_
الرهانات الحقيقية على الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة
فريدريك ويليام إنغدال فريدريك ويليام إنغدال

الرهانات الحقيقية على الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة

إن الحرب التجارية الغريبة والمتصاعدة التي تشنها واشنطن ضد الصينيين لا تتعلق على الإطلاق بفائض الميزان التجاري الصيني. ويبدو أن الصينيين أدركوا ذلك أيضاً. إن هذه الحرب تدور حول هجوم شامل على استراتيجية الصين التي تهدف إلى جعلها اقتصاداً متقدماً ويعتمد على الذات، ويتساوى مع الغرب وربما يصبح أكثر تقدماً منه.

الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى المهيمنة في العالم لن تسمح بذلك بأي حال من الأحوال. ومثلما مهدت الإمبراطورية البريطانية المسرح للحرب العالمية الأولى لتدمير التهديد المحتمل لقوة عظمى وهي ألمانيا، تواجه واشنطن الآن عملاق اقتصادي صيني. من المحتمل أن يصبح هذا الصدام سيئاً للغاية في الأشهر القادمة ما لم تتراجع الولايات المتحدة، وهو أمر مستبعد في الوقت الحالي.

قال "لونغ قوه تشيانغ"، نائب رئيس مركز أبحاث التنمية بمجلس الدولة الصينية، في بيان أخير يعكس وجهة النظر الحالية للحكومة الصينية، إن ما يسميه بدقة "الاحتواء الاستراتيجي" هو هدف أمريكي مركزي في الحرب التجارية. ويوضح بأن هذا يتم من خلال "ابتزاز مصالح" مثل تهديد الحروب التجارية أو القيام بها بالفعل لإجبار فتح الأسواق، وذلك بهدف مهاجمة نموذج "رأسمالية الدولة" الصيني للحفاظ على الهيمنة الأمريكية.

شنت واشنطن هجوماً مماثلاً، باستخدام صناديق التحوط الخاصة، في عام 1997 لتدمير الاقتصاد الآسيوي في كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وهونغ كونغ وغيرها من الاقتصادات الآسيوية السريعة النمو. فكانت نتيجة هجمات المضاربة وأزمات العملة الناتجة عن ذلك هي إعادة التنظيم القسري للنموذج الاقتصادي الموجه من قبل الدولة بناء على طلب من صندوق النقد الدولي. وقبل ذلك، بدءاً من صفقة "بلازا أكورد" الشهيرة، قامت واشنطن ببناء فقاعة سوق العقارات والبورصات اليابانية والانكماش الاقتصادي الطويل لبنك اليابان لاحقاً للسيطرة على التقدم الاقتصادي الهائل لليابان. لا يقدّر المهيمن العالمي "وول ستريت" وممثلاها في واشنطن في بنك الاحتياطي الفيدرالي وصندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة التنافس في المنافسة.

هذه المرة، الصين، التي تستمد فوائضها التجارية الحالية إلى حد كبير من الإنتاج الصيني لتراخيص شركة أبل، جنرال موتورز وشركات أخرى لا حصر لها في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لإعادة التصدير، عازمة على أن تصبح في أقرب وقت ممكن ذات كفاءة عالية في الاقتصاد التكنولوجي، لم يعد يعتمد على الوصول إلى التقنيات الأمريكية الهامة مثل معالجات الكمبيوتر. إنه أمر مفهوم، خاصة في ظل العقوبات التي أعاقت شركات ""Huawei و""ZTE الرائدة في مجال الإلكترونيات الصينية، بأن الصين سوف تأخذ حذرها. إن استراتيجية واشنطن في الوقت الحاضر هي بالأحرى محاولة الاستغناء عن الدور الصيني، ومحاولة استبداله بواحد آخر لإرضاء واشنطن للدول العميلة التابعة لها.

تقارب بين الصين واليابان

كان أول رد فعل للصين هو محاولة الاستفادة من التوترات المتصاعدة بين واشنطن والاتحاد الأوروبي ليس فقط بسبب التجارة، بل وأيضاً تمويل الناتو. ذهبت الصين لأول مرة إلى اقتراح شكل من أشكال التجارة مع الاتحاد الأوروبي في تموز. واقترح رئيس الوزراء الصيني التعاون في معارضة أعمال الحرب التجارية الأمريكية على كل من الاتحاد الأوروبي وكذلك الصين، ولكنه قوبل برفض حاد. أعلن رئيس اللجنة "جان كلود يونكر" بصراحة أنه يرى عدم وجود منظور على المدى القصير للمحادثات بين الاتحاد الأوروبي والصين حول اتفاقية تجارة حرة مشتركة، مشيراً إلى أنه إذا كانت الصين ترغب في فتحها فيمكنها القيام بذلك.

في أعقاب رفض الاتحاد الأوروبي كلياً لجبهة موحدة، تحولت الصين إلى منافستها الآسيوية الاقتصادية والسياسية الأخيرة، اليابان. بدأت محادثات التجارة  بالفعل في أيار بين حكومات الصين واليابان وكوريا الجنوبية، وهي الدول الثلاث الرائدة اقتصادياً في آسيا. أخذت المحادثات الثنائية بين الصين واليابان مؤخراً أهمية أكبر. ويجري الانتهاء من التحضيرات لعقد اجتماع استثنائي في بكين بين رئيس الوزراء الياباني والصيني، وهي أول زيارة يقوم بها رئيس وزراء ياباني للصين منذ أن بدأت التوترات في النمو في عام 2011، وتصاعدت بشكل كبير عندما دفعت واشنطن اليابان إلى إشعال نزاع إقليمي على جزر سينكاكو، المسماة دياويو في الصين، حيث تحركت اليابان لوضعها تحت سيطرة الدولة في أيلول 2012.

وفي إشارة أخرى إلى تزايد الدفاعات المشتركة ضد تصاعد الحرب المالية الأمريكية المحتملة، وافقت اليابان والصين للتو على تجديد اتفاقيات تبادل العملات الثنائية التي تم تأسيسها أصلاً في عام 2002 في أعقاب الأزمة الآسيوية للدفاع بشكل أفضل ضد هجمات المضاربة. تم إيقاف المبادلات في عام 2013 حيث بلغت التوترات بين اليابان والصين ذروتها. ويشعر اليابانيون بالمرارة بسبب العقوبات الأمريكية على الفولاذ والألمنيوم الياباني، بالإضافة إلى التهديدات الجديدة للتعريفات الأمريكية ضد واردات السيارات اليابانية. استجابت اليابان من خلال التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي واليابان، وهي تتحرك الآن لإصلاح العلاقات مع أكبر منافس لها في آسيا، الصين.

استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية للحرب الطويلة

إن القوى المراوغة التي تسيطر على الاستراتيجية الجيوسياسية الأمريكية ستحاول بكل الوسائل المتاحة لها في هذه المرحلة أن تحطّم الصين فعلياً بالعقوبات والإذلال والضغط على حقوق الإنسان والحرب المالية وحتى التهديدات العسكرية. كما أعلن الراحل "زبغنيو بريجينسكي"، إذا فقدت الولايات المتحدة السيطرة على أوراسيا، فإن اللعبة ستنتهي بالنسبة للقوة العظمى الوحيدة. فيجب كسر الصين لمنع ذلك. قد تكون الحرب نتيجة لذلك، وستكون نتيجتها كارثية للبشرية.

هناك عقبة كبيرة أمام حرب مالية أمريكية ضد الصين. على عكس اليابان في ثمانينيات القرن العشرين، كانت ديون الصين في معظمها ديوناً صينية داخلية كانت في المقام الأول مملوكة من قبل بنوك تابعة للدولة ينظمها بنك مركزي تابع للدولة، وهو بنك الصين الشعبي. لذلك، في فأن دين الصين البالغ 36 تريليون دولار مثير للإعجاب، فإنه، مثل معظم الأشياء في الصين، لا يزال يخضع لسيطرة الدولة، على عكس اليابان. ولكي تتمكن واشنطن من السيطرة الفعالة على الصين في هذه المرحلة، يجب عليها أن تفعل ما فعلته واشنطن في التسعينات ضد الاتحاد الروسي عندما خرقت سيطرة الدولة على قضية الأموال. وإلى أن تتمكن الولايات المتحدة من كسر سيطرة الدولة على بنك الشعب الصيني، فإن الصين لديها وسائل التعامل مع ديونها المستقلة إلى حد كبير بعيداً عن الابتزاز من الدولار، على عكس تركيا أو الأرجنتين أو معظم الدول الأخرى التي لديها بنوك مركزية خاصة تسيطر على قضية أموال.