_
صناعة السكك الحديدية في الصين: من «الصفر» إلى الريادة العالمية
صحيفة «الشعب» الصينية صحيفة «الشعب» الصينية

صناعة السكك الحديدية في الصين: من «الصفر» إلى الريادة العالمية

في عام 1876 ظهر القطار البخاري في الصين لأول مرة، عبر سكّة ووسونغ بشنغاي التي أنشأها البريطانيون في مساعيهم لنهب الثروات الصينية.

لكن لا البريطانيين ولا الصينيين أنفسهم، كانوا يتوقعون بأن تصبح الصين في غضون قرن من الزمن دولة رائدة عالميا في صناعة القطارات المتطورة.

في العام الحالي، جذب مشهد لقطار صيني على شاشة ثلاثية الأبعاد بمدينة لندن إهتمام المارّة. هذا القطار الذي كان ثمرة جهود متواصلة من البحث والتطوير للمهندسين الصينيين. سيصبح القطار السريع الأبرز في بريطانيا.

"لقد اقتبست مثال سكة الحديد الصينية عالية السرعة، خلال خطابي في البرلمان. وأتطلع إلى المشاركة الصينية في بناء مشروع السكة الحديدية عالية السرعة في بريطانيا.". يقول مايكل بيتس، نائب رئيس مجلس اللوردات السابق، في سجل السكك الحديدية الصينية عالية السرعة، وهو كتاب جمعته صحيفة السكك الحديدية الصينية. ويضيف بأن بريطانيا التي قادت صناعة السكك الحديدية، قد تجاوزتها هذه الصناعة في الوقت الحالي.

تظهر البيانات الحكومية الصينية لعام 2015، بأن إجمالي طول خطوط السكك الحديدية في الصين قد بلغ 121 ألف كم، وهو الرقم الثاني عالميا بعد الولايات المتحدة. كما تمتلك الصين 19 ألف كم من خطوط سكك الحديد فائقة السرعة. وهو مايمثل 60% من الإجمالي العالمي. في هذا الصدد، يقول بيتس بأن الصين باتت تمتلك التقنية الأكثر تقدما على الصعيد العالمي في مجال إنشاء السكك الحديدية فائقة السرعة، إلى جانب المميزات ذات الصلة.

"إن تاريخ تطور صناعة السكك الحديدية في الصين، يعد مثالا مصغرا للتاريخ الطويل للتنمية الصينية. والصين التي إنطلقت من الصفر في هذه الصناعة، باتت الآن قوة رائدة في مجال صناعة السكك الحديدية." يقول تشو وي، نائب مدير متحف السكك الحديدية الصينية.

في عام 1864، وبعد 39 سنة من إنشاء أول سكة حديدية في بريطانيا، تم تشغيل سكة ستكوتون- دارلينغتون، التي يبلغ طولها 27 كم. كما قام أحد التجار البريطانيين، بإنشاء أول سكة في شنغهاي بطول 600 متر لتقديم هذه التقنية الجديدة للصينيين. لكن هذه التقنية أفزعت الناس العاديين والحكومة، فتمّ تفكيكها في وقت وجيز.

"يعود تأخر دخول السكة الحديدية إلى الصين إلى نقص التصنيع، وإلى الموقف الشعبي المعارض للتقنية الحديثة. بعد ذلك ثامت الدول الأجنبية ببناء سككها الخاصة في الصين رغم المعارضة الحكومية. وهو مامثل بداية تاريخ الإذلال عبر السكك الحديدية في الصين." يقول قاو، المؤرخ بالمتحف الصيني للسكك الحديدية.

كان افتقار الصين إلى تقنيات السكك الحديدية الحديثة يعني إعتماد الصين بشكل كبير على المساعدات الأجنبية. وفي عام 1949، كانت الصين تمتلك 4069 قاطرة، إستوردتها كلها من تسع دول أجنبية. وكان هناك معايير وتقنيات مختلفة للسكك الحديدية في الصين خلال القرن التاسع عشر. لذلك، سعت الحكومة الصينية لتوحيد معايير السكك الحديدية، لكن التخلف التثني، جعل كل هذه المحاولات تبوء بالفشل.

تشانغ تيان يو، الذي تعلم في أمريكا، هو أب السكك الحديدية الصينية، حيث كان أول من أنشأ سكة حديد بجهود صينية مئة بالمئة، تربط بين بكين وتشنا جياكو.

أدى التوسع السريع في ملكية السكك الحديدية الأجنبية وتشغيلها في الصين إلى استياء عام، والدعوة إلى تطوير السكك الحديدية المحلية. وفي عام 1905، قررت السلطات الصينية بناء سكة حديد بكين-جانغجياكو، وهي أول سكة حديد يتم تصميمها وتصنيعها محليًا.

أثار ذلك، سخرية المهندسين الأجانب، لكن جان تيانيو، أب السكك الحديدية الصينية، تمكن من إكمال العمل قبل عامين من الموعد المحدد وبأقل من الميزانية المحدّدة. وهوما أثبت قدرة الصين على إنشاء سكة حديدية خاصة بها.

بعد هذا النجاح، تمكن المهندسون الصينيون، من تحقيق عدة اختراقات متتالية في بناء السكك الحديدية. وفي عام 2006، قامت الصين بتدشين خط تشينغهاي- التبت، بطول 1956 كم. وهي أطول سكة حديدية تبنى على المناطق المرتفعة في العالم.

"مثل خط تشينغهاي - التبت، نموذجا مهمّا لإنشاء السكك الحديدية في التضاريس الجغرافية الوعرة. ولم يتوف أي عامل بسبب تأثير المرتفعات أثناء عملية الإنشاء. إلى جانب ذلك، إستطاعت الصين أن تراكم خبرات تقنية ثرية على مرّ السنوات، منذ أن قامت بتصنيع أول محرّك سيارة في عام 1958، كما قامت بإستيعاب عدة تقنيات أجنبية.

في عام 2006، بدأت الصين تطوير القطار فائق السرعة من الصفر. وبعد عقد من الزمن، تمكنت من تصنيع قطار "فوسينغ"، الأسرع عالميا، والذي بإمكان أن يقطع المسافة بين بكين وشنغهاي في 4 ساعات ونصف فقط.

"من بين مختلف المعايير الرئيسية الـ254 المستخدمة في قطار فوشينغ، هناك 84% من المعايير الصينية. حيث باتت الصين تأخذ الريادة في التقنيات الأساسية، وليس السرعة فحسب، بما في ذلك المراقبة الأمنية وإمداد الطاقة. وأصبحت الصين إحدى الدول التي تضع المعايير لصناعة القطارات فائقة السرعة. كما من المتوقع أن تلعب الصين متزايد الأهمية في السوق العالمية للسكك الحديدية في المستقبل، مستفيدة من تقنياتها المتقدمة وكفاءاتها الهندسية العالية.

السكك الحديدية تسهم في تحقيق الإزدهار الإقتصادي المشترك

كونها واحدة من أكثر المنتجات الصناعية تأثيرا في الصين الحديثة، شهدت صناعة السكك الحديدية الصينية توسعا في الدول الأجنبية. وهو دعم عملية تدويل المعايير الصينية وعلامة "صنع في الصين".

في عام 2017، وبعد قرن على بناء التاجر البريطاني سكة الحديد التجارية الأولى في الصين، وصل قطار صيني إلى العاصمة لندن، قادما من مدينة إيوو. وقد علّقت وسائل إعلام بريطانية على ذلك، بما في ذلك صحيفة الغارديان، بإن ذلك يبشر ببزوغ فجر عصر تجاري جديد.

جلب إزدهار صناعة قطارات السرعة الفائقة، العديد من الفرص والمزايا للصين ولشركائها العالميين. ووفقًا لتقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية الأوروبية، التابعة للأمم المتحدة في عام 2017، من المتوقع أن تنمو الصادرات الصينية، بما في ذلك منتجات التكنولوجيا الفائقة وقطع غيار السيارات، بشكل أسرع بين 2015 و2019، مقارنةً بما حققته خلال الفترة 2012 إلى 2014. وذلك بفضل تمتدد السكك الحديدية الرابطة بين الصين وأوروبا. علاوة على ذلك، وصلت في شهر يوليو، شحنة من 160 عربة قطارات فائقة السرعة صينية الصنع إلى ألمانيا، وهي أول شحنة صادرات صينية من هذه السلع إلى ألمانيا، العملاق التقليدي في صناعة القطارات فائقة السرعة.

أما بالنسبة للدول النامية، فتقدم الصين التقنية والتدريب، لمساعدة الدول المعنية على دفع التنمية الإقتصادية. حيث قام 63 مديرا تنفيذيا للسكك الحديدية من 13 دولة بما في ذلك تايلاند ولاوس، بزيارة قاعدة التدريب على القطارات فائقة السرعة بووهان، لتعلم التقنيات اللازمة. وتمت دعوة سائقي القطارات والموظفين من كينينا لزيارة الصين، وتعلم على قيادة وإدارة خط نيروبي مومباسا.