_
هل ستبقى ملكيات الدولة خطاً أحمر؟

هل ستبقى ملكيات الدولة خطاً أحمر؟

صدر مؤخراً قرار حكومي حول أملاك الوزارات من أجل سبرها لطرحها للاستثمار بالتشاركية مع القطاع الخاص، فقد ورد على صفحة رئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 3/3/2018 ما يلي: «تكليف جميع الوزارات إعداد مصفوفة تتضمن الأملاك القابلة للاستثمار لديها، وإعداد الدراسات اللازمة لها لطرحها للاستثمار بالتشاركية مع القطاع الخاص سواء (سياحة. صناعة. تجارية. كهربائية وغيرها....) وتشكيل فريق مختص للقيام بهذه المهمة وملكية الدولة تبقى خطاً أحمرَ».

الموضوع لم يقف عند حدود قرار التكليف أعلاه، فقد تبعه قرار آخر بنفس المضمون بعد أسبوع واحد فقط، ففي الجلسة التي عقدت بتاريخ 9/3/2019، وبحسب ما ورد على موقع الحكومة الرسمي: «كلف مجلس الوزراء، الوزراء، إعداد قائمة بالمشاريع والفرص الاستثمارية المتوفرة لديهم، ولا سيما المباني التابعة لوزاراتهم والجهات التابعة لها، وتكليف من يلزم للبدء بإعداد دارسات الجدوى الاقتصادية والفنية والقانونية المطلوبة لهذه المشاريع والفرص، وذلك تمهيداً لطرحها للاستثمار وفقاً لمختلف الصيغ الممكنة (الاستثمار المباشر من قبل القطاع الخاص من خلال هيئة الاستثمار- استثمارات مشتركة- التشاركية مع القطاع الخاص وغيرها)».

الجديد هو التعميم والتوسع

بداية لا بد من القول: إن طرح بعض ملكيات الدولة للاستثمار من قبل القطاع الخاص، بمسمياته وقطاعاته المختلفة، ليس جديداً، فالكثير من هذه الملكيات سبق وأن وضعت بالاستثمار لصالح القطاع الخاص وفقاً لصيغ تعاقدية مختلفة، والكثير من الوزارات والجهات التابعة لها خاضت بهذه الآلية من الاستثمارات مع القطاع الخاص، فقد كانت السياسات الليبرالية المعتمدة حكومياً منذ عقود بوابة مشرعة أمام هذه الأنماط من الاستثمارات، وبما يحقق مصالح القطاع الخاص من الناحية العملية، طبعاً مع الكثير من الإعفاءات والمزايا المقوننة لصالحه أيضاً.
لكن لعل الجديد الآن هو مساعي تعميم الاستثمارات الخاصة مع توسيعها لتشمل جميع ملكيات الدولة، وبجميع قطاعاتها دون استثناء، مع صبغة فيها نوع من الاستعجال.

الحكومة مستعجلة

القراران المتلاحقان أعلاه، وبهامش زمني لا يتعدى الأسبوع فقط، يشيان وكأن الحكومة على عجلة من أمرها بشأن إعادة النظر بالأملاك التي بحوزة الوزارات والجهات الحكومية التابعة لها، من مبانٍ وعقارات وأراضٍ وغيرها، وذلك من باب، وتحت اسم وعنوان، الاستثمار والجدوى الاقتصادية.
القراران أعلاه صغيران بحجمهما من حيث الصياغة المختصرة والمسبوكة، لكنهما كبيران بمفاعيلهما ونتائجهما «الاستثمارية» وفقاً للتبويبات الحكومية أعلاه.
فالملكيات التي بحوزة الوزارات والجهات الحكومية التابعة لها كبيرة، وكبيرة جداً، وهي متنوعة بتنوع التسميات التي تطلق على الملكيات وفقاً للمعروف والمألوف، ووفقاً لمفهوم الحيازة والملكية ومفرداتها بحسب القوانين المعمول بها، ولعل القوائم المطلوب إعدادها «كمصفوفة» وفقاً للمفردة المعتمدة حكومياً، مع إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية لكل منها، تتطلب الكثير من الوقت والجهد من قبل الجهات العامة، وربما لذلك، ومن باب الاستعجال الحكومي تم التأكيد على مضمون القرار مرتين متتاليتين من أجل الوصول للغاية المنشودة المتمثلة بوضعها بالاستثمار من قبل القطاع الخاص، بغض النظر عما ورد من تسميات مختلفة لجوهر هذا الاستثمار.

من القطاعات السيادية إلى الملكية

الخشية من التعميم والتوسع المطلوب رسمياً وفقاً لمضمون القرارين أعلاه، ليس فكرة الاستثمار مع القطاع الخاص بحد ذاتها، بل ما يمكن أن تصل إليه بالنتيجة على مستوى صيانة الملكيات نفسها، بغض النظر عن التأكيد الذي ورد من خلال عبارة «ملكية الدولة تبقى خطاً أحمرَ».
فالعقود التي يمكن أن تبرم مع القطاع الخاص بغايات استثمارية قد تطول لعقود طويلة، طبعاً مع إمكانية تمديدها، وذلك وفقاً للكثير من الصيغ والنصوص القانونية المعتمدة، وبحسب نوعية المشاريع، وكل تلك الصيغ كانت بهدف أساس هو: صيانة حقوق المستثمرين من القطاع الخاص، مع الكثير من الإعفاءات والمزايا، وهذا النوع من الاستثمارت طويلة الأجل لا يختلف من حيث النتيجة والمآل عن الحيازة والملكية.
لكن قانون التشاركية له شأن آخر بهذا المنحى، وخاصة على مستوى الملكيات. فقد أجاز القانون نقل الملكيات، كما أجاز طرح أسهم المشاريع للتداول والاكتتاب، وبغض النظر عن كون الشريك الخاص محلياً أو أجنبياً، وغيرها من التبويبات الأخرى الكثيرة، طبعاً مع مزايا إضافية أيضاً.
فإذا كانت السياسات الليبرالية للحكومات المتعاقبة قد أجازت للقطاع الخاص التغوّل ليعمل في كافة القطاعات المتاحة، بما فيها القطاعات السيادية، فإن التوجه الحالي ربما سيطيح بملكيات الدولة والملكيات العامة أيضاً تباعاً ورويداً، تحت مسمى الجدوى الاقتصادية والاستثمار.
بعبارة أكثر وضوحاً، إن القطاع الخاص، وبغض النظر عن جنسيته، على ما يبدو لم يعد مكتفياً بالسيطرة على القطاعات الاقتصادية الهامة في البلد، بل سينتقل للاستحواذ على ملكيات الدولة أيضاً. فالخط الأحمر الذي يجري الحديث عنه سبق وأن تم تغيير لونه، ولا ندري إلى أين يمكن أن تصل الأمور في ظل الاستمرار بنفس السياسات الليبرالية المفرطة حتى بالسيادة

معلومات إضافية

العدد رقم:
904
آخر تعديل على الإثنين, 11 آذار/مارس 2019 12:57