_
نفايات جرمانا.. مليار ليرة سنوياً للقطاع الخاص

نفايات جرمانا.. مليار ليرة سنوياً للقطاع الخاص

خبر ملفت تم تناقله نهاية الشهر الماضي حول موافقة الحكومة على تخصيص مبلغ مليار ليرة من أجل النظافة في مدينة جرمانا، فقد ورد عبر إحدى الصحف شبه الرسمية بتاريخ 24/6/2019 أن رئيس مجلس مدينة جرمانا «كشف عن وصول موافقة رئاسة الحكومة على مشروع التعاقد بالتراضي لمشروع النظافة في المدينة، وتتضمن الموافقة على تعهيد قطاع النظافة في المدينة لمتعهدين بقيمة إجمالية 990 مليون ليرة سورية سنوياً، مبيناً أنها تتضمن الموافقة على ثلاثة اتفاقات سعرية تمت مع متعهدين».

لا شك أن مشكلة القمامة في مدينة جرمانا قديمة وبحاجة للحل، فقد كانت مثار حديث ومعاناة الأهالي خلال سنوات طويلة ماضية دون حلول، وذلك بسبب عدم توفر عمال نظافة كافٍ ناحية العدد المطلوب لتنفيذ هذه المهمة في البلدية، وجوهر الانخفاض بالعدد يعود للاستنزاف بالعمالة بشكل عام ولكون أجور هذه الشريحة من العمال تعتبر ضئيلة جداً، مقابل الجهد والعمل المطلوب منها، بالإضافة إلى عدم وجود العدد الكافي من الآليات والضواغط وقدم واهتلاك الموجود منها، وقلة عدد الحاويات، وغيرها من الأسباب التي كانت عائقاً أمام البلدية للقيام بمهامها وواجباتها على هذا المستوى.

مشكلة مزمنة

عكفت بلدية جرمانا خلال السنين الماضية إلى أسلوب التعاقد بالتراضي مع متعهدين من أجل جمع وترحيل القمامة، وذلك بحسب ما يتوفر لديها من اعتمادات ومخصصات سنوية لهذه الغاية، وأيضاً بالاعتماد على التقسيم القطاعي للمدينة، بالإضافة إلى اعتمادها في بعض الأحيان على أشكال العمل الشعبي والتطوعي من خلال بعض الجهات والمنظمات، إلا أن ذلك لم يكن كافياً، حيث ما زالت مشكلة تراكم القمامة طاغية في المدينة، وخاصة في بعض الشوارع والحارات التي تعتبرها البلدية خارج تبعيتها ومسؤوليتها، كونها مخالفة أو خارج المخطط التنظيمي، وغيرها من الذرائع الأخرى.
ومع تأمين السيولة الحكومية لهذه الغاية يبدو أن مشكلة جمع وترحيل القمامة ستنتهي أخيراً، بانتظار ما ستؤول عنه شروط التعاقدات بالتراضي على أرض الواقع مع المتعهدين المحظيين طبعاً.

السيولة تتوفر للقطاع الخاص

نصل الآن للملفت بالأمر بموضوع الموافقة الحكومية، فهي ذات محورين، أولاً: جانب حقوقي وقانوني يتعلق بالموافقة المسبقة على التعاقد بالتراضي مع متعهدي جمع وترحيل القمامة، وهو أمر له الكثير من الحيثيات، ومع ذلك ربما يعتبر هذا الجانب ثانوياً أمام المحور الآخر المتعلق بالجانب المادي الذي يعني التخلي عن مليار ليرة سنوياً لصالح القطاع الخاص من أجل جمع وترحيل القمامة في المدينة.
فالحكومة تتوفر لديها السيولة والمخصصات المالية لتنقلها بيسر وسهولة إلى جيوب القطاع الخاص، تحت مسمى عقود التراضي لجمع وترحيل القمامة في مدينة جرمانا، لكن هذه السيولة لا تتوفر من أجل شراء وتأمين آليات وضواغط لتصبح ملكاً لبلدية جرمانا، ومن أجل تعيين عاملي نظافة دائمين أو مؤقتين تابعين للبلدية بأجور مقبولة، وبحيث يغلق هذا الملف الشائك بشكل نهائي.

«مثلاً» في غير محلها!

لا شك أن مبلغ مليار ليرة سنوياً ترصد من أجل النظافة في المدينة يعتبر مبلغاً جيداً بحال حسن استثماره من قبل البلدية ولمصلحتها ولمصلحة القاطنين في المدينة، بعيداً عن الاستثمار من قبل القطاع الخاص ولمصلحته.
ففي حديث عبر إحدى الصحف المحلية لرئيس البلدية السابق بتاريخ 31/5/2018، قال: «إن عدد الضاغطات لدى البلدية 4 وعدد العمال 9، لافتاً إلى أنهم يزيلون يومياً ألف طن من النفايات، مشيراً إلى عدم وجود إمكانات لشراء ضواغط لأن الضاغطة الواحدة بتكلفة 40 مليون ليرة سورية»، مشيراً إلى «نقص كبير في عدد عمال النظافة على الرغم من وجود فرص عمل كعقود للتقديم، ولكن لا أحد يتقدم بسبب قلة الأجور».
واستناداً إلى المبلغ المرصود سنوياً بعد الموافقة الحكومية أعلاه، نتساءل: ألم يكن من الأجدى لو تمت الموافقة الحكومية على أن يتم التعاقد «مثلاً» مع 400 عامل نظافة لصالح البلدية لقاء أجر شهري لا يقل عن 50 ألف ليرة، وبتكلفة إجمالية سنوية لا تتعدى مبلغ 250 مليون ليرة من أصل مبلغ المليار المرصود سنوياً، بحيث يصبح هذا النمط ثابتاً ودائماً ومستقطباً للعمالة بالمقارنة مع الأجور الضئيلة الحالية التي تطفش العمالة ولا تستقطبها، وهو من كل بد عدد يمكن الاعتماد عليه لتغطية القطاعات في المدينة.
على الطرف المقابل: ألم يكن من الأجدى «مثلاً» لو وافقت الحكومة على شراء سيارات ضاغطة وآليات إضافية أخرى لصالح البلدية من أصل المبلغ المتبقي من المليار أعلاه، وهو 750 مليون ليرة، بحيث تصبح هذه الآليات الجديدة ملكاً للبلدية، وبحيث يمكن استثمارها بمهام إضافية من قبلها «مثلاً» أيضاً.
فمبلغ 500 مليون ليرة «مثلاً» يمكن من خلاله شراء 15 آلية مختلفة المهام، بما في ذلك ضواغط القمامة، بكل أريحية، بحسب الأسعار الرائجة لهذه الآليات.
ولعل الـ250 مليون المتبقية من أصل المليار تخصص لتأمين المحروقات اللازمة لتشغيل هذه الآليات «مثلاً».
لكن هذه الـ «مثلاً» المتعددة سابقاً تبدو كأنها ما زالت بعيدة عن التفكير الحكومي الإستراتيجي بعيد النظر، والذي يرى في القطاع الخاص الملاذ والأمان.

«مثلاً» أخيرة

لا ريب أن الموافقة الحكومية على مبلغ المليار ليرة سنوياً تعتبر فرصة استثمارية كبيرة لأصحاب الحظوة من المتعهدين الذين تمت الموافقة المسبقة على التعاقد معهم بالتراضي، لقاء هذا المبلغ المضمون كل عام، كون مشكلة النظافة والقمامة هي مشكلة دائمة.
فهؤلاء ومن خلال التعاقد مع بلدية جرمانا سيتمكنون عملياً من شراء كافة الآليات اللازمة بملكيتهم، مع تشغيل العدد الأدنى من العاملين لمصلحتهم، حاصدين مبلغاً محترماً من الأرباح الصافية بالنتيجة في جيوبهم، طبعاً ولكل مجتهد نصيب من هذا الشكل من التعاقد والموافقة.
و«مثلاً» أخيرة نطرحها هنا: هل بلدية جرمانا عاجزة عن القيام بهذه المهمة لتوفير هذه الأرباح المحققة لمصلحتها؟.

معلومات إضافية

العدد رقم:
920
آخر تعديل على الإثنين, 08 تموز/يوليو 2019 14:21