الدين والنمو 1 | العجز والنمو
أندرو فيشر أندرو فيشر

الدين والنمو 1 | العجز والنمو

يأخذ موضوع الدين الخارجي صدى كبيراً في نقاشات المنظرين الاقتصاديين. مثال: يصرّ الاقتصاديون التقليديون المتحجرون على أنّ التمويل الخارجي ضروري لنمو البلدان الفقيرة، ويدافعون بالتالي عن الحركة الحرّة لرأس المال وعن منح الأولوية للاستثمارات الأجنبية المباشرة. لكنّ نظرياتهم تتعارض مع الحقيقة المعروفة جدّاً بأنّ التدفق العالمي عموماً هو في حالة انعكاس منذ الثمانينيات، بحيث أصبحت تخرج من الدول الفقيرة إلى البلدان الثرية (وتحديداً الولايات المتحدة).

تعريب وإعداد: عروة درويش

يعمل استيعاب صافي تدفقات التمويل الخارجي عبر العجز التجاري بشكل وثيق مع التأخر في التحول للتصنيع، وهو الذي يميل بشكل قوي لتوليد عجز تجاري عندما لا يكون مقيداً. إنّ فهم أنّ التحول للتصنيع يولّد أو يفاقم قيود عمليات الصرف الأجنبي هو نقطة الانطلاق الرئيسة بالنسبة للعديد من رواد الاقتصاد التنموي في الأربعينيات والخمسينيات. وقد ساد هذا الرأي بشكل خاص من خلال تجربة عدم الاستقرار في ميزان المدفوعات والأزمة في أوروبا في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في دول وسط وشرق أوروبا المحيطية المتأخرة في التصنيع. وأوجزت خطّة مارشال بدورها كيف يمكن منع مثل هذه الأزمات عبر مساهمات هامشية ولكن استراتيجية للدين الخارجي الرسمي. وفي حين أنّ هذه المساهمات كانت صغيرة بالنسبة للاحتياجات الاستثمارية الإجمالية، فقد كانت حاسمة للتغلب على عواقب ميزان المدفوعات على كثافة الواردات اللازمة لإعادة الإعمار الأوربي.

وقد قال بعض الاقتصاديين الكينزيين أيضاً بالافتراض بأنّ تبادل العملات الأجنبية هو معوق أساسيّ للنمو، مع تأثيرات بنيوية قوية من الاقتصادات ذات النمو المبكر. وأدرك بعضهم بأنّه حتّى تدفقات المال الكبيرة قد تشكل فارقاً كمياً ضئيلاً على النماذج التي يهيمن عليها النمو التصديري كاتجاه حاكم للنمو. لكنّ معظم المنظرين الكينزيين لم يشيروا إلى خصوصيات التحول للصناعة، ولا لحقيقة أنّ دور التمويل الخارجي يمكن أن يكون هاماً استراتيجياً حتّى لو كان هامشياً على الحاجات الاستثمارية الكلية. بكلمات أخرى: يمكن أن تكون حقن التمويل الخارجي الصغيرة حاسمة في السماح للصادرات الصناعية بالنمو.

ولا يتعلق الأمر بمسألة التوجه نحو التصدير مقابل الواردات البديلة، بل بمواكبة الصادرات لمتطلبات التحوّل للتصنيع فيما يخصّ التمويل ورأس المال. وحقيقة أنّ هذا التحوّل متأخر تنطوي حتماً على استبدال الواردات بطريقة أو بأخرى. وبشكل وثيق الصلة، اعتمد التصنيع الموجه للتصدير بنفسه على قدرة الاستيراد الموجودة بشكل سابق. وبهذا المعنى ظهرت كلا الاستراتيجيّة الخاصة باستبدال الواردات واستراتيجية التصنيع الموجه للتصدير كاستراتيجيتين، غالباً ما كانتا متكاملتين، شكلتا استجابات فترة ما بعد الحرب على التكيّف عموماً مع قيود الصرف الأجنبي، وذلك بالتنسيق مع استراتيجيات الحساب المالي مثل تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر أو تراكم الديون أو غيرها من التدفقات المالية الداخلية، وذلك كوسيلة لتمويل العجز التجاري عبر الحساب المالي. وكان الاختيار عموماً بين العجز التجاري الذي يتمّ موازنته عن طريق بعض قنوات التدفقات النقدية، أو عن طريق خنق النمو.

هناك حالات قليلة من التحول المتأخر إلى التصنيع في حقبة ما بعد الحرب والتي تعد ناجحة، فقد تمّ الحفاظ على عجز تجاري عميق عبر التمويل الخارجي لفترة طويلة. بالتأكيد لم يخفف التحوّل المزعوم في كوريا الجنوبية إلى استراتيجية التصنيع الموجه نحو التصدير منذ عام 1960 فصاعداً من أوجه العجز هذه. كانت الديون الخارجية كبيرة بل وحتّى أكبر منها في دول أمريكا اللاتينية. إضافة إلى كميات المساعدات الكبيرة لكوريا حتّى منتصف الثمانينيات، فلم يكن الفرق الرئيسي هو الاعتماد على الديون، ولا حتّى على تركيبة الديون الرسمية مقابل الديون التجارية المركبة في السبعينيات، بل حقيقة أنّ الرسمية قد زادت قبل وخلال وبعد الأزمة المنهجية في أوائل الثمانينيات. ويمكن رؤية هذا بشكل كبير ضمن الإطار الجيوسياسي، وهذا لا يفنّد المبدأ القائل بأنّ التنمية في فترة ما بعد الحرب تولّد طلباً مكثفاً على التمويل الخارجي الذي يجب الوفاء به بغض النظر عن مدى حكمة وفعالية الاستخدام المحلي له أو عن الاستراتيجيات وتنفيذها.

تنويه: إن الآراء الواردة في قسم «تقارير وآراء»- بما قد تحمله من أفكار ومصطلحات- لا تعبِّر دائماً عن السياسة التحريرية لصحيفة «قاسيون» وموقعها الإلكتروني