فوضى رأس المال، من كولومبوس حتى أوباما(1)
يزن حداد يزن حداد

فوضى رأس المال، من كولومبوس حتى أوباما(1)

دخلت المنظومة الرأسمالية خلال العقود الماضية في مرحلة جديدة من سلّم تطورها، حيث آلت بها إلى أشكالٍ أكثر وحشية وأكثر تعطشاً للمال والسيطرة وتوسيع النفوذ (الذي تعدّى آليات توسيع الحدود الجغرافية السابقة ليستعاض عنها بمبدأ فرض السيطرة من بوابة الاقتصاد على وجه التحديد)، وخاصةً عقب تفكك المنظومة الاشتراكية المتمثلة بالكتلة الشرقية، والتي شكّلت عملياً المنافس الرئيسي لها.

وذلك لا يعني بالمقابل أن الرأسمالية كمنظومة عالمية، لم تُبنى على قاعدة العبودية منذ بداية نشأتها، ربما كانت بنسخة مخففة أو أكثر مراوغة في مضمونها، لكنّ ديمومة النظام الرأسمالي مبنية في جوهرها على الاستغلال، وتوسيع أسواق تصريف السلع عبر توسيع النفوذ الجغرافي (قديماً)، والنفوذ الاقتصادي (حديثاً). وتأتي الحاجة للنقاش والحديث عن الرأسمالية بنموذجها الأمريكي المعاصر كونه يعكس الطبيعة التي كانت عليها الرأسمالية منذ تفكك علاقات الإنتاج في الحقبة الإقطاعية وتشكل علاقات الإنتاج الرأسمالية وحتى اللحظة الراهنة. فالنُخب البرجوازية المسيطرة في المراكز حرصت على إجراء عمليات تجميلية عديدة للرأسمالية توسطت الفترة الممتدة منذ ولادة الطبقة البرجوازية من رحم التناقض مع أرستقراطية أوروبا في القرون الوسطى وحتى القرن الحادي والعشرين، وذلك بهدف تقليص حالات الرفض الشمولي للمنظومة عبر تجزئة الوعي الجمعي للشعوب وتحويله نحو إشكاليات تقنية منفصلة.

تزامناً مع رسوخ المنظومة الرأسمالية واستقرارها الطبقي، في القرن التاسع عشر تحديداً، أصبح العالم مسرحاً لسيناريو الأزمات الاقتصادية المتكررة بشكلٍ دوري، من ركود وانتعاش اقتصاديين ومن ثم الدخول في أزمة جديدة، لكنَّ الطبقة الناشئة حينها أدركت بعد تصفية الإقطاع بأن استمراريتها تعتمد بصورة رئيسية على استنزاف الطاقات الجماهيرية عبر توجيهها إلى مسارات ضيقة من الوعي، فقد عملت الرأسمالية خلال العقود التي خلت على إنتاج صفوف من كهنة الاقتصاد، كانت وظيفتهم الأساسية تتمثل في إقناع العامة بآلية عملها وبمنظومتها القيمية، بحيث يتحولوا إلى جوقة من المهللين للمال، والنزعات الاجتماعية التي يفرزها، كونه عماد هذا النظام الرئيسي، ويجري ذلك في المجتمع ضمن الأطر الحقوقية الضيقة (التي ترتكز إلى تمجيد الفرد على حساب حقوق المجموع)، مقابل تضاؤل فرصة بناء وعي طبقي حقيقي يقع خارج دوائر وعي النظام الرأسمالي وحدود مؤسساته وأجهزته.

وقف بول فاولكر -رئيس البنك المركزي الأمريكي إبان حكم الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر- داخل الكونغرس في تشرين الأول/أكتوبر عام 2008 في أعقاب الأزمة التي عصفت بمراكز رأس المال، ليقول في تعليقه أمام لجنة تقصي أسباب الأزمة الاقتصادية: “إنني مصاب بالذهول، فأنا أعرف بأن هناك خطأ ما في النظام، لكنّي لا أعرف ما هو”!! وكأن الأزمة التي ضربت مراكز المنظومة وانسحبت بتبعاتها الكارثية على معظم دول العالم، كانت حالة غير نظامية، أو بمعنى آخر أزمة عرضية خلقتها مسوغات خارجة عن أدبيات النظام ومنطق عمله البنيوي.

 

إمبراطورية الشركات، والإمبريالية الجديدة

اكتشف كريستوفر كولومبوس في رحلته الأولى عام 1492 والثانية عام 1498 القارة الأمريكية، والتي كان يعتقد أنها الهند حينها قبل أن يدرك أنه وصل إلى جزر الكاريبي والقارة الأمريكية الشمالية، ومع وصوله لتلك القارة، حمل معه العبودية والحروب لسكانها الأصليين، حيث كتب الراهب برتالومي دي لاكازا والذي عاصر تلك الحقبة، أنه بين عاميّ 1494 و 1508 قد مات أكثر من ثلاثة ملايين من السكان الأصليين الذي قضوا نتيجة الحروب والأعمال الشاقة التي نجمت عن الاستعباد القسري لهم. وبالرغم من أن الرأسمالية الحديثة في النصف الغربي من الكرة الأرضية، تتغنى بالدفاع عن “الحرية” وتأليه الفرد، إلا أن الاقتصاد الرأسمالي بمجمله قام على مؤسسة العبودية والتوسع الدائم بشتى الوسائل الممكنة. وقد تكون الإدارة الأمريكية التي نشأت لاحقاً في شمال القارة، سعت إلى إنهاء حقبة العبودية السابقة، إلّا أنها في الواقع اتخذت أشكالاً مختلفة تمترست خلف شعارات حقوق الإنسان والحرية، لكنّها بقيت واحدةً في مضمونها الطبقي الذي قامت بناءً عليه.

وبالرغم من أن العقلية الرأسمالية منذ لحظة نشوئها لم تنسلخ عن حمل الفوضى والعشوائية، فإن ذلك لم ينفصل عن الاقتصاد، تماماً كما لم يفصل الاستعمار عن السياسة، إلا أن السمة الرئيسية التي ميّزت حقبة صعود الرأسمالية كمنظومة عالمية -التي ترافقت مع المانيفاتورة وتنامي القدرات الإنتاجية بفعل الثورة الصناعية واختراع الآلة البخارية، وإدخال الكهرباء إلى مختلف قطاعات الصناعة كذلك، واكتشاف النفط بكميات هائلة تسمح بالإنتاج والتصدير للخارج- كانت (السمة) تتحدد في انفلات السوق العالمي أمام حرية المضاربة، والاحتكارات لاحقاً، وإطلاق يد الشركات الكبرى لتحقيق تلك الغاية، حيث استلزم تسيير العلاقات بين الدول وسياساتها الاقتصادية ضمن ذلك السياق أن يتم تحرير الأسواق وإزالة الحواجز الدولية – ليس بالمعنى الحرفي للكلمة – بغية تسهيل حركة البضائع وتنقل الأموال.

فعلى سبيل المثال، وبعيداً عن أية اصطفافات تاريخية، أجبرت بريطانيا الدولة العثمانية عام 1836 التوقيع على إتفاقية بالتاليمان Balta Liman والتي كان يقتضي بموجب بنودها تخفيض الضرائب الجمركية على المنتوجات الواردة، مما يعني تحرير التجارة والسماح للشركات المصنّعة بالولوج إلى أسواق جديدة لتصريف سلعها، كما أجبرت بريطانيا محمد علي في مصر التوقيع على ذات الإتفاقية عام 1841 مما أدى إلى هبوط إيرادات الدولة حينها بنسبة قاربت الـ 80% من مجمل الناتج المحلي.

وإذا عدنا بالتاريخ إلى الوراء قليلاً بمقارنة بسيطة، لوجدنا أن شركة الهند الشرقية تمثل بظروف وجودها نموذجاً شبيهاً بالشركات الكبرى في حقبة رأس المال الصناعي ورأس المال المالي، وذلك من حيث وظيفتها وآلية العمل التي تحكمها، إلى جانب المصالح التي تخدم من أجلها. ففي شهر ديسمبر من عام 1600 أصدرت ملكة بريطانيا، إليزابيث، مرسوماً ملكياً يقضي بتأسيس شركة الهند الشرقية البريطانية من اتحاد معظم كبار التجار في بريطانيا، وبالتالي إعطاء الشركة ميزة احتكار التجارة داخل حدود القارة الهندية وانطلاقاً منها إلى معظم مناطق العالم. وكما تمارس الشركات الكبرى في القرن العشرين والحادي والعشرين سلطة على الدول وعلى سياساتها الاقتصادية عن طريق الاتفاقيات والمعاهدات، بالإضافة إلى التوريط المالي في ديون الاستثمار والتنمية (والتي تتم عن طريق البنك الدولي بمِنَح تطوير البنية التحتية والقطاع الخدماتي وإدخال الاستثمارات الأجنبية)، فقد مارست شركة الهند الشرقية مهام الدولة تماماً، حيث امتلكت جيشاً ومستعمرات ومدن كاملة قامت بإنشائها خدمةً لأهدافها، منها مدينة سنغافورة في جنوب شرق آسيا، ومستعمرة سانت هيلينا في المحيط الأطلسي، والتي نُفي نابليون بونابارت إليها لاحقاً في عام 1815.

أمّا شركة الهند الشرقية الهولندية، فتم تأسيسها عام 1602 لينحصر لديها حق التجارة الاستعمارية مع آسيا، ففي عام 1669 كانت الشركة تمتلك أكثر من 50 ألف موظف وعامل فيها، إضافة إلى 40 قطعة حربية بحرية، ذلك إلى جانب وجود أسطول تجاري بحري يتكون من 150 سفينة. كانت الشركتان تعكسان طموح الإمبراطوريات التوسعية من جهة، وفي ذات الوقت مثلتا الذراع التنفيذي لمصالح التجار الذين قاموا بتأسيسها في البداية. وحتى الوقت الذي تمّ فيه حلّ شركة الهند الشرقية الهولندية في عام 1800 وشركة الهند الشرقية البريطانية في عام 1858، بقيت الشركتان تقدمان نماذج مطابقة للشركات الحديثة في مشروعها الإمبريالي، ولكن مع فرق الاختلاف في آليات التوسع والاستعمار وتطورهما المستمر، حيث بدأت الكارتيلات والتروستات بالتشكل من اندماج عدة شركات احتكارية في مطلع القرن العشرين، وتزامن ذلك مع تزايد أعداد المؤسسات المالية ونمو قطاع الخدمات المصرفية، مما تطلب ابتكار أنماط جديدة للهيمنة وفرض السيطرة على دول الأطراف. أمّا الشركات الكبرى قديماً فلم تتوارى عن استعمال قوة السلاح، بل لم تتنكر لفظاظة الإخضاع والاستعمار المباشر بهدف فتح الأسواق الجديدة لبضائعها، واستغلال موارد تلك الدول في دورة التصنيع والإنتاج.

 

مفاعيل الأزمة وعوارضها، قديمة متجددة

لم تكن أزمات الاقتصاد والانهيارات المالية حالة جديدة يختبرها النظام الرأسمالي حديثاً فقط، فقد عرف التاريخ انهيارات مالية حادة كانت مفاعيلها الموضوعية حدوث سلسلة من الانتكاسات في أسواق البورصة والمال كنتيجة مباشرة لممارسات اقتصادية مبنية على قاعدة من الأوهام، كتلك التي تمارسها الطبقة البرجوازية بمختلف تصنيفاتها وأشكالها عن طريق المؤسسات المالية الحديثة. فالأزمة ليست أخلاقية، بل هي أزمة بنيوية لا تنفكّ في كل مرة تهبط بها المؤشرات الاقتصادية لدولٍ بأكملها أن تعلن فشل الرأسمالية ومشروعها الذي لطالما نادت بأنه سيكتب نهاية التاريخ البشري.

فقد تأسست شركة South Sea في سبتمبر من عام 1711 على يد مجموعة من التجار والممولين بضمانة من الإمبراطورية البريطانية إعطاء الشركة وحدها حق التجارة عن طريقها في أمريكا اللاتينية، مقابل تغطية الشركة لديون الإمبراطورية. لكنّ الحرب البريطانية الإسبانية التي سبق انتهائها تأسيس الشركة بعامين، حالت دون بدأ الرحلات التجارية للشركة حتى عام 1717.

ارتفعت أسهم الشركة في يوليو من عام 1720 لتصبح قيمة السهم الواحد في التداول ما يعادل 1000 جنيه استرليني، بعد أن كانت قيمته الفعلية تساوي 100 جنيه في شهر يناير، حيث جاءت هذه النقلة على إثر منح مجموعة من الأمراء والمالكين لأسهم في الشركة وإشاعة ذلك، وفي غضون شهرين من نفس العام، عادت سعر سهم الشركة إلى ما دون الـ 200 جنيه لتصل قيمتها أخيراً في نهاية العام إلى 150 جنيه، نتيجة لشكف غطاء التداولات المالية التي يغلفها الوهم ومضاربات التجار والممولين، بحيث كان هذا الانهيار الاقتصادي هو أول فقاعة مالية يشهدها التاريخ، فقد تبعها مباشرةً فقاعاتٌ مشابهة في أسواق البورصة الأوروبية، ألحقت أضراراً كبيرة بالاقتصادات الناشئة وأدّت إلى ضرب الحركة التجارية بين معظم الدول لردحٍ طويل من الزمن. ويوضح الرسم البياني السابق الكيفية التي تمّ بها شراء الأسهم بفعل تأثير اقتصاد الوهم، والانسحابات التي تلتها، لتؤدي إلى انهيار كبير في السوق المالي.

عند مقاربة شركة الهند الشرقية أو شركة South Sea، على سبيل المثال لا الحصر، بالشركات العابرة للقارات ومتعددة الجنسيات في عصر الرأسمالية الراهن، يتجلى لنا بوضوح أن نقاط التقاطع المشتركة بينهما كثيرة ومتشابهة من حيث المضمون، لكن يبقى الاختلاف الوحيد الذي يقف في صف الرأسمالية الحديثة هو تطور وسائل الإنتاج بوتيرة متسارعة وعجلة التكنولوجيا معها بالمحصلة، مما ساعد في توسيع آليات الاستغلال والمراكمة والربح السريع، وأدوات الهيمنة على دول العالم، وبالتالي فرض السيطرة من بوابات مختلفة استطاعت أن تفتح آفاقاً جديدة أمام الرأسمالية لتستغل كافة الفرص المتاحة في سياق تعزيز وجودها وتأبيد حكمها الطبقي في المراكز والأطراف على حدٍّ سواء.

 

المصدر: راديكال، العدد السابع والأربعين 01-15 نيسان 2014

-نشرة كنعان