موائد رمضان 2015 تروي حكاية مرة من رمضائنا!

موائد رمضان 2015 تروي حكاية مرة من رمضائنا!

 

أجرت صحيفة قاسيون استطلاعاً لأوضاع الناس في شهر رمضان، والذي وإن لم يشهد ارتفاعات حادة كما في السنوات السابقة، إلا أن مستويات الغلاء بشكل عام تسجل أرقاماً قياسية بالنسبة لسنوات سابقة كانت فيها مستويات الأسعار أقل من مستواها الحالي. وحينها كانت الموائد الرمضانية تتصف بتنوعها وتعددها، ناهيك عن شمولها لوجبات مكملة كالحلويات، والعصائر، والسوائل الأخرى، كالسوس والتوت الشامي والتمر هندي، والموالح.

الاستطلاع الذي أجرته قاسيون شمل عدداً من الأسر السورية في مناطق مختلفة تناول عدة أمور، أبرزها السؤال حول كيفية تكيف الناس مع الغلاء، وانعكاس ذلك على مائدة شهر رمضان المدللّة كما عهدها السوريون.

صنف واحد أو اثنين!

وإجابة على سؤالنا المباشر للناس حول هل تم تقليص عدد أصناف الأكل في وجبة الفطور الرمضانية؟ أجابت أم علي وهي أم لأسرة مكونة من 6 أشخاص: (رغم أنني كنت قادرة على تنظيم أموري قبل الأزمة، وحتى كوني مستقرة في منزلي، إلا أننا اضطررنا لتقليص عدد الأصناف التي نأكلها في هذا الشهر، ورغم تقليصها إلى نوعين رئيسيين في العام الماضي إلا أن أسعار العام الحالي أجبرتنا على تقليصها لوجبة واحدة فقط).
أما أم مجد وهي مهجرة من دير الزور، وهي أم لعائلة مكونة من 4 أشخاص، فتجيب حول هذا السؤال بالقول: وجبتنا الحالية هي صنف واحد فقط من الأطعمة، وهذا الحال يشمل رمضان وغيره من أشهر السنة في هذه الأزمة العصيبة). 
بالنسبة لعائلة مصطفى وهي المكونة من 6 أشخاص يعمل فيها مصطفى وزوجته كموظفين 
فقد أكد أن أصناف الأكل قلت كثيراً من حيث العدد (فينقص طبق آخر مع  كل رمضان جديد خلال الأزمة) على حد تعبيره.
أما أبو كاسم وهو رب أسرة مكونة من أربعة أفراد وهو معيلها الوحيد، فيؤكد جواب مصطفى حيث يقول: (لقد أصبح فطورنا معتمد على وجبة رئيسية يرافقها طبق آخر بسيط كتشكيلة  كالفول المدمس والمعكرونة). 
بالنسبة لأبي شادي وهو رب لأسرة من سبعة أفراد فرمضان كان مناسبة للطاولات الكبيرة فـ(كل ما تشتهيه كنت تجده في هذا الشهر الكريم، أما اليوم، فإذا كان هناك طبقان غير الطبخة الرئيسية مع قليل من الشوربة فأبو زيد خالك)!
تبدو حال أبو بكر أكثر صعوبة فرغم كونه نجار موبيليا، إلا أنه يعيل ثلاث عائلات مهجرة في بيت واحد، ويستذكر أبو بكر الأصناف المختلفة ويقول: (الأطباق المرافقة كالشوربة والفتة والبطاطا المقلية والبرك والمعكرونة والسلطة... لا زالت مستخدمة، لكن فطورنا يقتصر على اثنتين منها بالتوازي مع الطبق الرئيسي فقط).


اللحوم شم ولا تذوق!

عندما سألنا معظم الأسر التي شملها استطلاعنا عن التغيرات في نوعية الأطباق التي كان رمضان يحويها كانت الإجابات شبه موحدة تقريباً (اللحم والفروج شم ولا تدوق)! 
فأم مجد وهي مهجرة من دير الزور تقول: (أن نشتري اللحم مرة أو مرتين في الشهر وبحجم وقية فقط.. في الدير كنا نسخر من مثل هذه الكميات أيام زمان في الدير)! 
ويؤكد مصطفى وهو لحسن الحظ (غير مهجر ويملك منزلاً) على حد تعبيره، على أنه وفي ظل ارتفاع أسعار اللحوم فلا بد من اعتماد (الأطباق التي تحضر بالزيت كون الزيت موجوداً في المعونات وأسعار الخضروات أقل من غيرها). وبالنسبة لأبي شادي وهو المهجر من الضمير، فقد جعلته الأزمة يعتمد على الفتّات (كونها تعتمد على الخبز بشكل أساسي وهو حالياً رديء.. وقد يناسب الفتّات أكثر) على حد قوله!. ويبدو أن أبا بكر وهو النازح من مدينة سقبا كان أكثر حظاً فلم يلغ اللحمة حتى اللحظة إلا أنه قلصها ويوضح: (فالطبخة التي كنا نستهلك فيها نص كيلو صارت وقية)!. 
رونق الحلويات يخفت والمشروبات من المنزل
الحلويات والمشروبات المختلفة بالإضافة للفواكه والموالح هي من الأطباق الإضافية، والتي يكون لها رونق خاص في هذا الشهر حيث تزداد مستويات استهلاكها، وتحديداً السوائل والسكريات التي تعوض الصائم عما يخسره في فترة الصيام. لكن ماذا حل بها

 

خلال هذا الشهر؟

تجيب أم علي على تساؤلنا هذا بالقول: (الحلويات تقلصت كثيراً، فسابقاً كان أبو علي يجلب لنا النمورة، والتي كان سعر كغ الواحد منها 250 ليرة تقريباً اليوم صارت بحوالي 1000 ليرة. استعيض عن ذلك بالحلويات المنزلية الصنع ولكن ليس بشكل يومي فكيلو السكر الحر صار بـ 180 ل.س).
ترى أم مجد أنه وفي ظل حالة التهجير، فلا بد من حذف كل تلك الأمور من قائمة استهلاكها: (فالفواكه حُذفت تماماً. والحلويات تقتصر على البسبوسة لمرة واحدة في هذا الشهر. أما الموالح فنكتفي ببزر دوار الشمس... والمشروبات تم استبدالها بعلبة عصير بودرة فيها 24 ظرف وسعرها 325 ليرة، وقد ألغينا التمر الهندي كونه يحتاج للسكر وكذلك ألغينا قمر الدين). 
أما مصطفى وهو ابن ريف إدلب تبدو أحواله أفضل نسبياً، ربما كونه موظف هو وزوجته ولم يتعرضا للتهجير، فيقول :(لا يمكن الاستغناء عن الحلويات والمشروبات في رمضان، فهي ضرورية للصائم. أما عن الفواكه فحسب سعرها بالسوق حالياً نكتفي بالبطيخ الاحمر رغم ارتفاع سعره، والمشروبات فنعوضها بتحضيرها منزلياً).
لكن أبو كاسم وهو المهجر من الحجر الأسود لم يبد مرتاحاً لهذه النقطة حيث أجاب مقتضباً: (نصنع السوس والتمرهندي في المنزل بالإضافة لبعض الحلويات البسيطة التي نستخدم فيها سكر المؤسسة). وقد غدا ذلك حال أبو شادي المهجر من الضمير، والذي أردف سريعاً: ( نعوض حالياً بالعصائر المنزلية.. أما الحلويات فهي مقتصرة على الهريسة والعوامة وبالكتير حلاوة الجبن). وتطابق حال الاثنين مع وضع أبي بكر المهجر من سقبا حيث يقول لقاسيون: (لازلنا نستهلك المشروبات يومياً.. لكن الحلويات لم تعد كذلك، خاصة الحلويات التي تُستخدم فيها القشطة فأصحبت غاليةً جداً، وحتى اللحظة لم نستطع التعود على هذا النمط الاستهلاكي المتقشف في هذا الشهر الفضيل).


الأسعار كالنار!

المضحك المبكي في ختام لقائنا مع هؤلاء الناس هو سؤالنا لهم عن تعليقهم عن وضع الأسعار بشكل عام، حيث يرى مصطفى أنه: (حالياً كيفنا استهلاكنا بما تشمله المعونات التي نحصل عليها من جهات مختلفة وهي بكل تأكيد لاتشمل أطباق رمضان). أما أبو كاسم الذي يدفع أجار بيت كونه مهجر ويعمل سائق تكسي فيرى أن (الأسعار الحالية مرتفعة بالنسبة لدخولنا رغم أن انخفاض أسعار الخضار وانخفاض بعض أسعار الفواكه حالياً عن السابق كونها في الموسم لكن ذلك مؤقت وآني). يتشاطر أبو شادي الرأي مع أبو كاسم، حيث رغم أنه يعمل موظفاً في الهاتف ولديه دخل إضافي من بسطة دخان، إلا أنه يرى أن: ( الأسعار كلها مرتفعة لكن بعضها ممكن أن نتحمله)، فيما يؤكد أبو بكر والذي رغم أنه يملك ورشة للموبيليا أن: (كل شي غالي متل النار وحالياً لا نستطيع أن نشتري كل ما نريده فاقتصرنا مشترياتنا على الضروريات) وتختم أم مجد وهي المتابعة باستمرار لجريدة قاسيون، الجولة من الأسئلة بالقول (لابد من تغيير هذه السياسات وعدم الركون لمراقبة وزراة التجارة الداخلية للأسعار).
أم علي وأم مجد.. مصطفى، وأبو بكر، أبو شادي وأبو كاسم، هم مواطنون سوريون جعلت الأزمة معظمهم مهجرين، وأكلت الأسعار دخولهم. وصار رمضان بالنسبة لهم شهراً سيقضونه للابتهال لا لجعل الأزمة برداً وسلاماً على السوريين وحسب، بل للدعاء بالبلاء على كل من أوصل الأزمة في البلاد إلى حدٍّ جعل أمعاءهم تلتهب بالخواء لأعوام متتالية!