الإصلاح الضريبي في سورية ( 2 من 2 ) التحصيل الضريبي.. إنهاك للشعب.. إثراء لجيوب البعض..

حجم التهرّب الضريبي ثلاثة أمثال إيراداته الفعلية
مبالغ التهرّب لا تقل عن 80 مليار ليرة سورية
سعر المبيع الحقيقي يزيد بنحو 30-60 % من سعر فواتير الاستيراد
بيانات ضريبية ملفقة.. بحماية الرؤوس الكبيرة!!
تحديث القوانين بما يخدم البلاد والعباد.. ضرورة ملحة
يجب تطبيق ضريبة واحدة على الدخل لا على الاستهلاك
«المهرب الكبير» (يشتري الطريق) في وضح النهار!!
يبلغ الفاقد الجمركي نتيجة التهريب نحو 100 - 200 مليار ل.س
استعرضنا في العدد السابق، القسم الأول من «الإصلاح الضريبي في سورية».. حيث تناولنا المفاهيم «الضرائبية» والمفروض والمرفوض في الضرائب، والضريبة على الرواتب والأجور، والمهن والحرف الصناعية والتجارية وغير التجارية، والضريبة على رؤوس الأموال المتداولة، وعلى التركات والوصايا والهبات..
ونتابع في هذا العدد القسم الثاني والأخير من هذا الموضوع الملح، بعد أن كسرت سورية كل القواعد المتعارف عليها في علوم الاقتصاد، المتعلقة بالنظام الضريبي.. لنصل الى العجب العجاب.. وإلي ضرورة الإسراع في إصلاح النطام الضريبي برمته بما يخدم مصلحة البلاد والعباد...
مضاربات.. وضرائب

ضريبة ريع العقارات والعرصات:

 

ضريبة ريع العقارات والعرصات:

أو ما يسمى بالعامية (بالترابية)، لاتأتي أهمية مناقشة هذا النوع من الضرائب من أنها تمس عدداً كبيراً من المواطنين في سورية فقط، بل لأنها أيضاً  تتميز بعدم عدالتها الواضحة والناتجة بشكل أساسي عن ارتفاع أسعار العقارات بشكل كبير في الفترة الماضية نتيجة المضاربات.
أصل الترابية و فصلها
وتعود أصول فرض هذه الضريبة إلى القانون /678/ لعام 1945 وتعديلاته والذي يقضي بفرض ضريبة سنوية على العقارات الواقعة ضمن أراضي الجمهورية العربية السورية، وتفرض هذه الضريبة كنسبة عن ريع العقارات والذي هو بدل إيجارها المقدر من قبل لجنة التقدير من خلال تقدير قيمة العقار ومن ثم تحديد ريعه وفق ما يلي:
5% من قيمة العقار المستخدم للسكن.
6%  من قيمة العقار المستخدم للمهن ( محامي، طبيب........)
7% من قيمة العقار المستخدم كعقار تجاري.
8% من قيمة العقار المستخدم كمدارس أو دور محاكم.
ومن ثم تفرض نسبة الضريبة التصاعدية على هذا الريع والتي تتراوح ما بين 16.8 % للشريحة الأولى للريع السنوي الذي يتجاوز 1750 ل.س مع المجهود الحربي. و72% الشريحة السابعة لريع سنوي يتجاوز 20000 ل.س مع المجهود الحربي.
سلسلة المشاكل
ومن الناحية التطبيقية فإننا نجد أنها غير فعالة وغير عادلة، إذ لا تميز بين العقار المسكون والعقار المؤجر كما أنها غير منطقية في الوقت الحالي وبحاجة إلى تعديل. فمن غير المنطقي أن تكون نسبة الضريبة 72% لريع يتجاوز 20000 ل.س وهو الآن الحد الأدنى للأجر الشهري في مركز المدينة لذلك فإن التهرب واسع جداً منها ( من خلال عدم تقدير الدور أو المحال لدى الدوائر المالية خصوصاً في الأ رياف ومناطق المخالفات...).
ولذلك تقوم اللجان المالية بتقدير قيمة العقار بأقل من قيمته الحقيقية سنة التخمين.
مما يعني عدم صحة التقديرات الموجودة في ملفات وزارة المالية الأمر الذي يؤثر على كل القرارات اللاحقة المبنية على تلك التقديرات، و هذا يستدعي بالضرورة إلى الإسراع بعملية إصلاح هذه الضريبة.
الآلة تعني ضريبة قبل أن تعني إنتاج!
ولابد من الإشارة إلى أنه ضمن البند السابق هناك ضريبة ريع الآلات وينطبق عليها ماينطبق على ضريبة ريع العقارات بالإضافة إلى أنها أصبحت مشكلة حقيقية بعد أن عدل سعر صرف الدولار من 4 ليرات إلى 40 ليرة، فزادت الضريبة عشرة أضعاف، فمن كان يدفع 10 آلاف ل س صار يدفع 100 ألف ل س  للآلات، وهذه الضريبة تحتاج إلى إعادة نظر خاصة مع التوجه لتشجيع الاستثمار لأن تكليف أصحاب المنشآت الصناعية بضريبة على الدخل وضريبة على الآلات معاً يحدث ازدواجا في التكليف الضريبي، كما أن هذه الضريبة باهظة جداً لأنها تفرض بمعدلات عالية تصل إلى 38% يضاف إليها 20 % للمجهود الحربي و  2% للإدارة المحلية و ذلك لشريحة ريع الآلات الصناعية المقدر ب 20 ألف ليرة سورية. فإذا كانت قيمة الآلات الحديثة بمئات الملايين فانه لا يعقل أن يستمر تطبيق هذه الضريبة لآثارها السلبية على الاستثمار الصناعي.  
رسوم جمركية.. بلا جمارك!!

الرسوم الجمركية
تعتبر الرسوم الجمركية من الضرائب غير المباشرة، فهي تُحَصّل نتيجة واقعة اقتصادية معينة  (استيراد و تصدير) وهي من حيث الهدف إما رسوم تشجيعية أو رسوم حمائية أو رسوم اتفاقية. هذا التصنيف يعني أنه للدولة مطلق الحرية في فرضها و تحديد نسبها، و لكن الواقع الحالي في إطار ما يسمى بـ «النظام العالمي الجديد»، فإن الدولة أصبحت مجبرة على التعامل بشكل خاص مع هذه الرسوم تماشياً مع تحرير المبادلات التجارية و بالنسبة لسورية. فبالإضافة إلى تحدي منظمة التجارة العالمية والشراكة مع الاتحاد الاوروبي، هناك تحدي منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى و برنامجها التنفيذي المتضمن تخفيضاً تدريجياًُ للرسوم الجمركية بـ 10% سنوياً بدءاً من 1/1/1998 ومثيلتها اللبنانية القاضية بتخفيض تلك الرسوم بنسبة 25 % سنوياً اعتباراً من 1/1/1999.

منافسة غير متكافئة
لذلك نلاحظ على أرض الواقع انسياب السلع الصناعية الجاهزة إلى الأسواق السورية بدون رسوم جمركية في حين أن المواد الأولية المكونة لهذه السلع، والتي تستعملها المصانع السورية هي خاضعة للرسوم الجمركية والرسم الموحد (بمعدلات مرتفعة تصل إلى 47%) وعمولات مؤسسات التجارة الخارجية والدولار الجمركي بمعدل 46.5%، والاستيراد بقطع التصدير، مما جعل السلع الجاهزة المستوردة من البلاد العربية أقل تكلفة من السلعة نفسها التي تصنعها المصانع السورية. ويجعل المنافسة غير متعادلة بين تلك الأطراف.

اقتراحات
لا بد من ضرورة التعامل مع موضوع الرسوم الجمركية بالسرعة القصوى وهنا نقترح بعض الخطوات الرئيسية في عملية إصلاح الرسوم الجمركية منها:
1ـ إصدار التعرفة الجمركية المنسقة لمسايرة التطورات الدولية في التجارة الخارجية.
2 ـ تضمين هذه التعرفة الإعفاءات والتخفيضات في الرسوم الجمركية على المواد الأولية الصناعية ومدخلات الإنتاج الصناعي مما يساهم في تشجيع هذا الإنتاج و تحسين شروط منافسته.
3 ـ أتمتة عمليات الجمارك بهدف تبسيط الإجراءات واستخدام الكمبيوتر باستعمال نظام الانسيكودا المطبق في معظم الدول العربية ودول العالم الأخرى في تسيير المعاملات الجمركية بسرعة وشفافية.
الضرائب.. وأمراضها السرطانية المزمنة

التهرب الضريبي
يعتبر هذا الموضوع من أهم النقاط التي تحتاج إلى إصلاح، إذ يبلغ حجم التهرّب الضريبي حسب تقديرات المختصين بثلاثة أمثال إيراداته الفعلية الآن المحصلة من ضرائب دخل القطاع الخاص. فمبالغ التهرّب لا تقل عن 80 مليار ليرة سورية، ونعتقد أن إجراءات الإصلاح الضريبي يمكنها أن تخفض مبالغ التهرّب إلى النصف خلال عدد قليل من السنوات وتؤمن مورداً إضافياً لا يقل عن 40 مليار ليرة سورية للخزينة العامة.

إخفاء الحقائق
هناك أشكال عديدة للتهرب الضريبي تصب جميعها في خانة إخفاء الحقائق أو تحريفها، و من هذه الطرق كتمان النشاط كلياً بحيث لا يصل عنه أي معلومات موثقة للدوائر المالية وبالتالي لا تدفع أية ضرائب على الإطلاق، وهذا أكثر أشكال التهرب أماناً وهو يشمل كل من يمارس نشاطاً يحقق له دخلاً دون أن يُعلِمْ عنه الدوائر المالية ولا يدفع أية ضرائب. و من الأمثلة على ذلك: جميع المصانع الصغيرة ومكاتب التجارة والخدمات المختلفة التي  تعمل بدون أي ترخيص، وهي تبلغ عشرات الآلاف، ويقدر البعض أن حجم الصناعة غير المرخصة في القطاع الخاص يعادل حجم المرخصة منها.
أو طريقة إخفاء كل ما هو ممكن من رقم الأعمال في جميع بيانات مكلفي ضرائب الأرباح الحقيقية، وهذا يحدث خاصة في النشاطات الداخلية التي لا تدخل فيها الدولة كطرف، ولا تمر هذه النشاطات على أي دائرة حكومية لأي سبب كان.
و هناك طريقة زيادة النفقات والتكاليف على نحو وهمي حيث يتم زيادة تكاليف المواد والمستلزمات السلعية أو النفقات الإدارية، وذلك بقصد تقليص الأرباح الظاهرة و في الوقت نفسه يتم تخفيض سعر مبيع السلع والخدمات ما أمكن ذلك (تخفيض الإيرادات)، ويلجأ لهذه الطريقة مستوردو السلع وهنا تبرز إشكالية. فالمستورد يقوم عادة بتخفيض أسعار السلع في فواتير الاستيراد من أجل التهرّب الجمركي، بينما سعر المبيع الحقيقي يزيد بنحو 30-60 % من سعر فواتير الاستيراد مما يمكن ملاحظته بسهولة من قبل مراقب الدخل بل والتأكد منه لأن التاجر في هذه الحالة يكون كالمنشار «على الرايحة بيقص و على الجاية بيقص». كما أن المستوردين يلجؤون إلى تنظيم رخص استيراد بأسماء أشخاص لا علاقة لهم بالتجارة (أقرباؤهم أو بعض العاملين لديهم) وذلك بقصد الاستفادة من المعدلات المنخفضة لضرائب الشرائح الأولى (نحو 200 ألف ل.س سنوياً لكل رخصة) وبقصد التهرّب من الحصول على براءة ذمة مالية للمستورد نفسه الذي تأخر عن سداد ضرائبه.

محاسب خبير جداً!
في كل الأحوال يقدّم هؤلاء المكلفون بيانات ضريبية ملفقة، يعدها لهم محاسبون مؤهلون، بمن فيهم جزء كبير من موظفي الدوائر المالية حيث يعملون لدى المكلفين كمحاسبين دون أن تظهر أسماؤهم، ثم يقوم محاسبون قانونيون مجازون بإصدار شهادات تصديق لهذه البيانات الضريبية الملفقة وهنا تكتمل الدائرة، بتواطؤ من قبل مختلف أطرافها.

زيارات غير ميدانية
أما التهرب من ضريبة الدخل المقطوع (فئة صغار التجار والحرفيين وأصحاب الحوانيت وأصحاب المهن العلمية من أطباء وصيادلة ومهندسين ومحامين ومحاسبين قانونيين ومن شابههم)، وهم غير مطالبين بتقديم بيانات ضريبة، حيث يقوم مراقبو الضرائب بزياراتهم ميدانياً (هكذا يفترض) والتعرف على حجم نشاطاتهم بمختلف السبل لتقدير أرباحهم ومن ثم فرض الضريبة المناسبة، وفي الواقع فإن زيارات الاستطلاع نادراً ما تتم ويتم فرض ضريبة وفق أسس غير علمية مما يخلق تمايزاً غير عادل بين المكلفين ويفسح المجال أمام تدخلات غير نزيهة و غالبية دافعي ضرائب الدخل المقطوع يدفعون ضرائب معتدلة أو منخفضة، مع وجود حالات  تكون فيها الضريبة مرتفعة، ومن جهة أخرى يوجد جزء كبير من هؤلاء يدفعون أقل بكثير مما يستحق على دخله الحقيقي، وبعض هؤلاء رجال أعمال حقيقيون، ورغم ذلك يسدد بعضهم بضع عشرات آلاف ل.س سنوياً كضريبة عن دخل يصل إلى بضعة ملايين وأكثر، مثلاً أصحاب المحلات في الأسواق الرئيسية في المدن الرئيسية، وأصحاب ورش صناعية وجزء من أصحاب المهن العلمية كالأطباء والمحامين خاصة والعديد من صغار التجّار.

عمال مكتومون ...
ويضاف إلى أشكال التهرّب السابقة، التهرب من ضريبة دخل الرواتب والأجور، حيث يقوم أصحاب الأعمال في القطاع الخاص بعدم سداد ضريبة دخل الأجور والرواتب عن معظم العاملين لديهم، ونعتبر هنا أن المتهرّب هنا هو رب العمل وليس العامل، لأن القرار في ذلك يعود لرب العمل وهدفه من عدم سداد ضريبة دخل الرواتب هو الحصول على يد عاملة أقل تكلفة، وبالمثل نعتبر عدم إشراك العاملين في التأمينات الاجتماعية، وللأسف فإن الدوائر المالية لا تفرض أية رقابة على هذا الموضوع، أما رقابة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل فهي شكلية ويشوبها الكثير من الفساد.

الرؤوس الكبيرة
ولمعالجة أي مشكلة لابد من أن نبدأ من النقطة الأكثر أهمية. و في موضوع التهرب الضريبي لا بد من معرفة أن  مبالغ تهرب 5% من مبالغ المتهربين الكبار الذين يصل عددهم ربما بضعة آلاف فقط على مستوى سورية قد تساوي وتزيد عن مبالغ الـ 95% الباقية وتصل أعدادهم ربما لبضع مئات من الآلاف، ومن هنا فإن جهد مكافحة التهرب يجب أن يتوجه أولاً وينصب أساساً على مكافحة التهرّب الكبير، فهذا أوفر إيراداً وأقل تكلفة، ولكنه أكثر عناداً ومقاومة، وضبط التهرّب الكبير يساعد في ضبط التهرّب الصغير.

التأخير أفضل بكثير!
أما الشكل الأخير من التهرب فهو عندما يقوم المكلفون بتقديم بيانات خاسرة أو بأرباح قليلة لأسباب عديدة، منها تأخير دفع الضريبة ما أمكن ربما لعدة سنوات إلى حين قيام الدوائر المالية بمراجعتها وقبولها شكلا« ورفض نتائجها وتكليف المكلف وفق مبدأ التقدير (التكليف المباشر)، وهذا التأخير يتيح للمكلف استعمال مبلغ الضريبة طيلة مدة التأخير، على الرغم من فرض الدوائر المالية لفائدة قدرها 0.83% شهريا (10% سنويا) عن كامل مدة التأخير، إذ يلجأ المكلف لإقامة دعوى أمام القضاء الإداري ضد الدوائر المالية ويحصل على قرار بوقف دفع الفوائد إلى حين البت في الدعوى الذي يتم تأخيره عادة  إلى حين صدور مرسوم عفو عام لمناسبة ما، فيشمل مبالغ الفوائد بالعفو، وصدر آخر مرسوم عفو رقم 2/99 بتاريخ  4/ 2/ 1999.

التهريب

وهو تمرير سلع عبر الحدود البرية أو البحرية للدولة بعيداً عن عيون السلطات الشريفة مما يحول دون دفع الرسوم الجمركية المفروضة. ويعدالتهريب أشد خطراً من التهرّب، فهو جرم اقتصادي يؤدي إلى خلل كبير في السوق المحلية و في مواجهة المنتج الوطني، وبالإضافة إلى دلالاته الاقتصادية فله دلالات أمنية و أخلاقية،وبينما يخاطر المهرب الصغير مستخدماً خبرته في تجنب دوريات الجمارك، فإن المهرب الكبير يتفق مع بعض العاملين في الجمارك تحت ما يعرف بـ (شراء الطريق) حيث يتم إفراغ طريق التهريب من أية دورية لعدد محدد من الساعات تمر خلالها السلع المهربة.
كما يتم التهريب عبر  المراكز الجمركية نفسها، وخاصة المناطق الحرة، حيث يقوم المستورد بتقديم فاتورة للجمارك تقل عن الكمية الموردة فعلاً، فيقوم بدفع الرسوم بحسب الفاتورة وإدخال كامل كمية المواد مقابل مبلغ يدفع للمتعاونين معه، وتستخدم هذه الطريقة خاصة لتهريب السلع ذات الكميات الكبيرة مثل الحديد والخشب والسكر والأرز وما شابهها، إضافة لمختلف أنواع السلع المتوفرة في المناطق الحرة، حيث تلعب مستودعات المناطق الحرة درواً بارزاً في التهريب، فالمناطق الحرة هنا أشبه بوضع المهربات على الباب.

أسباب التهريب
أسباب التهريب كثيرة، منها ضعف جهاز المكافحة الجمركية سواء كان من حيث عدد أفراده أو تجهيزهم، وهنا تبرز قضية إصلاح الأجور و الرواتب. فهؤلاء يحصلون من خلال عملهم هذا على مورد يساعدهم في تأمين حياة شبه كريمة و بالطبع هذا ليس تبريراً و لكنه محاولة للإحاطة بكامل نواحي المشكلة، و السبب الآخر هو حاجة السوق المحلية للسلعة غير المتوفرة ضمن المواصفات المطلوبة مثال: استمرار الدولة في احتكار استيراد الدخان مع التقصير في تأمين كميات كافية لاستهلاك السوق المحلية، ولعل هذا البند يشكل أحد أهم بنود المهربات وأربحها، كما تبرز قضية  انتقائية محاسبة المهربين، وضعف العقوبات التي توقع بهم،و وجود بطالة تدفع بالكثيرين لممارسة نشاطات غير نظامية لتأمين لقمة عيشهم.
و لا بد من إيجاد حل لهذه المشكلة الخطيرة إذ يقدر البعض أن الفاقد الجمركي نتيجة هذا النوع من التهريب يبلغ نحو 100 - 200 مليار ل.س. و هو مبلغ لا يستهان به أمام كل ما كانت تفعله وزارة المالية لزيادة إيراداتها و لو بمقدار بضع مئات من الليرات.
اتجاهات الإصلاح الضريبي في سورية
محاربة النهب والفساد.. وتشديد العقوبات
يتألف النظام الضريبي من مكونات ثلاثة هي: التشريع، التنفيذ، القضاء ويتوجب أن يطال الاصلاح هذه المكونات الثلاث معاً، وسنشير إلى أهم النقاط التي يجب أن يطالها الاصلاح بهدف إثارة النقاش حولها و تقديم حلول مبد ئية لا يمكن أن تنضج إلا عبر النقاش الفعال.

في المجال التشريعي
لا بد من تحديث القوانين كافة بدءاً من قانون التجارة وقانون الضريبة على الدخل وأنظمة العقود وقانون الاستثمار والأنظمة المحاسبية والمالية وغيرها و تبرز هنا القضايا التالية:
فرض ضريبة موحدة على الدخل
يتفق الجميع على ضرورة تحديث التشريعات الخاصة بالضريبة و لكن هل نحافظ على شكل الضريبة النوعية ام نطبق ضريبة واحدة على كامل الدخل؟
 و ما هو الأساس الذي يجب الاستناد إليه في النظام الضريبي في فرض الضريبة هل هو الدخل أم الاستهلاك أم الثروة؟
إن الرأي السائد الآن في العالم يذهب إلى أفضلية ضرائب الاستهلاك فهي أقل تدخلاً في قرارات الادخار والاستثمار من ضرائب الدخل، وكلما زادت درجة عمومية ضرائب الاستهلاك (أي اتساع نطاق تغطيتها) قل تأثيرها على الأسعار النسبية وكان ذلك أفضل من منظور الكفاءة، كما أن متطلبات التجارة الخارجية ومنظمة التجارة العالمية تتطلب مستقبلاً تخفيضات في الرسوم الجمركية وكذلك الدخول في تكتلات اقتصادية إقليمية، كل ذلك يحتم فرض ضريبة على الاستهلاك مع مراعاة البعد الاجتماعي ما أمكن.
ولكنها ضرائب سيئة من ناحية العدالة. أما ضرائب الدخل فهي أكثر اتفاقاً مع العدالة لاستنادها إلى مبدأ شخصية الضريبة ولكنها أشد وقعاً على حوافز الإنتاج والنمو، و برأينا أننا لسنا بلداً متطوراً صناعياً و لا متطوراً من حيث مستوى الدخول لذلك فمن الأجدى تطبيق ضريبة واحدة على الدخل لا على الاستهلاك.

التصاعد في الضريبة
كذلك تحظى معدلات الضريبة الملائمة لاعتبارات العدالة والكفاءة بقدر كبير من الاهتمام في المناقشات الرامية إلى الإصلاح الضريبي وقد استقر مبدأ التصاعد في النظم الضريبية الحديثة باعتباره أكثر اتفاقاً مع مضمون العدالة. ولكن تنشيط حوافز الإنتاج والنمو الاقتصادي يقتضي تخفيض معدل التصاعد في الشرائح الضريبية، من جهة والأخذ بالإعفاءات والمزايا الضريبية من جهة أخرى. كما أن التعويض عن الآثار التوزيعية غير العادلة لضرائب الإنفاق يتطلب درجة ما من التصاعد لتحقيق توزيع أكثر عدلاً للعبء الضريبي، وتتداخل الاعتبارات المالية والضغوط السياسية لتأييد حصول بعض الفئات الاجتماعية على مزايا من النظام الضريبي لتزيد الأمور تعقيداً، ويبقى الأمر مفتوحاً للاجتهاد حول معدلات الضريبة الملائمة لكل من اعتبارات الكفاءة من ناحية والعدالة من ناحية أخرى.

الإيرادات التقاعدية
يجب معالجة هذا الموضوع، إذ إن الإيرادات التقاعدية  المقتطعة للتأمينات الاجتماعية أصبحت جزءاً من إيراد الدولة، وبالتالي تحول منذ 20 سنة هذه الإيرادات إلى صندوق الدين العام، وتدخل ضمن الموازنة، وتقوم وزارة المالية باحتساب الرواتب التقاعدية وفق نسب محددة، علماً انه لا يوجد قانون في العالم يعطي الدولة الحق بالاستيلاء على أموال مؤسسات التأمين الاجتماعي، التأمين والمعاشات، أو مؤسسات الضمان الاجتماعي والصحي الموجودة في العالم، بل على العكس فهناك مناقشات كبيرة من قبل نقابات العمال في الخارج حول ضرورة استثمار أموال هذه الصناديق لتعود بالفائدة على المتقاعدين كافة !.

في المجال التنفيذي
1- القضاء على مظاهر الفساد الإداري وسوء استغلال أموال الدولة وترشيد الإنفاق العام وضبطه وممارسة الرقابة الفعالة عليه.
2- متابعة تهيئة الأطر المالية والضريبية وإجراء الدورات العلمية والتدريب المستمر لتطوير معلوماتهم وتحسين أدائهم.
3- وإعادة النظر في أسلوب الفرض والتحقق والتحصيل من خلال وجود نظام رقابة داخلية محكم مع ربط ذلك ببرنامج زمني لكل مرحلة من المراحل.
4- تطبيق استخدام نظام الرقم القومي »بطاقة التسجيل الضريبي« وذلك عند التعامل مع الدوائر المالية واستخدام هذه البطاقة في أنواع الضرائب كافة (دخل- جمارك- مبيعات)..
5- تنمية الوعي الضريبي للمكلفين من خلال الاتصال المباشر معهم، وإقامة الندوات وإصدار النشرات الدورية ودليل الضرائب واستخدام وسائل الإعلام كأداة لتوجيه الخطاب الإعلامي الضريبي للمكلفين ولخلق الثقة المفقودة بين الدوائر المالية والمكلف.
6- اعتماد الشفافية والوضوح والتخلص من مرض سرية المعلومات.

في المجال القضائي
تشديد العقوبات على المتهربين من الضريبة إذ أن ضآلة الجزاء على المتهربين أو عدم تطبيق النصوص القانونية في هذا المجال والاكتفاء بالغرامات المالية فقط تدفع المكلف لأن يوازن بين ما سيحصل عليه من وفر من خلال التهرب الضريبي وما سيدفعه من جزاء نتيجة التهرب، ويحاول أن يحصل العائد الأكبر.
مهام صعبة لوزير المالية الجديد
يجب زيادة حصيلة الضريبة بشرط أن تستخدم في المجالات الإنمائية و الخدمية ( أي ألا يكون الهدف مالياً بحتاً) وذلك لرفع مستوى المواطن المعيشي والمعاشي، ويمكن الوصول إلى تلك الزيادة في الحصيلة عبر معالجة الفواقد الكبيرة التي سبقت الإشارة إليها و عبر تنشيط الدورة الاقتصادية وتفعيل النمو ولذلك فعلى وزارة المالية الجديدة مهام كبيرة إذ عليها أن تعالج مسائل أغرقت فساداً وانحرافاً طوال سنين طويلة و أهم مهامها معالجة مسألة الثقة المفقودة بين المواطن والدولة.      * *

معلومات إضافية

العدد رقم:
169