_
التكية السليمانية في دمشق.. ! «القطط السمان بمواجهة المقطوش ذنبها»
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

التكية السليمانية في دمشق.. ! «القطط السمان بمواجهة المقطوش ذنبها»

تزايد الحديث وتعالت الأصوات منذ مطلع الشهر الحالي، عبر وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، حول موضوع عمليات الترميم وإعادة التأهيل الجارية والمزمعة في التكية السليمانية في دمشق، لتظهر وكأنَّ المشاكل المتعلقة بالتكية نشأت البارحة أو في الأمس القريب، وليس عمرها عقوداً من الإهمال، على الرغم من تعدد الجهات الوصائية عليها.

الحق يقال: إن عمليات الترميم والتأهيل ضرورية جداً، وقد تأخرت جداً جداً، كذلك الحق يقال: إن من يوجه سهامه لعميات الترميم الجارية بذاتها ربما يكون موقفه فيه بعض الالتباس، فمن المؤكد ألَّا مشكلة مع عمليات الترميم الضرورية بحال محافظتها على الهوية التاريخية والمعمارية والأثرية والتراثية للمكان، ولعل المشكلة متجذرة بما سيكون عليه مآلها فيما بعد الانتهاء من عمليات الترميم، من حيث بوابات الاستثمار التي قد تشرع فيها ليسيل لعاب أصحاب الأرباح عليها، لكن ذلك لا يمكن بحال أن يكون معيقاً أمام استكمال ما هو ضروري من هذه العمليات.

تعدد جهات الوصاية والإشراف

التكية السليمانية فقدت وظيفتها بحسب تسميتها وما أحدثت من أجله تاريخياً، من حيث كونها تعريفاً «مكان معدّ لإيواء فقراء المسافرين» وتأمين الطعام لهم، والتعليم للفقراء، طبعاً مع مرافق هذه الخدمات (المسجد- المدرسة- السوق..) وذلك منذ زمن طويل، وأصبحت معلماً أثرياً وتاريخياً أدخلت عليه بعض الوظائف الأخرى لاحقاً (متحف حربي- سوق مهن يدوية-..)، بما لا يتعارض مع هويتها المعمارية والأثرية ويحافظ عليها.
ومع تعدد الجهات الوصائية الرسمية على المكان (الأوقاف- السياحة- الثقافة- محافظة دمشق- مديرية الآثار والمتاحف- مديرية المدينة القديمة) ربما تعددت بالتالي الرؤى والإستراتيجيات المرسومة للمكان، وذلك تبعاً لوظيفة ودور كل من هذه الجهات وأهدافها، ولعل ذلك كان أحد أهم الأسباب التي أعاقت عمليات الترميم الضرورية للمكان طيلة عقود، وما جرى بنتيجته من تردٍّ وسوء انعكس سلباً حتى على وظيفتها السياحية المستجدة ذات الطابع التراثي والتاريخي والثقافي.
وباعتبارها معلماً وتراثاً مادياً ببعده الأثري والتاريخي أصبحت «التكية السليمانية» أيضاً تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، والتي تزايد دورها بعد اتفاقية «حماية التراث الثقافي غير المادي»، باعتبارها تحمل وتمثل هذا البعد الثقافي التراثي غير المادي، والذي تم تتويجه من خلال المهن اليدوية، ذات الطابع التراثي والتقليدي والثقافي، التي تم توطينها وحمايتها من خلال سوق المهن اليدوية فيها مطلع سبعينات القرن الماضي، طبعاً مع عدم إغفال دور «اتحاد الحرفيين» ووظيفته من حيث دفاعه عن مصالح أصحاب الحرف والمهن التراثية داخل هذا السوق، وكذلك دور «الأمانة السورية للتنمية» باعتبارها الجهة المعتمدة من منظمة «اليونسكو» كمنظمة غير حكومية لها مهمة استشارية بحسب الاتفاقية سابقة الذكر.

اللَّبس والتداعيات المشروعة

النتيجة الطبيعية بعد كل ذلك أن تكون عمليات الترميم الجارية والمزمعة في التكية مع احتمالاتها المفتوحة وظيفياً، بحسب توجهات ورؤى الجهات الوصائية والإشرافية، فيها الكثير من اللَّبس والتداعيات، خاصة مع الحديث عن احتمال إخلاء الحرفيين في سوق المهن اليدوية بذريعة عمليات الترميم.
ولعل الحديث عن اللَّبس والتداعيات فيه بعض المشروعية، فعلى الرغم من الرد الرسمي من قبل وزارة الأوقاف، أو من قبل مديرية الآثار، حول مجريات عمليات الترميم الجارية، إلّا أن هذه الردود لم ترق لدرجة وضع الحدود النهائية أمام بعض المخاوف المشروعة من تدخل ودخول الاستثمارات ذات الطابع الربحي على المكان، كحال ما آل إليه واقع بيوت دمشق القديمة، خاصة في ظل السياسات الداعمة والمشجعة للاستثمارات على طول الخط، وعلى حساب أياً كان، فالاستثمار الربحي الريعي السريع السائد والمدعوم فساداً وتكسباً لا يعنيه أمر الثقافة والتراث، ولا أياً من هذه العناوين أو غيرها بحال تعارضت مع غايته الربحية قولاً واحداً.
فالمديرية العامة للآثار والمتاحف أوردت عِبر موقعها الرسمي ما يلي: «تتداول وسائط التواصل الاجتماعي منذ عدة أيام مشروع إحياء التكية السليمانية وتتعرض بالكثير من السلبية والإساءة للجهات التي تعمل في المشروع وتؤلب الرأي العام لوقفه، ونظراً لعدم صحة الاتهامات الموجهة وعدم استنادها إلى أدلة واقعية ارتأت المديرية العامة للآثار والمتاحف أن توضّح للرأي العام، ولكل من يملك الحرص الحقيقي على تراث بلاده أن المشروع يهدف إلى إعادة الحياة لهذا الصرح المهم دون المساس بأية وظيفة من وظائفه، وأن أعمال الترميم والتدخل ستتم وفق أرفع المعايير المعتمدة دولياً، وبإشراف مباشر من المديرية العامة للآثار والمتاحف.. مع التنويه أنّ المشروع كان قد عرض على خبراء اليونيسكو ونال موافقتهم مع بعض التعديلات الطفيفة التي تم الأخذ بها..».
أما وزارة الأوقاف فقد وضحت عبر صفحتها الرسمية ما يلي: «.. إن ما يتم في التكية السليمانية هي دراسات لأعمال ترميم وتأهيل الموقع، بهدف الحفاظ على التراث المادي واللامادي في التكية، وتتم هذه الدراسات لدى أشهر بيوتات الهندسة الأثرية والمعمارية العالمية، ولا صحة لما يشاع حول استثمار الموقع في نشاطات استثمارية رخيصة. وإن وزارة الأوقاف حريصة على التراث الإسلامي ومؤتمنة عليه».
الواضح، أن ردّ الآثار والمتاحف معني بمهامها، وهي على ذلك تتحدث عن عمليات الترميم والتأهيل الضرورية التي لا غبار عليها وفقاً لمضمون الرد، والتي نؤكد على ضرورتها.
بالمقابل، فإن رد الأوقاف كان موارباً، حيث أكد على عمليات الترميم، واقتصر على نفي «النشاطات الاستثمارية الرخيصة» فقط، ولا ندري من الناحية العملية ما هي النشاطات الاستثمارية «غير الرخيصة» التي قد تكون محظية بعد الانتهاء من عمليات الترميم المزمعة؟ خاصة وأن الأوقاف تعتبر هي «المالكة» والمعنية بشؤون استثمار «عقاراتها».
بجميع الأحوال ربما يصح القول: إن التكية لم يعد ينطبق عليها المثل القائل: «متل قطط التكية، يللي مقطوعة أذنها ويللي مقطوش ذنبها»، كناية عن استقطابها لهذه القطط المشردة، على هامش وظيفتها التاريخية ودورها بالنسبة لفقراء المسافرين، فقطط التكية المتوقعة للقيام بالنشاطات الاستثمارية «غير الرخيصة» هي من القطط السمان «كبار التجار والفاسدين» المحظيين بالاستثمار وقوانينه وداعميه، ولا مكان فيها على ما يبدو لبقية القطط، المحكوم عليهم بالهزيمة في هذه المواجهة غير العادلة.
وعسى نكون مخطئين؟!.

بمسؤولية الأمانة السورية للتنمية أيضاً

صادقت سورية على اتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادي في عام 2005، والتي أقرت في عام 2003 تحت عنوان: «اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي»، خلال المؤتمر العام لمنظمة «اليونسكو»، والتي دخلت حيّز التنفيذ في عام 2006.

وقد نص بند «التعاريف»، في المادة 2 من أحكام الاتفاقية، على ما يلي: «يقصد بعبارة «التراث الثقافي غير المادي» الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات- وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية- التي تعتبرها الجماعات والمجموعات، وأحياناً الأفراد، جزءاً من تراثهم الثقافي.. يتجلى «التراث الثقافي غير المادي» بصفة خاصة في المجالات التالية: (التقاليد وأشكال التعبير الشفهي.. - المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية..).. ويقصد بعبارة «الصون» التدابير الرامية إلى ضمان استدامة التراث الثقافي غير المادي، بما في ذلك تحديد هذا التراث وتوثيقه وإجراء البحوث بشأنه والمحافظة عليه وحمايته وتعزيزه وإبرازه ونقله، لا سيّما عن طريق التعليم النظامي وغير النظامي..».
وقد نصت المادة 9 من الاتفاقية، حول اعتماد المنظمات الاستشارية، على ما يلي: «تقترح اللجنة على الجمعية العامة اعتماد منظمات غير حكومية ثبتت كفاءتها في ميدان التراث الثقافي غير المادي. وتكلف هذه المنظمات بمهام استشارية لدى اللجنة». وقد تم اعتماد «الأمانة السورية للتنمية» كمنظمة غير حكومية في سورية أُنيطت بها هذه المهمة محلياً وعبر «اليونسكو».
يعتبر مضمون هذه الاتفاقية أحد المسوغات القانونية والحقوقية بالنسبة لأصحاب المهن التراثية من الحرفيين الذي يشغلون سوق المهن اليدوية في التكية السليمانية منذ عقود، فهؤلاء من تراودهم الشكوك باستمرارهم في هذه السوق بعد الانتهاء من عمليات الترميم، ليحل مكانهم أصحاب الاستثمارات الكبيرة «غير الرخيصة».

معلومات إضافية

العدد رقم:
927
آخر تعديل على الإثنين, 19 آب/أغسطس 2019 15:08