موتوا بأمراضكم!
عاصي اسماعيل عاصي اسماعيل

موتوا بأمراضكم!

على الرغم من كل التصريحات من المعنيين الرسميين بالشأن الدوائي والصحي حول تأمين الدواء، وبأن سياسة وزارة الصحة تقتضي عدم السماح بتصدير أي دواء مفقود من الأسواق لحين تأمينه محلياً، وعلى الرغم من كل النفي المكرر حول عدم رفع أسعار الأدوية، إلّا أن واقع الحال يقول: بأن سوق الدواء أصبح سوقاً سوداء كاملة متكاملة.

فقد أصبح من الطبيعي فقدان بعض الزمر الدوائية من الصيدليات، بمقابل وجودها مقننة بأسعار أعلى، أو وجود بدائلها المهربة بالأسعار الفلكية، بالإضافة للرفع المتتالي بأسعار الأدوية بشكل عام، وغياب تام لبعض الأصناف والزمر، وطبعاً كل ذلك على حساب صحة المواطنين ومعيشتهم، ولمصلحة شركات الأدوية والمستودعات والمهربين.

كل ارتفاع سعري يليه نفي رسمي
الارتفاع الأخير على أسعار بعض الأصناف الدوائية، مطلع الشهر الحالي، ضمن سلسلة الرفع المتتابعة منذ أكثر من عام، تبعه تصريح رسمي من قبل معاون وزير الصحة للشؤون الدوائية، عبر إحدى وسائل الإعلام بتاريخ 17/8/2017، نافياً نية الوزارة برفع أو تعديل أسعار الأدوية على المدى المنظور!.
النفي أعلاه أتى عملياً بعد الرفع الرسمي الأخير لأسعار بعض الزمر الدوائية، كما ترك الباب واسعاً حول إمكانية الرفع السعري اللاحق، عبر عبارة «على المدى المنظور»، ما يعني أن سلسلة الرفع المتتالي لم تنته بعد، على الرغم من تأكيد المعاون عودة الصناعة الدوائية الوطنية إلى إنتاج أكثر من 80% من حاجة القطر من الدواء بعد عودة معظم معامل الدواء إلى الإنتاج وبشكل خاص في حمص وحلب.
التناقض الفاضح بين التصريح أعلاه، وواقع الحال، هو أن الزيادة الأخيرة بالأسعار شملت عدداً كبيراً من الأدوية ذات الصناعة المحلية والمطلوبة بشكل يومي، وذلك حسب ما أوردته إحدى الصحف المحلية على ألسنة بعض الصيدلانيين بتاريخ 15/8/2017.

نوايا مبيتة!
فقد سبق وأن صرح وزير الصحة: أنه لا زيادة على أسعار الأدوية بكل أصنافها، مشيراً أنّ ما تقوم به الوزارة هو تحقيق عدالة بالأسعار حتى لا يتوقف المنتج، وقد لفت بحينه إلى وجود 4000 زمرة من الأدوية بحاجة للتعديل.
حديث الوزير لمسه المواطنون بالواقع العملي ارتفاعاً كبيراً بالأسعار وبشكل متتالٍ، دون مراوغة وتبطين، بعبارات العدالة والتعديل والحرص على المنتج، وبنسب وصلت لحدود 400% على بعض الأصناف.
فالذريعة الرسمية المعلنة عن أسباب رفع الأسعار الأخير كانت بأن الوزارة تصحح أسعار بعض الأصناف المفقودة من الصيدليات السورية، وكأن مفاهيم العدالة والتصحيح والحرص قابلة لأن تشمل مصلحة الشركات المنتجة والمستودعات والمهربين، في حين تعجز عن أن تشمل مصلحة المواطنين، حيث يدفعون ضريبتها من قوتهم ومعيشتهم وصحتهم بشكل يومي، خاصة بظل التدهور المستمر على المستوى المعيشي العام، بسبب تدني الأجور، وتراجع القيمة الشرائية لليرة، تزامناً مع الارتفاعات المتتالية لأسعار السلع والخدمات.

الاستثمار في الاستغلال!
منتجو الدواء المحلي، ومنذ بداية الحرب والأزمة، كان لهم رأيهم المغاير دفاعاً عن مصالحهم والاستمرار بعملهم، وخاصة في ظل الصعوبات التي يواجهونها على مستوى الحصار الاقتصادي، والذرائع المساقة من قبلهم بالخسائر التي يتكبدونها جراء سعر الصرف وأسعار المواد الأولية، بالإضافة لتكاليف العبوات والتغليف والنقل، وغيرها من القضايا التي تدخل ضمن حسابات التكاليف الأخرى.
فعلى الرغم من موضوعية بعض الطروحات من قبل أصحاب منشآت التصنيع الدوائي، وأهمية الحفاظ على هذا الإنتاج، وضرورة دعم هذه الصناعة وتطويرها، إلا أن استثمار تلك الموضوعية والأهمية كان له طابع استغلالي على حساب صحة المواطنين، وعلى حساب معيشتهم بنهاية المطاف، عبر أساليب الضغط الممارس من قبل هذه المنشآت على السوق المحلية واحتياجاتها، من أجل استمرار آلية الرفع المتتالي لأسعار الأدوية، عبر حجب بعض الأصناف والزمر المنتجة، أو عبر زيادة الكميات المصدرة على حساب الكميات المطروحة محلياً، بذريعة الحصول على القطع الأجنبي للتعويض عن الخسائر بالأسعار المحلية، مما ساعد على زيادة آليات التحكم بالعرض والطلب في السوق الدوائية المحلية من قبل مستودعات الأدوية والصيدليات، وزيادة تسرب البدائل المهربة من غالبية الزمر الدوائية، بعيداً عن حدود الرقابة الصحية والدوائية عليها (سعراً ومواصفة وجودة ومصدراً)، وقد تزايد التحكم بهذهِ السوق عاماً بعد آخر نتيجة الغياب الرسمي عنه، حيث لم يتم العمل على تأمين الحاجات الدوائية من قبل وزارة الصحة بالشكل المطلوب طيلة السنوات الماضية، وما زالت، كما لم يتم دعم الإنتاج المحلي في منشآت التصنيع الدوائي في قطاع الدولة نفسها.. هكذا!.

غياب رسمي غير مبرر!
سوق الدواء المحلي أصبح يغلب عليه طابع السوق السوداء، الذي تكاثر عليه المستثمرون من كل حدب وصوب، بعيداً عن الرقابة والمتابعة، واستغلالاً لحاجات الناس وعلى حساب صحتهم ومعاشهم، وخاصة على مستوى الزمر الدوائية الخاصة بالأمراض المزمنة، والأمراض بطيئة العلاج، والسرطانات بشكل خاص، مع الغياب الرسمي غير المبرر عن هذا الملف الحياتي الهام والضروري.

الذرائع الواهية والوهمية!
أولاً: الصناعة الدوائية ليست خاسرة، كما يحب أن يدعي أصحاب المنشآت والمعامل الدوائية، بل تعتبر من الصناعات المربحة والرائجة، ولعل أكبر دليل على ذلك أنه تم منح العديد من التراخيص من أجل افتتاح المزيد من هذه المنشآت والمعامل عبر القطاع الخاص، وما زالت هناك طلبات مقدمة قيد الدراسة والترخيص.
ثانياً: على مستوى تأمين المواد الأولية، فرغم الحصار والذرائع المترتبة عليه، فإن المواد الأولية ما زالت تورد من بعض الدول الأوربية بالإضافة لكوريا الجنوبية ودول شرق آسيا، كما لم يتم حسن استثمار العلاقات الجيدة مع الكثير من الدول الأخرى كموردين للمواد الأولية.
ثالثاً: للصناعة الدوائية السورية أسواق تصريف خارجية واسعة وكبيرة، فعلى الرغم من ادعاءات الحصار والقيد كلها، فقد استمرت أسواق السودان واليمن والعراق وأذربيجان، بالإضافة إلى لبنان، من الأسواق المستقطبة لهذه الصناعة طيلة سنوات الحرب والأزمة على مستوى التصدير الرسمي، ناهيك عما يتم تهريبه من منتجات هذه الصناعة المحلية عبر شبكات متعاونة داخلاً وخارجاً، وأيضاً على الرغم من توقف بعض المنشآت وتدني الإنتاج، على حساب الحاجات المحلية، علماً أن الصناعة الدوائية السورية كانت قد أسست سمعة خارجية ممتازة لسنوات طويلة خلت، سواء ناحية المواصفة والجودة، أو ناحية الأسعار.
رابعاً: مازالت إمكانات ضبط السوق الدوائية محدودة، بل تراجعت بشكل كبير خلال السنوات الماضية لدرجة الغياب، رغم خروج بعض المنشآت الدوائية عن العمل، ورغم تدني أعداد المستودعات الطبية والصيدليات بشكل كبير، ورغم إغلاق الكثير من المنافذ الحدودية موضوعياً بنتيجة الحرب والأزمة.

تكريس الانفلات!
لنصل إلى نتيجة مفادها: أن كل تلك العوامل ذات طابع ذرائعي، غايتها تكريس حال السوق الدوائية المنفلتة، لمصلحة قلة من المستثمرين والمستغلين والمهربين، والأخطر أن كل ذلك لم تعد سلبياته محصورة على المستوى المعيشي المتردي أصلاً، باعتبار أن العلاج ضرورة وليس رفاهية، بل بات ينعكس على الحياة نفسها وإمكان استمرارها بظل هذا التغول في التحكم بهذه السوق، وخاصة بالنسبة لمن يعاني من الأمراض المزمنة والسرطانات وغيرها من الأمراض الخطيرة الأخرى من فقراء الحال والمعدمين.
وكأن لسان حال السياسة الصحية الرسمية المحابية للمستثمرين بأنواعهم على طول الخط يقول: موتوا بأمراضكم أيها الفقراء.

معلومات إضافية

العدد رقم:
824