_
أهالي الدرباسية.. من دَلفِ العيد إلى مزراب المدارس!
ستالين سليمان ستالين سليمان

أهالي الدرباسية.. من دَلفِ العيد إلى مزراب المدارس!

مشاكل وصعوبات كثيرة يستعد أبناء الدرباسية لملاقاتها مع بداية العام الدراسي الجديد، بعد أن حلّ عليهم العيد وغادرهم، مضاعفاً من الصعوبات الاقتصادية والمعيشية التي يعيشونها بأحوالهم العادية، ولعل حال أبناء مدينة الدرباسية في محافظة الحسكة لا يقل سوءاً عن باقي المناطق السورية على هذا المستوى، إن لم يكن أسوأ.

غابت عن العيد تلك الفرحة والبهجة التي كانت ترافقه في كل عام، حيث إن موجة الهجرة التي اجتاحت البلاد انعكست آثارها بشكل سلبي على مختلف جوانب الحياة، وحتى على العيد، حيث أصبح عيداً من باب الروتين لا أكثر، بالمقابل، لم تتبقَ سوى أيام قليلة على بداية العام الدراسي الجديد، حيث إن هذه الفترة تعتبر من الفترات الكئيبة التي تمر على المواطن المفقر، وخاصة في السنوات الأخيرة، وبين غياب الفرحة وصولاً إلى الكآبة تستمر المعاناة بأوجهها المختلفة «من تحت الدلف لتحت المزراب».

الوضع المعيشي ضاغط على الأسواق

لم تكتظّ شوارع الدرباسية بالسيارات والمارّة خلال فترة العيد لشراء حاجيات العيد من ملابس وضيافة وغيرها، كما جرت العادة، فقد خلت شوارع المدينة من الزحمة والضجة، كما أن المحالّ التجارية لم تجرؤ على زيادة كمية البضاعة في محلاتها من ضيافة وغيرها خشية ألّا يتم تسويقها نظراً للأوضاع المتردية لأبناء المدينة.
ومع اقتراب الموسم المدرسي كان من المتوقع أن تنشط حركة البيع في الأسواق للمستلزمات المدرسية، إلّا أن الواقع يشير إلى أن الموسم المدرسي لن يكون مختلفاً عن موسم العيد بشكل كبير، علماً أن المستلزمات المدرسية أصبحت أكثر ضرورة من مستلزمات العيد، لكن الواقع المعيشي الضاغط هو الحاسم بالنسبة لحركة الأسواق بالنتيجة.

عيدية مفقودة وثياب مدورة

انعكس الواقع المعيشي المتردي لأبناء الدرباسية على فرحة الأطفال في هذا العيد، فالكثير من المنازل قامت بإلغاء «فريضة العيدية» التي كانت ركناً أساسياً من أركان العيد لرسم الفرحة على وجوه الأطفال، على الأقل في فترة العيد، ضف إلى ذلك الملابس التي كانت تتجدد في كل عيد، فقد أصبح يُعاد تدويرها من عيد إلى آخر، وأحياناً بين الأخوة، نظراً للواقع المعيشي المتردي للأهالي، فقد أصبح شراء ملابس جديدة عبئاً لا يتحمله الغالبية من أبناء الدرباسية.
ما ينطبق على ملابس العيد ينطبق أيضاً على الألبسة المدرسية، حيث يُعاد تدوير ما يمكن تدويره منها، من سنة لأخرى ومن الأخ الأكبر للأصغر، في حال عدم اهترائها، وهي حالة نادرة غالباً، والنتيجة أن الطفل فقد كساءهُ الجديد في العيد، كما فقد لباسه المدرسي الجديد غالباً.

تكاليف مرتفعة وعجز

تقدر تكاليف اللوازم المدرسية من قرطاسية وغيرها لطالب في المرحلة الابتدائية حوالي 10 آلاف ليرة سورية، في حين تقدر تكاليف طالب في المرحلة الإعدادية حوالي 15 ألف، أما المرحلة الثانوية فقد يلزم لمستلزمات الطالب حوالي 25 ألف، وذلك استناداً إلى واقع الأسعار في السوق لهذه المستلزمات، أي: إن العائلة التي لديها طفل في كل مرحلة دراسية تحتاج حوالي خمسين ألف ليرة لتأمين احتياجاتهم مع بدء العام الدراسي بالحد الأدنى، هذا عدا عما إذا كان لديها طلاب في المرحلة الجامعية، وفي هذه الحالة حدِّث ولا حرج على مستوى التكاليف الإضافية، ضف إلى ذلك تكاليف الدروس الخصوصية التي يضطر الأهالي إليها نظراً لسوء وتردي العملية التعليمية، سواء في المدارس الحكومية أو في مدارس «الإدارة الذاتية».
إن التكاليف الباهظة التي ترافق الأعياد ومع بداية كل عام دراسي جديد، وعجز غالبية الأهالي عن تأمين هذه النفقات، تعكس مدى سوء وتردي الحالة الاقتصادية المعيشية لأبناء الدرباسية، حيث أصبح الكثير منهم عاجزاً عن تأمين أبسط الحقوق لأبنائه، بما في ذلك حق التعليم والذي من المفترض أن يكون مجانياً في جميع مراحله، إلّا أن هذه المجانية أصبحت من المنسيات واقعاً، وفي المحصلة الجميع يخضع لجشع تجار الحروب والأزمات، ففي كلتا الحالتين لهيب الأسعار يكوي الأهالي، حيث أصبحت تكاليف تأمين مستلزمات الأعياد والمدارس حملاً كبيراً يقع على كاهل أبناء الدرباسية ليضاف إلى قائمة أحمالهم التي لا تعدّ ولا تحصى.

سوء العملية التعليمية

مع اقتراب بدء العام الدراسي الجديد، لا بد من التذكير: أن «الإدارة الذاتية»، ومن جملة ما اتخذته من قرارات ارتجالية، قامت منذ حوالي أربع سنوات بالسيطرة على جميع مدارس المدينة، حيث ألغت المناهج الحكومية الرسمية، وقامت بفرض المناهج الخاصة بها على هذه المدارس، الأمر الذي وضع الطلبة وذويهم أمام مصير مجهول ومستقبل مظلم، حيث إن الشهادات التي تصدر عن «الإدارة الذاتية» غير معترف بها، لا من قبل الحكومة السورية ولا من قبل أية دولة أخرى، ضف إلى ذلك أن هذه المناهج قد وضعت بحسب أهواء واضعيها، فهي تفتقر للمعايير العلمية والتربوية، عدا عن أنَّ «الكادر» التدريسي الذي يدرّس هذه المناهج هم من الذين لم يكملوا تحصيلهم العلمي غالباً، الأمر الذي دفع بالكثير من الأهالي إلى تسجيل أبنائهم في المدارس التي تقع ضمن مناطق سيطرة الدولة السورية في مدن أخرى من المحافظة، ليضاف إلى أعبائهم عبء تكاليف السفر إلى تلك المدن، أو في المدارس الخاصة التي كانت مفتوحة بداية الأمر، والتي كان قسطها السنوي حوالي الخمسين ألف ليرة للطالب الواحد، قبل أن تقوم «الإدارة الذاتية» بإغلاقها هي الأخرى لاحقاً، أما فقراء الحال الذين لم يستطيعوا تحمل تكاليف ومعاناة هذا السفر فقد استسلموا للأمر الواقع، وقاموا بتسجيل أبنائهم ضمن المدارس الخاضعة «للإدارة الذاتية»، مع علمهم المسبق بانسداد الأفق لاحقاً أمام أبنائهم لاستكمال تعليمهم الجامعي «مجبر أخاك لا بطل»، الأمر الذي يستدعي إيجاد حلول فورية لهذه المشاكل المصيرية، ليس بالنسبة لأبناء الدرباسية فقط، بل بالنسبة لمجمل الأفق المتوقع للمنطقة وتطورها ونموها، فالمصير المجهول والمستقبل المظلم نتيجة هذه القرارات الارتجالية بالتوازي مع الواقع المعيشي، يدفع بالكثيرين إلى إخراج أبنائهم من المدارس وزجّهم في سوق العمل بهدف مساعدة أسرهم في ظل الوضع الاقتصادي الصعب والأوضاع المعيشية المتردية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
928
آخر تعديل على الثلاثاء, 27 آب/أغسطس 2019 18:48