_
برغي «أحمر» في الدبّابة الإمبريالية... تشومسكي مثالاً

برغي «أحمر» في الدبّابة الإمبريالية... تشومسكي مثالاً

«إنّه لأمرٌ معقول أنْ تحتفظ الولايات المتحدة بوجودٍ لها من أجل ردع هجوم على المناطق الكردية... صحيحٌ تماماً أنّه منذ التسعينيات بشكل خاص، أغدق كلينتون الأسلحة على تركيا بغرض تنفيذ هجمات إجرامية شاملة ومدمّرة ضدّ السكان الكرد في جنوبي شرقي تركيا. لكن هذا لا يغيّر من واقع أنّ الولايات المتحدة الآن يمكنها، بوجود صغير نسبياً، أن تردع عن الأكراد في سورية هجماتٍ قد تدمّر ذلك الجزء من سورية الذي يعمل بشكل لائق بالفعل. ولا نتوقع من قوة عظمى اتساقاً من النواحي الإنسانية، لأنّ هذه ليست هي المبادئ الموجِّهَة لها» – نعوم تشومسكي.

ورد هذا الموقف لتشومسكي في سياق مقابلة حديثة له مع الموقع الإعلامي الأمريكي «المعارض» The Intercept بتاريخ الأربعاء 26 أيلول 2018، ضمن مقابلة معه استمرت نحو خمسين دقيقة، أجاب فيها تشومسكي على أسئلة محاوره حول نطاق واسع من قضايا السياسة الخارجية والدولية، ومن ضمنها مرّر هذا الموقف الذي يحاول إيجاد تبريرات ومسوّغات لاستمرار الاحتلال الأمريكي لأراضٍ سورية.
 وكان ملفتاً للانتباه أيضاً أنّ تشومسكي في كلامه الذي سبق مباشرةً المقطع المقتبس أعلاه، أعطى موقفه من اتفاق سوتشي الروسي-التركي حول إدلب، والذي صاغه بدقّة، وهو العالِم باللسانيات، بحيث يتوافق مع موقف الإدارة الأمريكية من الاتفاق؛ أي الرافض له ضمناً، والمتظاهر على مضض بالقبول به، والمضخّم للمخاوف «الإنسانية» حياله، إذ قال تشومسكي: «ثمّة كارثة إنسانية وشيكة في إدلب، وهي المحافظة التي هرب أو طُرِدَ إليها الجهاديّون. إذا حدث هجوم سوري-روسي عليها، فقد تكون كارثة إنسانية شاملة. توجد بعض المؤشرات على أنّ الروس والأتراك ربما يكونون قد قاموا بتوفير منطقة آمنة قد يتمكن بعض المدنيين من الهرب إليها، لكن يبدو أنّ شيئاً بشعاً ورهيباً يتطوّر».

مفاجأة أم تطوّر طبيعي؟
فيما يلي بعضٌ من مواقف تشومسكي (من مقابلاته مع موقع Truthout التي جمعت في كتاب «التفاؤل أكثر من اليأس» Optimism over Despair المنشور في أمريكا عام 2017):
في مقابلة تعود إلى 5 تشرين الثاني 2015، وفي جوابه على سؤال «هل داعش وحشٌ أمريكي الصنع؟» يردّ تشومسكي: «إنّ العدوان الأمريكي كان عاملاً في صعود داعش، لكن ليس ثمَّة أهلية مستحَقّة لنظريات المؤامرة في المنطقة، والقائلة بأنّ الولايات المتحدة خطَّطت لصعود هذا الوحش الاستثنائي».
تشومسكي إذن يبرِّئ «الإمبراطورية»، التي لطالما انتقدها، من مسؤولية تصنيع الإرهاب الفاشي، رغم التراكم اليومي للأدلة المتزايدة والحجج المنطقية على ذلك، ويظهر كمحامٍ يحاول أن يخفِّض مستوى جريمة موكِّله. وعموماً، ساق نقّاد تشومسكي كثيراً من الدلائل من نصوصه وأحاديثه عن أحداث تاريخية حساسة، تبيّن أنّ الرجل لجأ إلى استخدام مصطلح «نظرية المؤامرة» – بما يحمله من شحنة نفسية ازدرائية وسلبية معروفة وراسخة في اللاوعي الجمعي – كأداة لإضعاف الرأي المخالف وإثارة شكوك غير منطقية حوله. علماً أنّ المؤامرة من الناحية العلمية موجودة موضوعياً وهي بأبسط تعريف «خطة غير معلنة تخدم مصلحة طرف ضد طرف آخر»، لكن المشكلة هي في التمييز بين ما هو مؤامرة وما هو غير ذلك، وحتى تشومسكي نفسه كان قد نظّر ذات مرّة للهدف السلبي من استخدام هذا المصطلح: «إنه شيءٌ يقوله الناس عندما لا يريدونك أن تفكّر فيما يجري حقاً».
ونلاحظ أنه على نحو مشابه وفي المقابلة الجديدة (26 أيلول 2018) يفتتح تشومسكي جوابه على سؤال محاوره فيما إذا كانت إدارة ترامب تعمل للتحريض على انقلاب للإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بالقول: «إحساسي حيال ذلك هو أنّ الولايات المتحدة سوف تدعم انقلاباً، ولكن ليس أنها تحاول حقاً أن تحرّض عليه». ويختم الجواب بالقول: «من جهة أخرى ينبغي الإشارة إلى أنّ فنزويلاً هي كارثة كبرى عند هذا النقطة. جزئياً لأسباب خارجية، ولكن إلى حدٍّ كبير لأسباب داخلية». وبناءً على سياق جوابه ومقارنة بواقع الأمور في فنزويلا، لا يمكن اعتبار ذلك من باب النقد المقبول للأخطاء أو الفساد الداخلي في فنزويلا من موقع يساري يريد تجذير الثورة البوليفارية، بقدر ما هو نقدٌ من موقع يميني يبرّر – أو على الأقل لا يعارض كثيراً – التدخل الأمريكي.
في مقابلة 1 تشرين الأول 2014، وردّاً على سؤال: إلى أية درجة تتعلق التطورات العالمية الأخيرة في العراق وسورية وليبيا ونيجيريا وأوكرانيا وبحر الصين وأوروبا بتراجع «سلطان العالم» (أي أمريكا)، وبميزان القوى الدولي؟ افتتح تشومسكي جوابه بإطلاق حكمٍ غريب في مدى معاكسته لوقائع التاريخ: «إن قوة الولايات المتحدة الأمريكية وصلت ذروتَها في عام 1945 وأخذت تتراجع تدريجياً منذ ذلك الحين» (!). ثمّ بعد أن يقرّ تشومسكي بأنّ كثيراً من التغييرات قد حدثت في السنوات الأخيرة مثل صعود الصين وكتلة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، يختم جوابه بالحكم التالي: (But the United States remains the dominant global power, by a large measure.). أي بالعربية: «ولكن الولايات المتحدة تبقى القوة العالمية السائدة، إلى حدّ كبير». إنّ استخدام الفعل «تبقى» في زمن الحاضر البسيط دون ربطه بأداة لغوية دالّة تقيِّد مدلوله شرطياً وتاريخياً (مثل «حتى» until مثلاً)، إضافةً إلى استخدام الصفة «السائدة» بصيغة المعرفة (وليس النكرة التي يمكن أن تعترف على الأقل بسيادةٍ ما مشتركة مع قوى أخرى مثلاً)، فضلاً عن توكيد الحكم بالتعبير «إلى حدّ كبير»، كلّ هذه التفاصيل لا تخفى على تشومسكي، كعالِم لسانيات، وبالتالي لا يمكن فهم حكمه هذا سوى أنّه نوع من إنكار واقع تراجع الولايات المتحدة الأمريكية وصعود خصومها، والإيحاء اللّاتاريخي بالأبدية المطلقة لسلطان الإمبريالية (بالمعنى الماركسي-اللينيني) أو «الإمبراطورية» كما يحبّ أن يسمّيها تشومسكي.
ويلاحَظ تكرار تشومسكي لهذه «المسلَّمة» عن (قوة الإمبراطورية التي لا تُقهر)، حتى في مقابلته الجديدة، فعندما سُئل تشومسكي: «هل تعتقد بأنّه من الدقيق القول بأنّ الولايات المتحدة قد هُزِمَت عسكرياً في أفغانستان؟»، قال في معرض جوابه: «إنّه احتمالٌ بعيد أن تواجه قوةٌ كالولايات المتحدة أيّ شيء مثل هزيمةٍ حقيقية، بل فشلاً ربّما»، مستذكراً مثال حرب فيتنام، ورافضاً أن يطلق على خسارة الولايات المتحدة الأمريكية أمام المقاومة الفيتنامية اسم «الهزيمة».
وفي مقابلة له في 17 آب 2016، يُطرَح على تشومسكي السؤال التالي: «إن حلف الناتو الذي ما تزال الولايات المتحدة مسيطرة عليه، قد زاد من وجوده في أوروبا الشرقية مؤخراً، مصمّماً على إيقاف انبعاث روسيا مجدداً، عبر خلقه انقسامات بين أوروبا وروسيا. فهل تسعى الولايات المتحدة إلى صراع عسكري مع روسيا، أم أنّ تحركات كهذه دافعها الحفاظ على المجمَّع الصناعي-العسكري في عالم ما بعد الحرب الباردة؟». فيجيب تشومسكي: «لا أعتقد أنّ الهدف هو إيقاف انبعاث روسيا أو الحفاظ على المجمَّع الصناعي-العسكري... بل أعتقد أنه المسعى العادي لقوة عظمى في أن توسّع سيادتها العالمية. لكنها بالفعل تزيد التهديد بالحرب، ولو كان بشكل تصادفي».
إذن، تشومسكي لا يرى ميل الإمبريالية للحروب، وخاصةً في ظل أزمتها الاقتصادية الخانقة، إلّا كأمرٍ «تصادفي» وليس كطبيعةً ضرورية موضوعية ملازمة لها. إنّ تشومسكي بهذا «التطبيع» لحالة التوتير الإمبريالي العدواني الخطير الراهن، إنما يضلّل أتباعه وقرَّاءه، ويدعوهم إلى الركون إلى تطمين نسبي كاذب، مبرّراً توسع النشاط العسكري الإمبريالي بأنه سلوك «عادي» لقوة بلاده العظمى، وفعل حميد لا يعزز المجمع الصناعي-العسكري الإجرامي. لذلك ليس مفاجئاً من تشومسكي ألّا يرى ضيراً من بقاء الاحتلال الأمريكي على الأراضي السورية.

اليمين يعيد كتابة التاريخ و«يساره» يصادق
في كتاب للصحفي الكندي «باري زويكر» عام 2006 بعنوان «أبراج الخداع، تغطية الإعلام لأحداث 11 أيلول»، خصّص المؤلف الفصل الخامس (45 صفحة) لنقد مواقف تشومسكي السياسية المؤيدة بشكل مباشر أو غير مباشر للرواية الرسمية للإدارة الأمريكية، وخاصة في قضيتين: اغتيال الرئيس جون ف. كينيدي عام 1963، وتفجير برجي التجارة 11 أيلول 2001، مقدِّماً تحليلاً مقنعاً لخطاب تشومسكي من بعض لقاءاته ومقالاته وكتبه، مقارناً إياه بالوقائع والأدلة من جهة، ومبيناً تساوق تشومسكي مع الروايات الرسمية الأمريكية في القضايا الحساسة، من جهة ثانية. كما اعتمد زويكر في جزء من نقده لتشومسكي على الأدوات النقدية التي طوّرها تشومسكي نفسه في علم اللسانيات والمنطق مبيناً كيف تُستَخدم للتلاعب بوعي الجماهير، ولا سيما اليساريين، لإحباط التفكير النقدي لديهم وإبقائه ضمن الحدود الآمنة التي لا تضع «شرعية» الإمبريالية موضعَ المساءلة الجدّية علمياً وقانونياً وأخلاقياً. ويضع المؤلف ذلك في سياق أعمّ للعملية التاريخية المعقدة، المستمرة منذ الستينيات على الأقل، لخلق «معارضة» يسارية مصنَّعة ومموّلة من الدوائر البرجوازية الإمبريالية لتكون بديلاً وهمياً عن يسارٍ حقيقي.

اغتيال جون كينيدي
من المعروف أنّ الرئيس الأمريكي جون كينيدي أظهر ميولاً بدرجة ما نحو قضايا السلم العالمي والعلاقة مع الاتحاد السوفييتي وتطبيع العلاقات مع كوبا وسياسات أخرى كانت تتناقض مع توجّهات معاكسة لقوى أخرى في الولايات المتحدة الأمريكية. ولا يمكن لأي تحليل سياسي عقلاني وباحث عن الحقيقة ألّا يربط، احتمالياً على الأقل، بين هذا التناقض في المصالح وبين اغتيال كينيدي. أما الرواية الحكومية الرسمية للإدارة الأمريكية فأصرّت على اعتبارها حادثة جنائية فردية نفَّذها «مجانين». تشومسكي وآخرون من «اليسار» تبنّوا موقف «الإمبراطورية» هذا.

يحلّل زويكر عدة نصوص لتشومسكي حول الحادثة، من بينها قطعة نشرها تشومسكي على موقع الإنترنت الأمريكي ZMag، الذي يعتبر «يسارياً» و«معارضاً» للحكومة، ويقال بأنّه واحد من المنابر المشابهة التي تتلقى تمويلاً عبر حلقات وسيطة عديدة تنتهي في قمة الهرم إلى وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA، وصناديق فورد وسوروس وروكفيلر وماك-آرثر وشومان ومجلس العلاقات الخارجية واللجنة الثلاثية. يقتبس زويكر منشور تشومسكي ويحلله كما يلي:
«صحيح أنني لا أعرف سوى القليل عن اغتيال جون كينيدي. الشيء الوحيد الذي كتبته عن ذلك هو أنّ الزعم القائل بأنها كانت مؤامرة عالية المستوى وذات مغزى سياسي هو أمرٌ غير معقول إلى درجة استثنائية تماماً [تظاهر بالجهل وتناقض داخلي: يقر تشومسكي بأن معرفته قليلة، فعلى أي أساس يجد أيّ زعم غير معقول؟]. إنّ التاريخ ليس بلبلة فيزيائية، وحتى في الفيزياء ليس ثمّة شيء «مُثبَتٌ» حقاً [تضليل يناقض العلم وقوانين الفيزياء]، لكنّ الأدلة ضد هذه المزاعم ساحقة [تأكيد مجرَّد، تضخيم كلمات، فشل الإدلاء بأدنى دليل] من كلّ وجهة نظر قابلة للاختبار [تعميم شامل، تأكيد مجرَّد] وكذلك الأمر بشكل ملحوظ بالنسبة لحدثٍ تاريخي ما. ونظراً لهذه النتيجة، التي أعتقد بأنها ذات أساسٍ صلب جداً [سيكولوجيا الجذب الاستعراضي] والتي كثيراً ما كتبت عنها [تناقض داخلي: إذ سبق وقال إنه كتب فقط عن لامعقولية الزعم بوجود مؤامرة]، فإنني لست مهتماً أكثر من ذلك بالاغتيال [ترفّع ازدرائي، تملّص، تقزيم أهمية الشيء المهمّ]. وفي حين أنني قرأت بضعة كتب بدافع الفضول [تناقض داخلي: لأنه قال إنه يعرف القليل عن الموضوع]، فإنني لم أعطِ المسألة أي اهتمام [تناقض داخلي: كيف لشخص غير مكترث بمسألة أن يصل إلى رأي ونتيجة جازمة كهذه حيالها] وليس لدي أي رأي عن كيف ولماذا تمّ قتل جون كينيدي [تناقض داخلي: إذ إنّ لديه بالفعل رأياً متبلوراً، وقد عبّر عنه بدايةً، وهو أنّ: طريقة قتل جون كينيدي لم تكن عبر مؤامرة من الدولة]».
هذا المثال يبيّن كيف أنّ المثقف التقليدي الذي يختار أن يسوّق للمصالح الرجعية للطبقة السائدة، يمكن أن ينزلق خطابه إلى الركاكة وضعف الإقناع، حتى لو كان عالم لسانيات كبير كتشومسكي، لأنّ هناك حدوداً موضوعية لا تستطيع عندها اللغة أن تلوي عنق الواقع.

أحداث 11 أيلول
بالمثل انخرط تشومسكي أيضاً في الترويج للرواية الرسمية عن أحداث برجي التجارة عام 2001، والتي تحرص على إبعاد أية شبهات بتورط مسؤولين من إدارة بوش والطبقة الحاكمة بافتعال الأحداث لتكون ذريعة تطلق عنان حرب النهب والتدمير الإمبريالية العالمية «على الإرهاب». الأمثلة من كتابات وأقوال تشومسكي كثيرة، لكن نكتفي بعيّنة تبين كيف تستخدم الإمبريالية «معارضيها» غير الجذريّين كفزّاعة في حملات ترهيب وتهديد وقمع معارضيها الحقيقيين. والاقتباس التالي هو كلام نعوم تشومسكي بُعَيد الأحداث:
«إذا ضيّع اليسار وقته على هذا الأمر [أي في تقصي الحقائق حول أحداث 11 أيلول]، ستكون هذه نهاية اليسار، وبرأيي: التيار السائد سيكون مسروراً تماماً. من المرجح جداً highly likely [التعبير نفسه المحبب للبريطانيين اليوم في قضية سكريبال] بأنّ لا شيء مهمّاً يمكن أن يُعثَر عليه، وإن وُجِدَ شيء – وأشك كثيراً في ذلك – فإنّ من شأن هذا أن يُودي بالجميع في واشنطن إلى حُجرَة الإعدام، ومن غير المحتمل أن يخرج اليسار من هذا منتصراً».
يجدر بالذكر أنّ تشومسكي يصنّف نفسه «فوضوياً» من الناحية السياسية، ما جعله جذاباً للشبيبة والطلبة، ويختلف كثيراً مع «اللينينية» و«البلشفية» لحدّ العداء أحياناً، ويستقي مرجعياته الفكرية الأساسية من فلاسفة برجوازيين، فضلاً عن أنّ ما تعلّمه من الماركسية يبدو أنّه يستخدمه، في المحصلة، لأغراض معاكسة. ولا شك بأنّ هذا نوعٌ من «اليسار» الآمن والمريح للطغمة الرأسمالية من النواحي الفكرية والسياسية والتنظيمية.

إغواء ثمّ انقلاب
إذن، فالحيلة ذكية تماماً، ومدروسة بشكل علمي. فإذا كانت الإمبريالية تعرف وتستطيع قياس حجم ودرجة المعارضة لها، فمن مصلحتها أنْ تتدخل استباقياً قبل نضوجها وتحولها إلى قوى خطرة وأكثر جذرية. إذن فالحل المثالي بالنسبة لها كان توسيع نطاق حرية النقد، لكن مع رسم حدود صارمة لملعبه بحيث لا يُسمَح بتجاوز تخومه، وبالتالي يصبح بالمحصلة إصلاحياً وتجميلياً في خدمة استمرار هيمنتها، تحت قناع أنه «معارض» لها. وكلّما تمّ تظهير أنّ المسافة التي تبعد هذا النوع من المثقّفين عن السلطة أكبر، كلما زاد رصيدهم الشعبوي من الاحترام والهيبة، ولا سيّما إذا كانوا علماء ومشاهير، وبالتالي ازداد تأثيرهم الخادم للسلطة قوةً وخَفاءً، وهذا ما يُعرف بأسلوب «الإغواء ثم الانقلاب» Bait-and-Switch، أو ما يعرف لدينا بتمرير «السمّ في العسل» (في مقابلة تشومسكي الأخيرة، ركّز محاوره في بداية التعريف عنه على إبراز وتمجيد «معارضة» تشومسكي الذي لا يُستَضاف أبداً تقريباً على الشاشات الأمريكية السائدة). وبالمثل فإنّ الأنظمة الرأسمالية التابعة في دول الأطراف (والعربية ضمناً) قد تعلّمت هذه التكتيكات بالتقليد أو «النصيحة» أو استنتجته بتجاربها التاريخية الخاصة.
بات من الأضاليل القديمة أن تكون مسطرة القياس الأساسية في تقييم جذرية أو ثورية مثقَّف أو شخصية ما، هو فقط ما أنجزه نظرياً أو عملياً في مقطع زمني ما من تاريخه الماضي، أو مثلاً المدة التي قضاها سجيناً سياسياً، مع غضّ الطرف عن باقي مواقفه الأخرى والمعاصرة، فلا شفاعة هنا، ولا عذر للأخطاء النظرية والعملية الكبرى، والسياسية الاستراتيجية، التي تخون الشعوب وطبقاتها الكادحة وتعرضها للخطر والاستغلال والتفتيت، ولا تخدم إلا أعداءها ومستغلّيها.