_
برعاية حكومية.. قطاع التأمين يبحث عن مزيد من الأرباح على حساب الصحة
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

برعاية حكومية.. قطاع التأمين يبحث عن مزيد من الأرباح على حساب الصحة

نُقل عن رئيس هيئة التخطيط والتعاون الدولي بأن: «البرنامج الوطني لسورية ما بعد الحرب تضمن برنامجاً خاصاً بتعميم الضمان الصحي، ليصبح شاملاً لجميع أفراد الأسرة»، وذلك بحسب إحدى الصحف المحلية بتاريخ 4/9/2019. وأوضح: «بأنه في المرحلة الحالية تعمل الحكومة وخصوصاً وزارتي المالية والصحة على تطوير منظومة التأمين الصحي عبر دراسة تأسيس شركة مختصة بذلك وزيادة التمويل، إضافة إلى ردم الهوة ما بين البدل والغطاء التأميني المقدم».

كما أوضح: «أنه يعمل في قطاع التأمين محلياً 13 شركة تأمين واحدة منها حكومية، كما تعمل 8 شركات لإدارة خدمات التأمين الصحي، مؤكداً أنه بلغت نسبة التعويضات في التأمين الصحي عام 2017 ما مقدراه 70 بالمئة من إجمالي حجم تعويضات التأمين في سورية، وهذا يشير إلى خسارة هذا الفرع، ويؤدي إلى عدم تفضيل شركات التأمين له».

الضرورة والسياسات

بداية، لا بدَّ من القول إن الحاجة للرعاية الصحية والطبابة والاستشفاء تزايدت بشكل كبير خلال سنوات الحرب والأزمة، بسببها، وكنتيجة وتداعيات حتمية لها، وستستمر هذه الحاجة لتمتد سنوات وسنوات لاحقاً، وقد تحمّلت الدولة العبء الأكبر بهذا المجال من خلال القطاع الصحي العام (المشافي العامة، سواء التابعة لوزارة الصحة أو التابعة لوزارة التعليم العالي، بالإضافة إلى المستوصفات ومراكز الرعاية الصحية الأخرى)، في الوقت الذي يعاني فيه هذا القطاع من الكثير من الصعوبات والعقبات، وصولاً للترهل والتراجع.
بالمقابل، ومع تزايد الحاجة لهذا القطاع كضرورة ملحة، استمرت السياسات الحكومية على ما هي عليه تجاهه ناحية تخفيض التمويل وعدم رفده بالكادرات، وعدم توفير الكثير من مستلزماته وتجهيزاته، بالإضافة لعدم توسيعه وزيادة انتشاره، مع استمرارها بتعزيز وتكبير دور القطاع الخاص على حساب تراجع وترهّل قطاع الدولة، بما في ذلك ما جرى خلال السنوات الماضية على مستوى الضمان الصحي الذي أصبح مصدراً للتربُّح، وما يخطط له على هذا المستوى.

تراجع العام فرض الحاجة للضمان الصحي

الحديث المنقول أعلاه لا تناقض بمضمونه، حيث تبدو الرسالة واضحة وصريحة بمتنه، فتعميم الضمان الصحي ليصبح شاملاً لجميع أفراد الأسرة غايته نقل الفرع التأميني الخاص بالضمان الصحي من الخسارة إلى الربح كي يستقطب شركات التأمين الخاصة، أي تجيير النموذج التكافلي لمفهوم الضمان الصحي لمصلحة هذه الشركات أولاً وآخراً، وفقط لا غير، وبغض النظر عمّا يمكن أن تستفيد منه هذه الأسر وأفرادها على مستوى الرعاية الصحية المطلوبة، وبغض النظر عن الضرورة التي فرضت نفسها خلال سنوات الحرب والأزمة، والحاجة المستمرة للطبابة والاستشفاء خلال سنوات ما بعد الحرب، وكل ذلك برعاية ودعم حكومي.
ربما يقول قائل إن الاستنتاج أعلاه فيه بعض الإجحاف بحق التوجه الحكومي آنفاً، فتعميم الضمان الصحي بحيث يشمل جميع أفراد الأسرة يعتبر إيجابياً!.
ولعل من السهولة الرد على ذلك بالقول إن الحاجة للضمان الصحي بالأصل لم تُفرض كضرورة ومطلب مع الأسف إلا من خلال تراجع دور الدولة تباعاً على مستوى ما تقدمه من خدمات صحية مجانية وشاملة، عبر مشافيها ومستوصفاتها ومراكز رعايتها لعموم المواطنين، وخاصة للغالبية من المفقرين ومحدودي الدخل، مع عدم زيادتها عدداً ومهامَّ وخدمات، ومع عدم توسعها وانتشارها، وأيضاً بسبب تخفيض الاعتمادات المخصصة للطبابة والعلاج في الموازنات السنوية للوزارات والمؤسسات والشركات، وكافة الجهات الحكومية بالتدريج وعاماً بعد آخر، وصولاً إلى فرض نموذج الضمان الصحي على العاملين في الدولة بالقطاعين الإداري والاقتصادي مع اقتطاع نسبة من الأجور، لقاء بعض التغطيات التأمينية العلاجية فقط وليست جميعها، في الوقت الذي تزايدت فيه المشافي والمراكز الصحية الخاصة، مع تزايد أعداد شركات التأمين الخاصة وتعدد وتنوع فروعها التأمينية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن (المشافي والمراكز الصحية الخاصة وشركات التأمين الخاصة) وبغض النظر عن تباين خدماتها تحت عنوان الصحة، تعتبر مشاريع استثمارية غايتها تحقيق الأرباح وبلا رتوش.

تعميم المعاناة

واقع الحال يقول إن من شملهم التأمين الصحي من العاملين في الدولة بقطاعيها الإداري والاقتصادي يعانون من الكثير من المشاكل على مستوى الخدمات المقدمة والتغطيات المشمولة بالتأمين، بالإضافة لسوء التعامل في بعض الأحيان من قبل مقدمي الخدمة، وامتناع بعضهم بذرائع التكلفة وعدم صرف المستحقات، مع تكبيد هؤلاء العاملين بنفقات إضافية ليس كفارق في نسب التغطية بحسب العقود المبرمة فقط، بل كفارق مع التكلفة التي يفرضها مقدم الخدمة نفسه في بعض الأحيان (مشفى- طبيب- مخبر..)، وقد جرى الحديث عن ذلك مراراً وتكراراً عبر وسائل الإعلام، وعبر المؤتمرات النقابية.
وبهذا الصدد، تجدر الإشارة إلى حديث رئيس هيئة التخطيط والتعاون الدولي بحسب الصحيفة أيضاً، حيث اعتبر: «أن التأمين الصحي في سورية مالا يزال محدوداً باقتصاره على الأفراد من الموظفين الحكوميين وبعض موظفي القطاع الخاص، ولفت إلى أن هناك العديد من الصعوبات التي يعاني منها التأمين الصحي، مثل ضعف التعاون والتنسيق بين الجهات المعنية بذلك، والفجوة بين القسط التأميني والخدمة المقدمة.. وأشار إلى عزوف بعض مزودي الخدمة عن استقبال المرضى المؤمنين بسبب ارتفاع التكاليف الطبية ومنها المستهلكات الطبية وقيم الخدمات المقدمة..».
فإذا كانت المعاناة ماثلة أمامنا كما سبق أعلاه مع الاعتراف الرسمي بها، فكيف يستقيم ذلك مع مساعي تعميمها على أفراد الأسر؟.
أما الحديث عن «الفجوة بين القسط التأميني والخدمة المقدمة» فذلك له شجون أخرى، فالقسط التأميني عبارة عن نسبة مقتطعة من الأجر، والفجوة قائمة بالأصل بين الأجر المحدود والمتآكل نفسه مع كافة متطلبات وضرورات الحياة، وليس مع الخدمة المقدمة عبر الضمان الصحي فقط، ومن المفترض أن يجري العمل على ردم هذه الفجوة التي أصبحت حفرة لا قاع لها، قبل الحديث عنها من بوابة الحرص على مصالح القطاع الخاص وأصحاب حصص الأرباح.

تساؤلات مشروعة

لعله بالنتيجة هناك بعض الأسئلة التي تفرض نفسها:
ترى ما هي الخطوة التالية في حال جرى تعميم فرض الضمان الصحي على أفراد الأسر، وفقاً للتوجه أعلاه وبهذه الظروف الضاغطة؟
وهل تعميم الضمان الصحي سيصبح بديلاً عن العلاج المجاني في مشافي الدولة ومستوصفاتها؟
وهل ذلك يعتبر الخطوة ما قبل الأخيرة لوأد قطاع الدولة الصحي المجاني ليتبعها استكمال الخصخصة بشكل نهائي على هذا القطاع؟
أما السؤال الأهم فهو لماذا يعتبر فرع التأمين الصحي غير مربح، وأين التنافس على مستوى الخدمات المقدمة طالما هناك هذا العدد الكبير من الشركات الخاصة العاملة بهذا القطاع، ولماذا على المواطنين تحمّل هذه الخسائر في حال صحتها؟
ختاماً، وبكل اختصار، يمكننا القول إن السياسات الليبرالية المعمول بها لن تؤدي إلا إلى المزيد من الضغوط والكوارث على حساب الغالبية المفقرة ولمصلحة أصحاب الأرباح بجميع مسمياتهم وتلاوينهم وتلوّنهم، والتوجه أعلاه، وبهذه الظروف القاسية ما هو إلا دليل جديد على ذلك.

معلومات إضافية

العدد رقم:
930
آخر تعديل على الأربعاء, 11 أيلول/سبتمبر 2019 15:46