_
السياسات التعليمية منحازة وعاجزة
نوار الدمشقي نوار الدمشقي

السياسات التعليمية منحازة وعاجزة

أصدرت وزارة التعليم العالي خلال السنوات الماضية العديد من القرارات التي انعكست سلباً على الطلاب (النقل من العام المجاني إلى الموازي المأجور للمستنفدين والمفصولين- تعديل ورفع الرسوم السنوية وغيرها في جميع أنظمة التعليم الحكومي- إقرار الترفُّع الإداري ثم إلغاؤه– نسب النجاح- النقل والتوطين- القبول في الدراسات العليا- النقل من الجامعات الحكومية للخاصة..).

كما جرى خلال العام الأخير وقف العمل بالنظام الفصلي، ثم تطبيق النظام الفصلي المعدل، ثم أخيراً، العودة للعمل بموجب النظام الفصلي مرة أخرى، ويجري الحديث حالياً عن تطبيق النظام السنوي على الكليات الأدبية، ولا ندري ما في الجعبة من قرارات لاحقة..

حصاد الخيبات

ترافقت هذه القرارات مع المتغيرات العميقة التي أفرزها الواقع خلال سنوات الحرب والأزمة، وانعكاساتها السلبية على السوريين عموماً، والتي كانت ضمناً مبررات ومسوغات وذرائع لبعض هذه القرارات، مع التأكيد على أهمية بعضها تقديراً للظروف والحالة الاستثنائية التي ألحقت الضرر بالطلاب، مثل: الترفع الاداري والدورات الاستثنائية، والتي ساهمت نوعاً ما وبشكل نسبي بعدم توسيع رقعة انقطاع الطلاب الجامعيين عن العملية التعليمية، نتيجة هذه الظروف الصعبة والاستثنائية، والتي ما زال بعضها قائماً.
كل قرار من تلك القرارات كان يتم تبريره وتسويقه عبر معلقات من المديح به بمقابل الذم والملاحظات على ما قبله، بما في ذلك ما جرى على مستوى النظام الفصلي، أو النظام الفصلي المعدل، حيث نالا ما نالاه من مديح وذم وملاحظات عند الإقرار وعند التعليق، وفي معمعة كل ذلك كانت هناك عملية تعليمية غير مستقرة، وطلاب يحصدون السلبيات والخيبات، ومستقبل ضبابي تطفيشي غير واضح المعالم بالنسبة إليهم.
فالسياسات التعليمية المعمول بها على مستوى مرحلة التعليم الجامعي ليست مقتصرة على القرارات التي تصدرها أو تعدلها وزارة التعليم العالي، أو الجامعات الحكومية فقط، فهي تبدأ من معدلات القبول الجامعي المرتبطة بسياسات الاستيعاب، والمرتكزة أصلاً على مخرجات العملية التعليمية بالمراحل ما قبل المرحلة الجامعية (أساسي- ثانوي) بجوهرها الأساس المعتمد على نتائج امتحانات الشهادة الثانوية المقدرة بالدرجات، لتمرّ بالمناهج المعتمدة في الجامعات والكليات، معرجة على الكتاب الجامعي بما له وما عليه، والعملية الامتحانية وسلالم التصحيح ونسب النجاح، والتي لا تنتهي بالكادر التدريسي والإداري بما له من حقوق وما عليه من واجبات، في ظل الواقع الاقتصادي الصعب والمعيشي المتردي، طبعاً مع عدم إغفال مساعدات العملية التعليمية من قاعات ومدرجات ومخابر وبحث علمي و..، مع الأخذ بعين الاعتبار أن كل ذلك مرتبط أولاً وآخراً بالتمويل والاعتمادات المرصودة والموارد المتاحة (بشرية ومادية) و... ولتنتهي أخيراً بالمخرجات المنشودة من جملة هذه السياسة ارتباطاً بالواقع الاقتصادي الاجتماعي ومتغيراته واحتياجاته الآنية والمستقبلية، والتي كانت وما زالت يدفع ضريبتها الطلاب وذووهم، وخاصة المفقرين والمهمشين منهم، أي: غالبية السوريين.

تساؤلات مشروعة

لن نغوص بتفاصيل وحيثيات القرارات الصادرة عن الوزارة والجامعات، فقد سبق وأن أخذت حيِّزها من الشرح والتحليل النقدي، إيجاباً وسلباً، خلال السنوات الماضية بحسب تاريخ صدور كل قرار ومصدره، لكن ربما بناء على ما سبق تتبادر للأذهان مجموعة من التساؤلات المشروعة حيال السياسات التعليمية نفسها، مثل:
هل يصح القول عن السياسات التعليمية أنها متخبطة أو ارتجالية؟.
هل السياسات التعليمية المعتمدة واضحة المعالم والأهداف؟.
هل تؤمن السياسات التعليمية إمكانية حل المشكلات والقضايا المطروحة بالتوافق مع بقية السياسات؟.
هل تتوافق السياسات التعليمية مع متطلبات الواقع الاقتصادي الاجتماعي بمتغيراته ملبية حاجاته المتنامية المستقبلية، بحسب دورها ومهامها وحصتها من جملة السياسات؟.
هل تحمل السياسات التعليمية بجوهرها طابع المشاركة الرسمية والمجتمعية بوضعها والمراقبة عليها؟.
هل ما زالت السياسات التعليمية مرتكزة على الحقوق والثوابت، مثل: حق التعلم ومجانيته، وكفالة الدولة لهذا الحق، ومبدأ تكافؤ الفرص فيه و...؟.
وربما هناك الكثير من الأسئلة الهامة الأخرى المرتبطة بهذه السياسات.

طبقية لا يُعَّول عليها

واقع الحال يقول: إن التخبط والارتجال يطغى على القرارات الصادرة، لكن في المقابل، لا يسعنا القول: بأن جملة السياسات التعليمية المتبعة غير واضحة المعالم والأهداف.
فلا غرابة عندما نربط السياسات التعليمية بالسياسات الليبرالية المتبعة اقتصادياً واجتماعياً، وموازين القوى التي تفرزها قواها المسيطرة طبقياً، فهي جزء من السياسات الليبرالية المطبقة، والتي تصب في خانة تكريس مصالح كبار أصحاب الثروات والفاسدين المستفيدين منها على حساب مصالح بقية الشرائح الاجتماعية، على ذلك لا ظلم عندما نقول عنها: إنها ذات طابع طبقي استغلالي تعزز الفرز الطبقي بين الطلاب وتعمقه، ضاربة عرض الحائط بمبدأ تكافؤ الفرص، وبأنها تتجه نحو المزيد من الخصخصة متجاوزة حق التعليم المجاني وضمانة الدولة له.
وبمطلق الأحوال، لا يمكن القول: إن هذه السياسات قادرة على حل أية مشكلة أو قضية راهنة، بل على العكس فهي تعزز المشاكل الموجودة، وتخلق الكثير غيرها، ولعل الشواهد كثيرة على ذلك بما في ذلك القرارات الأخيرة، وبالتالي، لا يمكن بحال أن يُعوَّل على هذه السياسات من أن تكون قادرة على تأمين متطلبات الواقع الاقتصادي الاجتماعي بمتغيراته الراهنة، وملبية حاجاته المتنامية المستقبلية، ولعل السبب الرئيس بذلك هو أن هذه السياسات بالإضافة إلى كونها ذات طابع طبقي منحاز، فهي مفروضة بعيداً عن أي شكل من أشكال المشاركة الاجتماعية، لا على مستوى وضعها ولا على مستوى تبنيها ولا على مستوى تنفيذها ومتابعتها والرقابة عليها، وجل ما هناك على هذه المستويات عبارة عن هياكل شكلية لا أكثر.

المستقبل وإعادة تشكيله وطنياً

بهذا السياق، ربما يجب التأكيد على أن نتائج السياسات التعليمية مرتبطة بالمستقبل، وليست بالحاضر فقط، فمن تُوضع هذه السياسات لأجلهم سيكونون مسؤولين عن المستقبل، ليس لمعالجة قضاياه بل لبنائه وإعادة تشكيله وطنياً، فهي على ذلك يجب أن تكون بعيدة المدى بما يضمن الاستقرار والاستمرارية، وبما يؤمن فرصة تطويرها على ضوء التحولات والحاجات الوطنية العامة، وليس كما يساق مثلاً من تحجيم لدورها واقتصاره على مستوى ربطها مع سوق العمل فقط، بما يؤمن استمرار وتكريس هيمنة قوى السوق وكبار المستفيدين منه، أي: يجب أن يتوفر فيها عنصر المرونة في مواجهة ما قد يشوبها من الجمود الذي يعني التراجع عملياً، أي: تجديد وتطوير البنى والأهداف والمحتوى والطرائق والأساليب، خاصة بالتوافق مع التطورات التكنولوجية والعلمية الداخلة والمستخدمة بالعملية التعليمية، فوضع السياسات التعليمية، وتبنيها وتنفيذها ومتابعتها، ليست عملية سهلة، ولا يجب التعامل معها وفقاً لأنماط الاستسهال أو الارتجال، فهي معنية بالمستقبل وبالصالح العام، وبالمصلحة الوطنية عموماً.
أخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الاستثمار في التعليم مفهوم عام يجب عدم تشويهه وتقزيمه بما يتوافق مع المصالح الضيقة لشريحة كبار المستثمرين والمنتفعين والفاسدين، عبر عناوين وأشكال الخصخصة المعلنة والمبطنة، وهو مرتبط بعائديته الاقتصادية الاجتماعية المقترنة بالنفع العام والمصلحة الوطنية العليا، لذلك ضَمِنَ الدستور مجانية التعليم بمراحله كافة، فالسياسات التعليمية يجب أن توضع بما يحقق هذه العائدية ارتباطاً بخطط التنمية الشاملة وأهدافها الآنية وبعيدة المدى، التي يجب أن تتضمن أثر هذه العائدية على معدلات النمو الاقتصادي المنشودة ونسبها وانعكاسها على المستوى الاجتماعي، والأهم، على شكل إعادة توزيع الثروة وآلياته كمعطى موضوعي يفرض نفسه على أهداف هذه الخطط المستقبلية، التي يفترض أن تكون (موضوعية– عقلانية- علمية– منهجية- منظمة– مستقبلية- عادلة- مراقبة) وذلك كي تكون قابلة للحياة والتطبيق افتراضاً.
خلاصة القول: يجب تغيير السياسات التعليمية الراهنة بجوهرها الطبقي وأهدافها الضيقة والمشوهة، خاصة وأن المصلحة الوطنية في ظرفنا الحالي وتداعياته تقتضي وتفرض ذلك، وما عدا ذلك ما هو إلا وهم ومراوحة في المكان وذرٌّ للرماد في العيون.

معلومات إضافية

العدد رقم:
926
آخر تعديل على السبت, 17 آب/أغسطس 2019 15:51