_
ألف أزمة وأزمة والحرائق ليست آخرها

ألف أزمة وأزمة والحرائق ليست آخرها

أصبحت الضربات المتلاحقة التي يتلقّاها السوريون فوق أزماتهم المعيشية اليومية أكبر من أن تُعدّ وتُحصى، فكل لحظة تحمل معها إما تفاقماً لأزمة مستمرة دون حل، أو أزمة ومصيبة جديدة تسد معها بوابة أمل منشود تعلقوا به.

مواسم الخير التي استبشر بها الفلاحون هذا العام نتيجة معدلات الهطول المطري كانت مفتاح أملٍ لهؤلاء، عسى تكون بداية نهاية السنين العجاف! لكنها لم تكن كذلك مع الأسف، حيث أتت موجة الحر وارتفاع درجات الحرارة تزامناً مع الحرائق لتكون وبالاً على البعض من هؤلاء، كما على بقية السوريين، فقد ضاع معها ما تلعقوا به من بعض أمل.

بين الحذر والقدر واستهتار البشر

رسمياً، حذرت المديرية العامة للأرصاد الجوية بداية الأسبوع الماضي من: «زيادة احتمال نشوب حرائق نتيجة لارتفاع درجات الحرارة وانخفاض مستوى الرطوبة، خاصة مع اقتراب مواسم الحصاد وامتداد الغطاء النباتي بشكل كبير هذا العام، وأوضحت المديرية: أن تأثر البلاد بمرتفع جوي شبه مداري مرفق بكتلة هوائية حارة وجافة تبلغ ذروتها يومي الخميس والجمعة يزيد من احتمال الحرائق».
وكذلك ورد عبر صفحة الحكومة بتاريخ 17/5/2019 ما يلي: «في إطار السعي لتمكين الوحدات الإدارية في كافة المحافظات من القيام بواجباتها، استلمت وزارة الإدارة المحلية والبيئة (30) آلية إطفاء تم توزيعها على أفواج ووحدات الإطفاء في كافة المحافظات.. دخول هذه الدفعة من الآليات إلى الخدمة يأتي بالتزامن مع دخول فصل الصيف وبدء موسم الحصاد، حيث يرتفع معدل الحرائق الزراعية وحرائق الأعشاب والحرائق الحراجية».
كما كشف مدير عام الهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب، عبر أحد المواقع الإعلامية بتاريخ 16/5/2018: «أن الهيئة اتخذت كافة الاستعدادات اللازمة للوقاية ومكافحة الحرائق الحراجية والزراعية، لافتاً إلى أنه تم تجهيز 14 إطفائية وتعيين 400 عامل إطفاء موسمي مؤقت، وتوزيع آليات وفرق الإطفاء على المواقع الحراجية وحقول القمح والشعير، مع تزويدها بكامل احتياجاتها، بالإضافة إلى استعداد الآليات الأخرى لحماية المحصول».
في المقابل كانت قد بدأ تسجيل حوادث الحرائق، الكبيرة والصغيرة، التي أتت على بعض الأراضي الزراعية والمحاصيل، بكثير من الرقع الجغرافية على امتداد مساحة القطر، والتي كانت نتائج بعضها كارثية، ليس على مستوى المحاصيل فقط، بل على مستوى التعب والجهد والأمل الذي تحول بغمضة عين إلى رماد أمام الأعين والأفئدة المحترقة معها.

آلاف الدونمات المحروقة

بتاريخ 14/5/2019 اجتاحت الحرائق بعض الأراضي الزراعية في قرى (المبعوجة- بري الشرقي- السعن) في ريف حماة، التهمت خلالها مساحات واسعة من القمح وأشجار الزيتون.
بتاريخ 16/5/2019، وثقت إحدى المحطات التلفزيونية المحلية الخاصة فيديو لحريق مرفقاً بالخبر التالي: «نشب حريق في قرية غتشية شرق بري بريف سلمية الشرقي.. فيما التهمت النيران مساحات تزيد عن ألف دونم من الأراضي الزراعية، حيث ساعدت الرياح على انتشار الحريق».
بتاريخ 17/5/2019، ورد عبر سانا ما يلي: «تمكنت فرق الإطفاء في محافظة حماة.. من تطويق الحرائق التي اندلعت في الحقول والأشجار المثمرة والأعشاب اليابسة في عدد من مناطق ومواقع المحافظة، وكان أشدها في ريفها الشرقي المتاخم للحدود الإدارية لمحافظتي الرقة وحمص.. وأفاد محافظ حماة أن: الحريق الذي أتى حتى الآن على مساحة قدرها 100 ألف دونم من الأعشاب الرعوية.. وقد أشار قائد فوج إطفاء حماة إلى أن حريقاً ضخماً شبَّ مساء أمس في منطقة البادية جنوب شرق منطقة إثريا، حيث أتت النيران على مساحات واسعة من الغطاء النباتي والأعشاب اليابسة وبعض حقول محصول الشعير.. وأوضح مدير زراعة حماة أن الحريق الذي اندلع مساء أمس واستمرت عمليات إخماده حتى اليوم أتلف نحو 300 دونم من أشجار الزيتون ومحاصيل الحبوب، بالإضافة إلى مساحات واسعة من الشجيرات والأعشاب الرعوية.. يذكر أنّ حرائق أخرى شبت اليوم في صبورة شرق محافظة حماة حيث أتت النيران على مساحة وقدرها 150 دونماً مزروعة بمحصول الشعير وأشجار الزيتون وفي منطقة طيبة الإمام، حيث أتلفت النيران مساحة تقدر بأكثر من 2000 دونم من محصول الشعير والأعشاب اليابسة وفي معرين الجبل ومصياف.. كما تمكن عناصر فوج إطفاء حلب من إخماد عدة حرائق نشبت في ريف المحافظة على مساحة تقدر بـ 50 دونماً من الأعشاب البرية في البلدات والقرى الممتدة على طريق خناصر إثريا، وهي قرى الكروز والجديدة ورسم الحمام وبردة وأم رويلات وتل الضمان جنوب حلب».
بتاريخ 12/5/2019، أوردت سانا ما يلي: «أخمد عناصر الإطفاء في سلمية في محافظة حماة اليوم عدة حرائق نشبت في الحقول والأعشاب اليابسة في محيط المدينة ومداخلها، وأتت على مئات الدونمات من المحاصيل الزراعية ولا سيما الشعير.. وأخمدت فرق وعناصر إطفاء سلمية وزراعة حماة منذ 3 أيام حريقاً ضخماً اندلع في مساحات من المحاصيل الزراعية وأشجار الزيتون واللوز في موقع عقارب الصافية باتجاه تل التوت في الريف الشرقي لمحافظة حماة».
بتاريخ21/5/2019 ورد عبر سانا ما يلي: «أخمد عناصر إطفاء ريف دمشق اليوم حرائق عدة اندلعت في مناطق مختلفة أدى أحدها إلى التهام خمسين دونما من محصول الشعير في الضمير شمال شرق دمشق.. وفي ريف دمشق الجنوبي اندلعت حرائق في السبينة وداريا وببيلا ضمن مساحات محدودة من أراض خالية تنتشر فيها الأعشاب الجافة».
بتاريخ 24/5/2019 أوردت صحيفة تشرين ما يلي: «أخمد عناصر من فوج إطفاء ريف دمشق اليوم حريقين في منطقتي صحنايا وحرستا مما ألحق أضراراً مادية بأراضٍ زراعية.. وذكر مصدر في قيادة شرطة الريف: أن حريقاً اندلع في أرض زراعية تمتد على مساحة 20 دونماً من أشجار الزيتون والشعير على طريق الزيتون في منطقة صحنايا جنوب غرب دمشق.. وأضاف المصدر: إن حريقاً آخر اندلع في أراضٍ زراعية من الأشجار والأعشاب الجافة غرب الأوتوستراد في منطقة حرستا شمال شرق دمشق».
بتاريخ 25/5/2019 تداولت بعض وسائل الإعلام خبر «اندلاع حريق على طريق شميميس غرب مدينة السلمية والتهم مئات الدونمات من محصولي الشعير والحنطة».
كذلك تداولت بعض وسائل الإعلام أنّ حريقاً أتى على مساحة 2000 دونم من الأراضي المزروعة بمحصول الشعير في الحسكة، وفي دير الزور أتت الحرائق على المئات من الدونمات المزروعة بالقمح والشعير، وكذلك تم تسجيل عدة حرائق في الأراضي الزراعية في مدينة الرقة، وفي طرطوس وبانياس والسويداء..

المسؤولون عن وأد الحياة

ربما من الصعوبة إحصاء ما أتت عليه الحرائق من مساحات واسعة أضحت سوداء متفحمة، ومن إجمالي محاصيل تحولت إلى رماد خلال الفترة القريبة الماضية، مع ما يمكن أن تحمله الأيام القادمة من كوارث إضافية.
ولعله من السهل القول: إن ارتفاع درجات الحرارة والرياح هي المسبب الرئيس في زيادة أعداد الحرائق واتساع مساحتها، مع عدم نفيها طبعاً.
لكن لعل ما خفي أعظم! فبالمقابل لا يمكن بحالٍ أنّ نغفل الدور البشري، سواء بما يمكن وصفه بالاستهتار واللامبالاة والإهمال بالتزامن مع درجات الحرارة المرتفعة والرياح وعوامل الطبيعة، أو ما يمكن أن يوصف بأنه جرمي ومقصود وبفعل فاعل بالتزامن مع موعد حصاد المحاصيل الزراعية، وخاصة الإستراتيجية منها: (القمح- الشعير- الزيتون- وغيرها).
لقد أعلن تنظيم «داعش» الإرهابي مثلاً عن مسؤوليته عن بعض الحرائق «مفاخراً» بإجرامه، بحيث يتضح أن المحاصيل الإستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي والاقتصاد الوطني مستهدفة ومطلوب أن توجه لها الضربات.
وعلى هذا المستوى أيضاً، لا يمكن تبرئة ساحة المافيات المرتبطة، محلياً وإقليمياً ودولياً، من كبار التجار والفاسدين وتجار الحرب والأزمة، والمستفيدين من ضرب المحاصيل الإستراتيجية المرتبطة بالأمن الغذائي، خاصة وأن الموسم كان مبشراً، فهؤلاء جميعاً لا يقلون إجراماً عن «داعش»، من حيث أنهم متفقون على وأد مقومات الحياة، وصولاً لإنهائها إن استطاعوا لذلك سبيلاً، في مقابل استمرار استغلالهم المرتبط بحصصهم السوقية، استيراداً وتصديراً وتسويقاً محلياً.

ضرورات وواجبات

بمطلق الأحوال، الفاس وقعت بالراس، والفلاحون وحدهم من يعرف ماذا يعني احتراق أشجار الزيتون وحقول القمح، ووحدهم من حصدوا الرماد، فقوت عيالهم هو الذي تحول إلى دخان الكارثة، ما يوجب ويفرض بالحد الأدنى:
تعويض المتضررين عن خسائرهم بشكل عادل.
تقديم التسهيلات اللازمة للإسراع باستكمال عمليات الحصاد.
تقديم التسهيلات اللازمة على مستوى نقل الحبوب من الحقول إلى مراكز الاستلام.
الإسراع بعمليات استلام كميات الأقماح والحبوب من الفلاحين بعيداً عن تعقيدات الروتين وأوجه الاستغلال.
تقديم الدعم الحقيقي والكافي للفلاحين استعداداً للموسم القادم، في مستلزمات الإنتاج والعملية الإنتاجية، من أجل استمرار العمل ودعماً للإنتاج.
الاستعداد الدائم والمسبق لتفادي أيّ خلل أو مشكلة متوقعة قد تصيب المحاصيل الزراعية، طبيعية أو غير ذلك، وخاصة ذات الطبيعة الإستراتيجية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
915
آخر تعديل على الإثنين, 27 أيار 2019 13:47