_
موسكو بكين: والإطار الجيوسياسي لآسيا الوسطى
بول سترونسكي بول سترونسكي

موسكو بكين: والإطار الجيوسياسي لآسيا الوسطى

تقوم مراكز الأبحاث الغربية بمراقبة التغيرات في التوازنات العالمية بحذر وبدقّة شديدة، وهي تنشر تقاريرها وآرائها بما يخدم مصالح مموليها في دول المركز الغربي، ويساهم في إدامة هيمنتهم العالمية. ومن هنا تنبع أهميّة هذه التقارير في كونها تعبّر عن الرؤية الاستراتيجية العامّة لدول المركز هذه. وبما أنّ الصين وروسيا تنافسان وتتحديان سلطة المركز، فمن المهم أن نرقب وجهة نظر هذا المركز ورصده لنقاط الخلاف والتكامل بين روسيا والصين، بوصفهما الحليفان المناهضان لهيمنته. ونحن ننشر هنا جزءاً من ورقة بحثية نشرها مركز كارنيغي للسلام الدولي سعياً منّا لاستكمال الصورة، وسعياً لفهم الطريقة التي سيتحرك بها المركز الغربي في المنطقة وفي العالم من أجل محاولة منع القوى الصاعدة من ضرب هيمنته.

تعريب: عروة درويش

تشهد آسيا الوسطى إعادة توازن كبير للقوى مع تقلّص القوّة الروسي وصعود الصين كواحد من أكثر اللاعبين المؤثرين في المنطقة. يعود صعود الصين في آسيا الوسطى إلى نظرتها الأوسع لوصل المنطقة، ولشهيتها المفتوحة لمصادر الطاقة في آسيا الوسطى ولاحتياطيها الغزير، حيث تتوسع في آسيا الوسطى من خلال الاستثمارات التجارية والقروض ومصرف الاستثمار الآسيوي في البنى التحتية وعدّة كينونات أخرى. ولا تطلب الصين، وذلك خلافاً للغرب، أيّ نوع من الإصلاحات السياسية من حكومات آسيا الوسطى. وهي على خلاف روسيا، لا تستخدم الضغط السياسي لإبقاء المنطقة ضمن توجهها العام. إنّ عدم وجود أجندة سياسية معلنة، باستثناء الاستقرار الإقليمي التي ترى بكين إمكانية تحقيقه عبر التنمية الاقتصادية، يجعل من الصين جذابة بشكل خاص للحكومات المحلية.

وفي حين أنّ الوجود الصيني يتوسع على طول أوراسيا السوفييتية سابقاً، فإنّ ازدياد تأثيرها الجيوسياسي والجيواقتصادي يبدو مركزاً بشكل هائل في آسيا الوسطى، وهنا حيث تعلمت الصين كيف تتدبر مخاوف الروس من نمو تأثيرها في المنطقة. ومع توقّع زيادة مبادرة الحزام والطريق للنفوذ الصيني على طول أوراسيا، ومن ضمنها روسيا، فإنّ الحفاظ على ديناميكية إيجابية مع موسكو في آسيا الوسطى سيبقى واحداً من أكثر الاختبارات أهمية التي ستواجهها الدبلوماسية الصينية. وقد استطاعت بكين حتّى الآن أن تضطلع بهذه المهمة. تتعامل الصين بفطنة في تدبر أمر روسيا لأنّ بكين تنخرط بشكل أساسي في آسيا الوسطى في المسائل الاقتصادية دون القيام بأيّ دفع علني تجاه القضايا السياسية أو العسكرية. ورغم تنامي القوّة الناعمة لبكين في آسيا الوسطى فهي لا تزال غير قادرة على منافسة الحضور الإعلامي الروسي في المنطقة أو حقيقة أنّ الجامعات الروسية، وتحديداً تلك الموجودة في سيبيريا، لا تزال أكثر شعبية من مثيلاتها الصينية. رغم أنّ عدد الطلاب من آسيا الوسطى الذين يدرسون في الجامعات الصينية، والذين يتلقون غالباً رواتب كبيرة من الحكومة الصينية، هو في ارتفاع. فما بين 2005 و2015 ازداد عدد الطلاب الكازخييين الذين يدرسون في الصين من 781 طالباً إلى 13198 طالب، وذلك في ذات الوقت الذي تقوم به الحكومة الصينية الآن بتقديم ثلاثة وعشرين نوع منح أكاديمية للمواطنين القرغيز الذين يرغبون بالدراسة في المؤسسات التعليمية الصينية العليا.

كانت بكين فاعلة في تدبر أمر مخاوف الروس من مكانتها في آسيا الوسطى بشكل جزئي لأنّ ليس بيد روسيا حيلة بخصوص التأثير الذي تمارسه الصين في المنطقة. لا يمكن لموسكو أن تنافس الصين اقتصادياً، وقد عزلت المسألة الأوكرانية نخباً سياسية بارزة في آسيا الوسطى. ولكن رغم ذلك فلا تزال الأهداف الصينية في المنطقة (التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي وإبقاء الغرب بعيداً) إمّا متوافقة مع الأجندة الروسية أو على الأقل غير متعارضة مع المصالح الروسية على المدى القصير. إنّ الأولوية المطلقة للصين في آسيا هي لتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي من خلال التنمية. فتبعاً للفوضى التي عصفت بالشرق الأوسط منذ 2011 وأوكرانيا منذ 2014، فإنّ كلا الصين وروسيا تخشيان من عدم استقرار سياسي ومن تظاهرات شعبية محتملة تجتاح المنطقة، وكلا الدولتين تسعيان للحفاظ على الوضع السياسي القائم ويناهضان تغييره. ولا يزال كلا البلدين أيضاً قلقين من التطرّف الذي ينتقل من أفغانستان أو من الشرق الأوسط إلى آسيا الوسطى التي تحاذي بحدودها كلا الصين وروسيا. ورغم أنّ لكلا البلدين مصالح متناظرة متمثلة في الحاجة إلى احتواء المتطرفين، فإنّ مقاربتهما للاستقرار الأمني في المنطقة مختلف. تركز روسيا عموماً على القوّة الصلبة في آسيا الوسطى (القواعد العسكرية وصفقات الأسلحة والتعاون لمكافحة الإرهاب عبر منظمة معاهدة الأمن الجماعيCSTO).

بينما تركّز الصين جهودها لاستقرار المنطقة عبر القوّة الاقتصادية وليس الأدوات العسكرية أو الأمنية. فعلى عكس موسكو، ليست بكين راغبة بتسليط الضوء على تأثيرها الجيوسياسي أو أن تدعي بأنّ المنطقة جزء من «مجال نفوذها المميز». فالحفاظ على تأثيرها في بحر الصين الجنوبي هو أكثر أهميّة بكثير بالنسبة لبكين من استعراض قوتها في آسيا الوسطى. ولذلك وبدلاً من ذلك تسعى الصين لإنشاء منطقة استقرار حول إقليم جيانجيانغ النامي الفقير وغير الهادئ في غربي الصين، حيث يقطن مسلمو الأوغور الأتراك. ترى بكين بأنّ الرفاه على أحد جوانب الحدود يساعد على ضمان الاستقرار والرفاه على الجانب الآخر. يشير هذا لكون مصالح الصين في المنطقة تنبع إلى حدّ كبير من حاجتها للحفاظ على السلام غرب الصين من أجل تطوير إمكاناته الاقتصادية وربطه بشكل أوثق مع باقي أرجاء الصين والعالم الخارجي. ومن الواضح أيضاً أنّ هذه السياسة تشمل اكتساب قوّة في البلدان المجاورة من أجل مساعدة التأثير البكيني في الوصول إلى جيانجيانغ وعلى الأقليّات الأوغورية المتواجدين على طول آسيا الوسطى. في الواقع باتت الحكومات المحلية في السنوات الأخيرة أقلّ مقاومة لطلبات بكين بمراقبة مجتمعات الأقليات الأوغورية من أجل تقييد نشاطات مجموعات الأوغور المدنية المحلية ولتسليم الأوغور المشتبه في تورطهم مع المجموعات المتطرفة أو الانفصالية. إنّ هذا النوع من التأثير السياسي لا يضرّ بالمصالح الروسية في المنطقة.

وأمّا الهدف الصيني الاستراتيجي الثاني في آسيا الوسطى فهو إيجاد أسواق خارجية للشركات الصينية الناشطة في مجال الإعمار وتنمية البنية التحتية، وذلك كجزء من «استراتيجية الانطلاق خارجاً». يساعد هذا في تقليل السعة الفائضة في هذه القطاعات في الصين ويخلق فرصاً للشركات الصينية والعمّال في الخارج. وكذلك تسعى الشركات الروسية للمنافسة على مشاريع بنى تحتية متنوعة في آسيا الوسطى، وهو القطّاع المزدحم أساساً باليابانيين وبالكوريين الجنوبيين وبالأتراك وبغيرهم، ومعظمهم أكثر قدرة على التنافس من نظرائهم الروس. يساعد ازدحام هذا المجال على تقليص إمكانية حدوث شرخ تجاري مباشر بين روسيا والصين بسبب برامج بكين الخارجية في آسيا الوسطى.

وأمّا ثالث أهداف بكين، وهو الذي يمكن لمسه بشكل واضح في مبادرة الحزام والطريق، فهو أن يتم بناء شبكات للنقل يمكنها أن تساعد في دعم تدفقات الصادرات الصينية. ترى الصين في هذا الأمر مشروعاً طويل الأمد سوف يساعد على تنمية معظم أقاليم غربي الصين عبر وصلها بالأسواق العالمية من خلال شبكة سكك حديدية وطرقات سيارات في الأعوام التالية. لقد جذبت روسيا بشكل مباشر إلى هذا المشروع عبر ممر الصين-روسيا-منغوليا الاقتصادي والخطة التي أعلن عنها صيف 2017 لتضمين القطب الشمالي في مبادرة الحزام والطريق. إنّ تمّ إنشاء شبكة النقل هذه فسوف تعصرن وتوسّع شبكات الطرق والسكك الحديدية بين البلدان. كما أنّ الصين ناشطة في مشاريع سكك حديدية روسية أخرى، وهو الأمر الذي يشير إلى أنّ الكثير منهم، إن تمّ إنشاؤه، سوف يصبح جزءاً من رؤيا مبادرة الحزام والطريق.

عندما يتعلق الأمر بمبادرة الحزام والطريق فإنّ الصين مهتمة بخصوص الأرباح قصيرة الأجل وتتوقع أن تخسر ما يصل إلى 30% من استثماراتها في آسيا الوسطى. ورغم ذلك فهي تستمر في بناء الطرقات والجسور والقنوات والطرقات السريعة على طول الإقليم مع خطط طموحة بوصلها بغيرها من مشاريع البنى التحتية القريبة من أوروبا، وهي الوجهة النهائية لمبادرة الحزام والطريق حيث الاستثمارات الصينية هي أيضاً في تصاعد في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية. لقد بدأت الشركات الصينية أيضاً بالسعي نحو الفرص لتركيب شبكات الألياف البصرية وشبكات الاتصالات الأخرى في جميع أنحاء المنطقة ليخلق اتصالاً رقمياً يمتدّ من الصين إلى آسيا الوسطى وما بعدها. تأمل الصين أن تصبح بعض هذه الشبكات المادية والرقمية مربحة وأن تساعد بالتزامن مع هذا على خلق سلسلة من الأنظمة الصديقة، أو المؤيدة للصين، على طول الطريق. إنّ مبادرة الحزام والطريق هي رؤيا دافعها الرئيسي هو تدفق المعلومات والتجارة من الصين، وليس من الولايات المتحدة أو أوروبا. وإن نجحت المبادرة فسوف تساعد على تسهيل تحقيق الأهداف الروسية-الصينية المشتركة في تسريع نقل القوّة العالمية من الغرب إلى الشرق.

إنّ لكازاخستان مكانتها المميزة بشكل خاص في مبادرة الحزام والطريق، حيث أعلن شي جينبينغ عن البرنامج في عاصمتها أستانا في 2013. إنّ موقع كازاخستان الجغرافي المركزي في قلب الكتلة الأوراسية يجعلها دولة الترانزيت الأهمّ بالنسبة للجهود الصينية الرامية لوصل غربي الصين بالأسواق في أوروبا والشرق الأوسط بالقطار. الصين مهتمة بكازاخستان بوصفها جزءاً من مبادرة الحزام والطريق لأنّها أكثر استقراراً بكثير من الطرقات الأرضية البديلة التي تبنيها الصين، وتحديداً الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني الذي يقطع أحد أكثر الأقاليم غير الآمنة في العالم. كما أنّ كازاخستان لها مكانتها البارزة في مبادرة الحزام والطريق لأنّها تكمّل خطط «نورلي زول» الخاصّة بأستانا والتي تقوم بها لتحديث بناها التحتية، وهو ما يجعل قيادة البلاد تتقبل بشكل خاص المبادرة الصينية.

علاوة على ذلك فإنّ معظم الروافع الثقيلة لخطّة البنى التحتية هذه قد تمّت. الخطوط الثلاثة الأولى لأنابيب الصين-آسيا الوسطى الذي يجلب الغاز من آسيا الوسطى إلى الصين، وقد تمّ الانتهاء منه بشكل كلي عام 2014. يتم إعادة تجميعها الآن بوصفها جزءاً من نجاحات مبادرة الحزام والطريق. وقد عززت الصين صلات سكك الحديد بينها وبين كازخستان في مدينة آلاشانكو في شمال-غرب الصين. تضاعف عدد سكان ألاشانكو ثلاث مرّات في الأعوام الخمسة الماضية، وقد عبر 1220 قطار المدينة في طريقهم إلى أوروبا في عام 2016. في المعبر الثاني للسكك الحديدية، فإنّ «بوابة خورغوس» الكازخية وهي الميناء الجاف الذي ينقل الصادرات الصينية من الصين إلى القطارات الكازاخية، لم تكن موجودة قبل عام 2010. أمّا اليوم فهي تشكّل علامة بارزة بوصفها مركز ترانزيت للحزام والطريق وتتولى 65 قطاراً بالشهر بشكل وسطي، لتسهّل حركة البضائع الصينية المتجهة غرباً على أوروبا على طول أراضيها. وذلك رغم أنّ شحنات التي تعبر خورغوس لا تزال صغيرة نسبياً ولا تزال ربحية المشروع، سواء للصين أو لكازاخستان، غير واضحة. وتقدم الصين معونات كبيرة جداً للحاويات التي يتم نقلها عبر كلا ألاشانكو وخورغوس بالقطار عبر آسيا الوسطى، بحيث تصل هذه المعونات إلى 40% من التكاليف من أجل تخفيض تكاليف الشحن بالسكك الحديدية بحيث تصبح منافسة بقدر البدائل الأقل ثمناً للشحن. ورغم أنّ النقل البري يقلل من وقت تسليم الحاويات إلى النصف مقارنة بالطرق البحرية، فإنّ النقل بالسكك الحديدية لا يزال في الوقت الحالي غير مجدٍ اقتصادياً دون الدعم الذي تقدمه الحكومة الصينية.

 وفي حين أنّ مبادرة الحزام والطريق قد أصبحت إطاراً واسعاً لتوحيد مشاريع الاستثمار المستقبلية والحالية في المنطقة، فإنّ التجارة هي ما يقود علاقات الصين بآسيا الوسطى. لقد ازدهر حجم التجارة بين الصين والدول الخمس الإقليمية منذ التسعينيات عندما انتقل من 350 إلى 750 مليون دولار سنوياً. وصل حجم التجارة في عام 2016 إلى 30 مليار دولار وهو الرقم الذي يقزّم حجم التجارة السنوية الروسية مع الإقليم. شكّلت صادرات الطاقة وغيرها من الموارد الطبيعية الأساس لهذا النمو، لتشمل مليارات الدولارات في مشاريع البنى التحتية المتعلقة بالطاقة وبالاستحواذ على أصول الطاقة في آسيا الوسطى. لقد كانت التجارة الثنائية بين بكين وأستانا قويّة بشكل خاص. فاعتباراً من حزيران 2017 بلغ مجموع الاستثمارات الصينية في كازاخستان منذ الاستقلال ما يصل إلى 42.8 مليار دولار، وقد تجاوزت القروض الممنوحة للبلاد 50 مليار دولار.

لقد غافل النمو الاقتصادي للصين في المنطقة روسيا والغرب على السواء. ففي الوقت التي كانت فيه موسكو تسعى في بداية الألفية للتصدي للخطط الغربية بإنشاء خطّ أنابيب يعبر البحر الأسود لينقل الغاز التركماني وغيره من آسيا الوسطى إلى أوروبا، دخلت الصين على الخط وهيمنت بسرعة على السوق التركماني. واليوم تعدّ السوق الرئيسي للبلاد فيما يخصّ الغاز وفي النهاية مصدرها الأساسي لرأس المال الأجنبي. تعتمد تركمانستان اليوم بشكل كلي على الصين لبيع غازها، وهو الاعتماد الذي نشأ من الصفر عام 2007 عندما تلقت شركة النفط الوطنية الصينية (CNPC) رخصة التنقيب واستخراج الغاز في البر في تركمانستان. إنّ «CNPC» هي الشركة الأجنبية الوحيدة التي تحوز مثل هذه الحقوق.

إنّ لصعود الصين كلاعب مهيمن في مجالات طاقة المنطقة وبناها التحتية، بالتزامن مع حضورها المتنامي كمقرض تختاره آسيا الوسطى (وكذلك روسيا)، عواقب سياسية عميقة قد تقلق موسكو بشكل نظري. فمنذ عشرة أعوام كانت تعتمد المنطقة غير الساحلية على روسيا لتصدير سلعها ومواردها الطبيعية إلى الأسواق الدولية. منح هذا الأمر موسكو امتيازاً كبيراً للحفاظ على قبضتها محكمة حول ما تعتبره منطقة نفوذها المميز. لكن في النهاية قامت الصين، وليس الغرب، بكسر احتكار موسكو لطرق تصدير الطاقة من آسيا الوسطى من خلال خطوط أنابيب الصين-آسيا الوسطى، والتي بدأ إنشاءها في عام 2007. علاوة على ذلك فإنّ مبادرة بكين للحزام والطريق، وليس مبادرة واشنطن، هي من تحمل تأثيراً أكبر في المنطقة وفرصة جيدة لوصل آسيا الوسطى بالأسواق الخارجية غير الروسية.

لطالما كانت روسيا تقليدياً هي الشريك التجاري الرئيسي لآسيا الوسطى، لكنّ الروابط التجارية بينها وبين الإقليم قد ضمرت على طول العقد الماضي. وصل حجم التجارة الثنائية بين روسيا والإقليم إلى 18.6 مليار دولار في عام 2016 بالمقارنة مع 30 مليار دولار للصين في ذات الفترة. سرّعت المشاكل الاقتصادية لروسيا منذ 2014 تضعيف موقعها في المنطقة. ففي 2016 على سبيل المثال ألغت قرغيزستان مشروعاً مع عدّة شركات روسية من أجل بناء خمسة معامل طاقة كهرومائية بسبب عدم قدرة الشركات الروسية على تأمين التمويل. وفي طاجكستان تكرر عدم قدرة الجيش الروسي على دفع أجور الطاجيك المحليين في قاعدته هناك، رغم أنّ القاعدة تمثّل حاجزاً أساسياً في الدفاعات الروسية ضدّ عدم الاستقرار الإقليمي. وفي ذات السنة خصصت موسكو أكثر من مليار دولار كمساعدات أمنية إلى دوشنبه ووعدت بزيادة حضورها العسكري في البلاد بإضافة 2000 جندي، لكنّ أيّاً من ذلك لم يتحقق وهو ما أثار الأسئلة حول قدرة روسيا الحقيقية ورغبتها في الاستجابة إلى مشاكل الأمن في المنطقة وممارسة النفوذ هناك.

لكنّ روسيا وبأيّ حال تسعى جاهدة للحفاظ على قوتها الناعمة، عبر الروابط الثقافية والتلفاز الناطق بالروسية والأفلام وغيرها من وسائل الإعلام. كما أنّها تسعى للحفاظ على تأثيرها السياسي والعسكري في المنطقة وإلى وضع حدود للدور الغربي في هذه الفضاءات. والهدف الأخير مشترك مع أهداف بكين في آسيا الوسطى، رغم أنّها تتعامل بحذر من أجل مراعاة موسكو فتمتنع عن إظهار قوتها العسكرية في الإقليم وتترك غالبيّة القضايا الأمنية لموسكو. فعندما يحدث تعاون ثنائي في القضايا الأمنية بين الصين ودول آسيا الوسطى يتم ذلك بهدوء شديد وينحصر بالتهديدات الأمنية الواقعة على المؤسسات الدبلوماسية والاقتصادية الصينية، أو بتهديدات المتطرفين من جماعات الأوغور ضدّ الصين وهي القضيّة غير الجدلية بالمرّة بالنسبة لروسيا. وتتم معالجة المسائل الأمنية الأوسع عبر «منظمة شنغهاي للتعاون SCO»، وهي المنصة التي تهيمن عليها روسيا والصين منذ إنشائها عام 2001. إنّ «المنظمة» التي تشكلت أساساً من الصين وكازاخستان وقرغيزستان وروسيا وأوزبكستان وطاجكستان لم تكن لا تحالفاً رسمياً ولا منظمة أمنية، بل منصّة للنقاش والتدريب تركّز بشكل رئيسي على مكافحة الإرهاب ومكافحة المخدرات والقضايات السيبرانية. لطالما دفعت دول آسيا الوسطى الأربعة تجاه منظمة للتعاون في قضايا التنمية الاقتصادية، لكنّ المسار نحو هكذا منظمة هو في أدنى حدوده.

وبدعم قويّ من روسيا توسعت «المنظمة» لتشمل الهند وباكستان في عام 2017. يمكن للمرء أن يجادل بأنّ هدف هذا التوسع كان الجهد الروسي الرامي لتليين التأثير الصيني في المنظمة وتركيز اهتمامها على أفغانستان بدلاً من آسيا الوسطى. بأي حال، فإنّ ضمّ قوتين آسيويتين جنوبيتين رئيسيتين قد حوّل «منظمة شنغهاي للتعاون» إلى منظمة متعددة الأطراف أكبر تخدم الهدف الروسي-الصيني في خلق نظام عالمي ذو أقطاب متعددة. إنّ توسيع «المنظمة» قد تبع الضغط الصيني لإنشاء «آليّة التعاون والتنسيق الرباعي QDDM» وهي منظمة مضادّة للإرهاب مؤلفة من أفغانستان والصين وباكستان وطاجكستان، وقد عقدت أولى اجتماعاتها في جيانجيانغ في 2016 كإشارة من بكين إلى مخاوفها من عدم الاستقرار القادم من الحدود الأضعف لدول الإقليم المتاخمة للصين والتي تؤثر عليها وتحتاج إلى التصرف من أجل منع عدم الاستقرار من العبور من جنوب آسيا إلى الصين نفسها. سواء أكان ذلك للأفضل أم للأسوأ، إنّ تركيز منظمة شنغهاي على أفغانستان وجنوب آسيا سوف يمنح الصين وروسيا دوراً أكبر في الإقليم ومقعداً على طاولة أيّ جهد دولي لمعالجة مشاكل أفغانستان وجنوب آسيا الأمنيّة، رغم أنّ البعض يرى في جهود «الرباعي» والصين المتزايدة للتعاون الثنائي بهدوء فيما يخص القضايا الأمنية مع شركاء من آسيا الوسطى يجعل من قيمة منظمة شنغهاي محدودة.

ترى النخب السياسية في آسيا الوسطى عموماً في تنامي الوجود الصيني في المنطقة عامل استقرار. يؤمنون بأنّ الاستثمار الصيني في البنى التحتية سوف يساعد على تنويع اقتصاداتهم ويعزز التنمية الاقتصادية الأوسع ويخلق الوظائف، وهذا كلّه سيساعد على استقرار الاقتصادات التي تعاني والتي تعتمد في الوقت الحاضر إمّا على استخراج الموارد الطبيعية أو على التحويلات النقدية من العمالة المهاجرة. إنّهم يرحبون بمبادرة الحزام والطريق بوصفها جزءاً من رؤية أكبر لزيادة وصل المنطقة بعضها ببعض. رغم ذلك فإنّ دول آسيا الوسطى، باستثناء كازاخستان، لم تطوّر أيّ خطط واسعة النطاق من أجل تحديث بنيتها الداخلية أو من أجل خلق فرص اقتصادية وصناعية جديدة يمكنها أن تنتفع من رؤيا المبادرة. يثير هذا الأمر السؤال حول ما إذا كانت مبادرة الحزام والطريق ستقوم ببساطة بتحويل دول آسيا إلى سلسلة من دول الترانزيت، أو إن كانوا قادرين حقاً على التطوّر إلى اقتصادات أكثر ديمومة تستفيد من مشاريع البنى التحتية الجديدة. ليس في مصلحة روسيا أن يقوموا بذلك حيث سيقلل هذا من التأثير الروسي على الإقليم. والصين لا تدفعهم للقيام بذلك بشكل نشط أيضاً: فأولوية بكين هي ضمان إطلاق المبادرة لعملية التصنيع على الجانب الصيني من الحدود، رغم أنّ بعض المحللين الصينيين يتوقعون أن تصبح هذه الأقاليم الحدودية مراكز صناعية كبرى في القريب العاجل. ويثير هذا سؤالاً جوهرياً حول الأهداف الكليّة لمبادرة الحزام والطريق وعن كونها ستفعّل الاستقرار في جيانجيانغ أو في آسيا الوسطى السوفييتية سابقاً أو ستحسن معايير العيش الإقليمية.

علاوة على ذلك فإنّ الاستثمارات الصينية في آسيا الوسطى غالباً ما تتمّ بطرق غير شفافة ينتفع منها النخبة عموماً. إنّ نموذج التنمية الاقتصادية الصينية في المنطقة يعزز الفساد ويفضّل الصينيين على حساب العمّال المحليين، وهو الأمر الذي يخلق استياءً محلياً ويخاطر بعدم معالجة أحد مشاكل الإقليم الأمنية الرئيسة: أي المستويات المرتفعة من البطالة أو البطالة المقنعة. فتبعاً لكون الجهود الاستثمارية الصينية في آسيا الوسطى هي بشكل كبير لدعم استراتيجيتها في المضي خارجاً ولإيجاد فرص عمل للشركات وللعمالة الصينية في الخارج ولوصل الصين بالأسواق في أوروبا، فليس من الواضح إن كان بإمكان الجهود الصينية أن تؤدي إلى ارتفاع واسع في معايير العيش أو إلى خلق الوظائف لمواطني آسيا الوسطى، وكلا الأمران هامّان من أجل استقرار المنطقة على المدى الطويل. إنّ عدم الرضا الاجتماعي-الاقتصادي في الإقليم يشجع المعارضة ويجبر شباب آسيا الوسطى على العيش كعمال مهاجرين، وخاصّة في روسيا ولكن أيضاً في تركيا وأوروبا وشمال أمريكا، حيث يبدو بأنّهم في خطر الوقوع في التطرف بشكل أكبر بكثير منه في الوطن. رغم أنّ تهديد التطرّف موجود بالتأكيد في آسيا الوسطى، فقد ساعد المجتمع المحلي والشبكات العائلية واسعة النطاق في توجيه الشباب المطواعين بعيداً عن التطرف. في الحقيقة إنّ الهجمات الإرهابية الخطيرة الأخيرة المرتبطة بآسيا الوسطى (بوسطن 2013 وإسطنبول 2016 ونيويورك 2017 وستوكهولم 2017 وسانت بطرسبورغ 2017) قد ارتكبت عبر أشخاص تطرفوا بعد هجرتهم من الإقليم. ويشير هذا الأمر إلى أنّ نقص الفرص الاقتصادية في آسيا الوسطى ليس مجرّد قضيّة محلية بالنسبة لدول الإقليم، بل هي أيضاً ذات آثار أمنية أوسع على روسيا وأوروبا وغيرها من وجهات المهاجرين من آسيا الوسطى.

ورغم ذلك فلا تزال الحكومات المحلية ترى في الوجود الصيني ضامناً محتملاً لأمن الأنظمة. ليس لدى الصين أيّ توقعات باللبرلة السياسية التي يمكن أن تليّن سطوة أنظمة آسيا الوسطى على السلطة. كما لا تقوم الصين بأيّ جهد علني لمساءلة الدور الروسي في الإقليم، متفادية بذلك الديناميكية الصفرية التي أدّت إلى صراعات ضخمة بين روسيا والغرب وقد تتسبب في التوتر في الإقليم. حتّى أنّ آسيا الوسطى ترى الصين كاحتراز ضدّ عدوان روسي محتمل، فهم واعون تماماً بأنّ الاستثمارات الصينية وتنامي اعتماد موسكو على بكين يزيد من تكلفة قيام موسكو بأيّ نوع من الحملات التي قد تضعف الاستقرار في المنطقة، مثلما فعلت في أوكرانيا. ويسود هذا الشعور بالقلق بشكل محدد في كازاخستان، البلد الذي يملك حدوداً واسعة مع روسيا وفيه عددٌ كبير من السكان من العرق الروسي ولديه مخاوف متنامية من التدخل الروسي. لهذه الأسباب أصبحت الصين ذات أولوية هائلة بالنسبة للمسؤولين الكازاخيين ولنظرائهم على طول الإقليم.

وبما أنّ القوّة الاقتصادية للصين في آسيا الوسطى ليست متناظرة عموماً مع خططها الطموحة لتعزيز أمنها أو بصمتها السياسية في الإقليم، فقد كانت قادرة على منع حدوث أيّ توتر عام مع روسيا. عقدت الصين بضع صفقات سلاح صغيرة وكانت نشطة في تقديم مساعدات أمنية حدودية وعسكرية لبعض بلدان آسيا الوسطى، لكنّها ركزت جهودها على أضعف دول الإقليم: قرغيزستان وطاجكستان، وكلتاهما دولتين هامتان بالنسبة لروسيا. لكنّ الجهود الأمنية الصينية هناك صغيرة جداً بالمقارنة مع روسيا التي تملك قاعدتين عسكريتين في كلتيهما. كما أنّ بيع الصين السلاح لتركمانستان لم يزعج موسكو أيضاً تبعاً للتوتر التاريخي بين روسيا وكذلك بسبب الروابط الاقتصادية الوثيقة بين عشق آباد وبكين من خلال مبيعات الطاقة والقروض. كما قامت الصين بدعم جهود مكافحة الإرهاب في أفغانستان. في كانون الثاني 2017 بدا بأنّ الصين تتوجه نحو إنشاء وجود أمني دائم أكثر في الإقليم. فقد أعلن المسؤولون الأفغان مؤخراً بأنّ بكين وافقت على تمويل وبناء قاعدة للقوات المسلحة الأفغانية في إقليم باداخشان، وهو الإقليم الذي يحاذي حدود إقليم جيانجيانغ الصيني عبر ممرّ واخان الضيّق. ولكن وبسبب وعورة الطريق وعدم قدرة معظم الآليات العسكرية على المرور فيه، فإنّ الطريق الأسهل للوصول إلى باداخشان هو عبر طاجكستان، وهو الدرب الذي تسلكه الآليات العسكرية الصينية بالفعل من أجل القيام بدوريات في أفغانستان. من المرجح أن يزيد هذا الحضور الصيني الأمني في كلا طاجكستان وأفغانستان. أنكرت وزارة الدفاع الصينية مزاعم المسؤولين الأفغان، وقالت بأنّ إنشاء القاعدة العسكرية لم يبدأ بعد. إن تمّ هذا الأمر فسوف تؤدي هذه المنشأة إلى المزيد من النشاط الصيني في أفغانستان، وكذلك في وعلى طول الحدود الطاجيكية. تشير هذه الخطوة إلى رغبة الصين المتزايد بالعمل بنفسها، وتحديداً في مناطق جيرانها الأضعف، كي تقارع خطر الإرهاب وتخدم هدف الاستقرار الإقليمي.

ومع ذلك فإنّ الصين تبدو مهتمة بأقصى ما يمكن بمعالجة التهديدات المباشرة لإقليم جيانجيانغ أكثر من اهتمامها بزيادة وجودها الأمني في عموم منطقة آسيا الوسطى. ولكن ليس من الواضح إلى متى ستستمرّ بكين في التنازل لموسكو عن معظم قضايا الأمن في آسيا الوسطى. ففي مرحلة ما ستحتاج لتطوير قدرات أكبر لحماية مصالحها الاقتصادية وشركاتها ومواطنيها العاملين في الإقليم، وتحديداً بسبب الضعف المتزايد لروسيا هناك. فمع تضعضع الاقتصاد الروسي بات لدى موسكو نطاقاً أصغر وموارد أقل لتخصيصها للمشاغل الأمنية في آسيا الوسطى. كما أنّ سجلها سيء فيما يتعلق بمحاولة تحقيق الاستقرار في المنطقة. فعندما ثار النزاع العرقي في قرغيزستان في عام 2010، فشلت روسيا في التدخل رغم الطلب الرسمي الذي قدمته الحكومة القرغيزية «لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي» لمساعدتها أثناء الأزمة. في الوقت الحالي تبدو الصين راضية بدعم مصالحها من خلال القوّة الناعمة بدلاً من القوّة الصلبة، وهو النهج الذي أبقى على الخلاف بين موسكو وبكين في أدنى مستوياته في آسيا الوسطى.