، ولكن يلزمها المزيد والمزيد من الاهتمام، وخاصة على مستوى تحسين رواتب وتعويضات المعلمين المخجلة، مع التأكيد طبعاً على حق التعليم المجاني المُصان افتراضاً، دستوراً وقانوناً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
932
آخر تعديل على الأربعاء, 25 أيلول/سبتمبر 2019 13:33