في سوريا... الغلاء أيـضاً يقتل
معتز حيسو معتز حيسو

في سوريا... الغلاء أيـضاً يقتل

يؤدي التضخم دوراً مهماً في إعادة توزيع الدخل، وفي زيادة الاستثمار والنمو العام في الطلب في ظل استخدام كامل يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بسرعة تتجاوز نمو الأجور. حينها يتغير توزيع الدخل لمصلحة الأرباح، وتنخفض حصة العمال من الدخل، ويميل الادخار من الأرباح إلى الزيادة.

عندما تجول في الأسواق، تفاجئك الكثرة في المواد. فالسلع المتراكمة تدلّل للوهلة الأولى على انخفاضٍ في الأسعار. لكن في الحقيقة يبدو أن واقع الاقتصاد السوري حالياً يخالف ظاهرياً قانون العرض والطلب، الذي يؤكد أن ازدياد العرض يؤدي إلى انخفاض في الأسعار، بينما الندرة في العرض تساهم في ارتفاع الأسعار.
لكن من الممكن أن يندرج التباين بين هذا القانون وحركة الأسعار وآليات التداول، التي تساهم في ارتفاع الأسعار مع ازدياد مستويات الطلب، في إطار ارتفاع الطلب النسبي وليس الكلي. وهذا التباين يستدعي منا الوقوف على ظاهرة الاحتكار، ونقل السلع الغذائية والمواد الأساسية بين المدن، دون أن ننسى ما يجري من استغلال من قبل بعض العناصر على الحواجز.
لكن بداية نشير إلى أنّه إذا كان مصير مرتكبي جرائم القتل وممارسة العنف والنهب، يقتضي مثولهم أمام المحاكم المختصة، فإن مصير من يحتكر المواد الأساسية، ويتلاعب بآليات التبادل والتداول السلعي، يجب أن يتساوى مع مصير مجرمي الحرب. فمن يحرم إنساناً قوته اليومي، لا يقل خطورة عن القتلة، إن لم يكن أشد قهراً وظلماً. فأن تموت برصاصة قنّاص قد يكون أرحم من الموت جوعاً وحرماناً. لكن الأكثر بشاعة هو أن يتضوّر أولادك جوعاً، أو يموتون مرضاً أمام ناظريك، من دون أن تكون قادراً على فعل شيء.
لقد بات مكشوفاً للجميع أن التجّار يغتنون بشكل جنوني، فيما يجري إفقار الإنسان المضطهد والمقموع والفقير. فهم يحرمون الأسواق من التراكم الطبيعي للسلع، عندما يخزّنون المواد الاستهلاكية الأساسية، ليتحكموا لاحقاً في كمية السلع المطروحة في الأسواق، وفي حركة التداول وآلياته، والأسعار التي تميل بشكل دائم إلى الارتفاع غير المبرر.

 التراكم السلعي في وجهه السلبي

فظاهرة التراكم السلعي لا تدلل في الأسواق السورية حالياً على انخفاض الأسعار، أو على ارتفاع معدل الاستهلاك المقترن بميل معدل الطلب إلى الارتفاع، بل لها علاقة بميل معدل الاستهلاك (الطلب) نحو الانخفاض، نتيجة انخفاض قيمة الليرة وارتفاع معدل التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، إذ بلغ وفق المصادر الرسمية 68%. وهذا يقود بداهة إلى انهيار القدرة الشرائية، والاكتفاء بشراء المواد الأكثر ضرورة وبكميات لا تكاد تفي بالحاجات الأساسية.
فارتفاع الأسعار يقلّص على نحو كبير معدلات الاستهلاك، علماً بأن أسعار المواد ذاتها في مناطق الصراع مضاعفة، هذا إن وجدت.
وإن كان سكان المناطق المستقرة والوافدون إليها يشعرون بأمان نسبي، فإن الأسعار تحرقهم، ولا تُبقي على شيء في جيوبهم. ورغم الغلاء الفاحش، فإن الأسعار ترتفع مجدداً عندما تنفتح أسواق بعض المناطق المشتعلة. فعندما تنفتح بعض الطرق إلى مدن كانت محاصرة، فإن هذا يعني شحن المواد من المدن المستقرة. لكن ليس خدمةً لأبناء المناطق المنكوبة، بل من أجل أن يكدّس تجّار الأزمات والحروب مزيداً من الأرباح، حتى لو كانت على حساب دماء البشر. فأسعار المواد المنقولة إلى المناطق المتوترة ترتفع أضعافاً عدة عن المناطق المستقرة. وبذلك يزداد حرمان المواطن في المناطق المستقرة، بينما يتحرّق سكان المناطق المتوترة إلى شراء السلع الغذائية. وقد سجّل سعر 6 أرغفة من الخبز في بعض الأحياء في مدينة حلب 200 ليرة. فمن من السوريين (العاملين بأجر ثابت) قادر على تلبية الاحتياجات الغذائية لأسرة مكوّنة من أربعة أشخاص حين تتجاوز تكلفتها اليومية 1000 ليرة. ومن المعروف أن الخبز والزيت والسمن والبطاطا والبرغل والأرز والبيض والحمّص المطحون والفلافل والشوربة والخبز والشاي والسكّر تمثّل غذاء الفقراء. لكن في ظل ارتفاع الأسعار، لم يعد المواطن قادراً على القبض على هذه المواد.

 للماء حصة من الدخل

إضافة إلى ذلك، فإن شراء الماء، بسبب انقطاعها عن العديد من المدن، أصبح يستوجب دخلاً إضافياً، وكذلك تأمين مصدر إضاءة بسبب الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي. أما تأمين احتياجات الأولاد في بداية العام الدراسي، فإنه بات من الأحلام. وكذلك تأمين المازوت للتدفئة. هذا بغض النظر عن الوقت الذي يقضيه المواطن أمام محطات المحروقات والمخابز. فكل هذا أرهق كاهل الإنسان، ويحطّ من كرامته. حتى إنه لم يعد ينام على همّ قديم. فالمواطن السوري أصبح عاجزاً عن تلبية الحاجات الضرورية. ورغم أنه يستغني عن أضر الضروريات، ومع هذا فإنه يموت في كل لحظة دون تأمين مواد معيشته الأساسية.
ويجب أن نذكّر بالوعد الذي قطعته الحكومة على ذاتها بتوزيع بعض المواد الغذائية على البطاقات العائلة والتموينية، وتوسّمنا في ذلك خيراً لعلّه يكبح جماح الأسعار وجشع التجّار. لكنّ الحكومة لم تف بوعودها، فبقي المواطن تحت رحمة تجّار لا يعرفون الرحمة.

 الأجور العاجزة

إن إجراء مقاربة بسيطة بين متوسط الأجور، الذي يقول البعض إنه 22 ألف ليرة، بينما هو في الحقيقة لا يتجاوز 17 ألف ليرة، وبين أسعار بعض المواد الأساسية تظهر لنا العجز المادي للمواطن:
فإذا كانت حاجة الأسرة من المازوت لموسم الشتاء «500 ليتر × 62 ل. س.» فإن قيمتها تعادل تقريباً راتب موظف لشهرين (حسب متوسط الأجور). وتأمين حاجة طفلين في المدرسة تحتاج إلى راتب شهرين، وتأمين المواد الغذائية الضرورية لأسرة مكوّنة من أربعة أشخاص يحتاج حالياً إلى ضعف دخل الموظّف، هذا من دون أن نذكر تكاليف الماء والكهرباء والهاتف والطبابة والكساء والنقل وحاجات ضرورية أخرى. ألا يحتاج المواطن لتأمين ما ذكرناه إلى ثلاثة أضعاف إن لم نقل أربعة أضعاف دخله الحالي؟ فكيف هي حال العمّال المياومين، أو من فَقَدَ عمله، أو من لم يتمكن من تأمين فرصة عمل؟
وإذا كان التجّار ومحتكرو وسارقو قوت الشعب يكنزون المال، وينتفخون سمنة، فإن المواطن يتضوّر جوعاً، ويزداد حرماناً، حتى بات يشتهي الموت ولا يجده، رغم فظاعة القتل اليومي. فيبقى يعاني القهر والحرمان والاستغلال من تجّار الأزمات والحروب والنهّابين.
الفقراء يقتلهم إهمال الحكومة واحتكار التجّار وارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية لليرة وتراجع القيمة الحقيقية للأجور.
ونتساءل عن دور الحكومة، في وقت تحوّل فيه الإفقار إلى صناعة قائمة بذاتها. أليست معنية بما يعانيه المواطن من أزمات؟ أم أنها ترى أن تغيير بعض الوجوه الوزارية يشكّل العلاج الناجع للأزمة السورية العامة والمركبة؟ فالحكومة، رغم تفاقم حدة الأزمة، تحافظ على النهج الاقتصادي ذاته، والآليات الرقابية ذاتها، والسياسات المالية... في وقت يعلم فيه الجميع أن هذه العوامل من الأسباب الرئيسية للأزمة. فغياب الرقابة وعدم محاسبة المتورطين في احتكار قوت الشعب والمتلاعبين في حياته يقتلان السوريين. والقبول لأي سببٍ كان بانفلات الأسواق من عقال المنطق والعقلانية الاقتصادية والإنسانية، يقتلهم أيضاً. فحرية التجارة وارتفاع معدلات الاحتكار والجشع يمثلان الأساس الموضوعي لتحقيق أعلى معدل من الربح، حتى لو كان على حساب دماء البشر وحياتهم. فالمطلوب بناء نهج اقتصادي اجتماعي تنموي يناقض ما هو قائم.

أسعار المواد الأساسية

في ما يلي عرض مختصر لأسعار بعض المواد الأساسية في المناطق المستقرة أو شبه المستقرة: سعر كلغ البطاطا يتجاوز أحياناً 125 ليرة سورية، والفاصولياء 185، واللوبيا 200، والباذنجان 75، والخيار 125، أما البندورة فإن سعر الكلغ تجاوز في بعض الأوقات 100 ليرة، والأرز 200، والبرغل 100، والحمّص المطحون (المسبّحة) 250 للكلغ، وقرص الفلافل 3،5.
أما «سندويش» الفلافل بـ75 ليرة، وسعر العدس المجروش 150 ليرة، وصحن البيض أكثر من 700 ليرة، والبصل 75 ليرة، والزيت 600 ليرة في المؤسسات الاستهلاكية، بينما سعر الليتر في الأسواق يتجاوز أحياناً 375 ليرة. بينما يتجاوز سعر الكلغ من زيت الزيتون 750 ليرة سورية. وسعر كلغ السمن النباتي الأقل جودة حوالى 450 ليرة، أما سعر كلغ لحم الغنم فيتجاوز 1800 ليرة، والعجل 1500. أما سعر كلغ الفروج فإنه يتجاوز أحياناً 450 ليرة. هذا إضافة إلى الارتفاع المفرط في أسعار حوامل الطاقة، وتحديداً المازوت والبنزين، اللذين يشكلان عصب الحياة. إضافة إلى ذلك، فإن الارتفاع المرعب لأسعار القرطاسية والكتب وباقي اللوازم المدرسية، مع الأدوية والألبسة، أوقع المواطن في عجز مالي يجعله عاجزاً عن الإيفاء بالتزاماته حيال أسرته، وتحديداً من منهم في سن الدراسة. وهذا ينعكس بالضرورة على مستوى التعليم ومستقبله.

الأخبار

آخر تعديل على الثلاثاء, 01 تشرين1/أكتوير 2013 10:50