_
وصول البشر لآسيا 2 | أحاجي أحفوريّة بحاجة للحل
كريستوفر بي كريستوفر بي

وصول البشر لآسيا 2 | أحاجي أحفوريّة بحاجة للحل

عندما وصل الإنسان الحديث إلى هذه المناطق المتنوعة في آسيا، كانوا على الأغلب متفاجئين برؤيتهم لبشر يشبهونهم إلى حدّ كبير. من هم هؤلاء الذين قابلهم البشر الحديثون عقب وصولهم إلى آسيا؟ تشير كميّة وافرة من الدراسات التي أجريت في آسيا الوسطى وفي سيبيريا بأنّ النياندرتال لم يمكثوا مكانهم في أوربا وشرقي المتوسط. لقد ارتحلوا بدورهم، وقد لقيناهم على الغالب في آسيا. والمثير في الأمر أنّ علماء الإنسان القديم الذين عملوا في كوريا الجنوبية، كتبوا بأنّهم ربّما اكتشفوا أحفوريات تشبه بقايا النياندرتال. وفي جنوب شرق الصين، لطالما أُعتقد بأنّ أجزاء هيكل مابا العظمي تماثل هياكل النياندرتال، وربما لتمّ تحديدها في وقت أسبق لو تمّ العثور عليها في القسم الغربي.

تعريب وإعداد: عروة درويش

كانت مجموعة أخرى من الإنس موجودة في المنطقة عند وصول البشر الحديثين المشار إليهم عادة باسم «الإنسان العاقل القديم Archaic Homo Sapiens». وبسبب الكمّ الكبير من الأشياء المرتبطة بما يسمّى بالكائن «القديم» شبيه الإنسان، فقد بدأ عدد متزايد من علماء الإنسان القديم بالإشارة إلى هذه الأحافير بأنّها تعود «لإنسان هيدلبرغ» أو ببساطة «إنسان منتصف العهد الحديث الأقرب mid-pleistoncene homo». تشير الأدلّة بأنّه يمكننا بسهولة أن نصنّف أحافير الإنس الأوربيّة والإفريقيّة المؤرخة مبدئياً بأنّها تعود إلى ما بين 300 ألف إلى 500 ألف عام مضت ضمن فئة هيدلبرغ، لكنّ تصنيف الأحافير الآسيوية لا ينطوي على نفس السهولة في إدراجها في هذه الفئة. اقترح البعض بأنّ الاستمرار باستخدام مصطلح الإنسان العاقل القديم أو المصطلح الآخر (إنسان منتصف العهد الحديث الأقرب)، سيكون أكثر ملائمة. وأنّ يستمرّ الحال هكذا إلى أن يتمّ إيجاد طرق جديدة لدراسة هذه الأحافير (وهي التي لا تنتمي لصنف الإنسان المنتصب «Homo erectus»، ولكنّها ليست نياندرتال أو إنسان حديث أيضاً)، ويتم تطويرها بحيث تمكننا من تحديد العلاقة التطورية بين الإنس من إفريقيا وأوروبا وآسيا، الذين عاشوا في ذات الفترة الزمنية. لا تزال الصورة الآسيوية أقلّ وضوحاً تبعاً لعدم التيقن من أنّ أحافير إنسان منتصف العهد الحديث الأقرب تدلّ على كونه انحدر بشكل مباشر من الإنسان المنتصب المحلي، أم أنّها وصلت هناك نتيجة هجرات أقدم، وهو السيناريو الذي اقترح البعض بأنّه يمكن أن يمثل حدث استبدال مبكر.

في بداية عام 2000، نتج عن التنقيب في موقع كهف ليانا بوا في جزيرة فلوريس في إندونيسيا، اكتشاف سلسلة من الأحافير الإنسانيّة غير المألوفة على الإطلاق، والتي تم تأريخها بأنّها تعود لما بين 60 ألف و100 ألف عام مضت. تميزت هذه الأحافير بقاماتها الصغيرة وبرؤوسها الضئيلة جداً: ومن هنا أطلق عليها الاسم الحركي (الهوبيت) نسبة لأبطال فيلم سيّد الخواتم. بأيّ حال، بدأت التساؤلات تظهر بعد الاكتشاف فيما إن كانت هذه الأحافير تعود لسلالة داخلية الاستيلاد صغيرة معزولة، أسلافها الإنسان المنتصب أو «الإنسان الماهر Homo habilis»، أمّ أنّها تعود ببساطة لمجموعة من البشر الحديثين المصابين بمجموعة متنوعة من الأمراض التي تتراوح ما بين صغر الرأس ومتلازمة لارون=(التقزّم).

رغم أنّ معظم الباحثين يشعرون بأنّ الأدلّة التي تدعم تصنيفهم كنوع جديد ساحقة، فلم يتمّ البتّ بالأمر بشكل قاطع. حتّى أنّه يوجد اقتراح حديث بأنّ إنسان فلوريس قد يكون هجيناً من الإنسان المنتصب من جهة ومن إنسان منتصف العصر الحديث الأقرب أو إنسان لم يتمّ تصنيفه بعد من جهة أخرى. يعتقد معظم الباحثين بأنّ إنسان فلوريس كان معزولاً لفترة طويلة جداً مع حجم توالد داخلي كبير حدث على مدى الأجيال المتعاقبة. لكنّ فلوريس ليست جزيرة صغيرة جداً، ولا بدّ من أنّ البشر الحديثين الذين عبروا من خلالها المنطقة في طريقهم إلى غينيا الجديدة وإلى أستراليا في نهاية المطاف، قد توقفوا للاستكشاف ولإعادة التزوّد بالمؤن. وسيكون من غير المحتمل عدم لقاء إنسان فلوريس لغيره من المجموعات الإنسية على طول فترة امتدت لعشرات أو مئات آلاف الأعوام. ولذلك لا يمكن استبعاد فرضيّة التهجين بهذه السهولة.

اعترفت الدراسات الجينية التي تمّت خلال العقد الماضي بوجود مجموعة إنس جديدة: «الدينيسوفيين Denisovans». تمّ تحديد وجود الدينيسوفيين من خلال التحليلات الجينيّة لعظام أصابع وأسنان إنسيّة، في حين لم تتمكن الدراسة المورفولوجيّة (علم هيئة الإنسان وتكوينها) لهذه الأحافير من تحديد الأنواع التي تعود لها. ونظراً لكون الاختلافات الرئيسيّة قد تحددت عبر التحليلات الجينيّة عوضاً عن تحديدها عبر تحليلات الهياكل العظميّة المقارنة، لم يتمّ منح الدينيسوفيين اسم نوع جديد (إنسان دينيسوفا على سبيل المثال)، بل تمّ اعتبارهم مجموعة إنسيّة بكل بساطة. يتمّ حالياً إجراء عدد متزايد من الدراسات على أحافير إنس دينيسوفا من أجل تقرير إن كان الدينيسوفيون قد وجدوا عظمياً بالفعل ولم ندرك وجودهم بعد.

مثال: وجدت إحدى الدراسات تشابهات بين أضراس الإنسان المنتصب الموجود في موقع يعود للعصر الحديث المبكر في سانغيران في إندونيسيا، وبين الموجودة في موقع من العصر الحديث الأوسط في جوجياو في جنوبي الصين والعائدة لإنسان منتصف العصر الحديث الأوسط. لاحظت دراسة أخرى تشابهات بين أسنان الدينيسوفيين وبين تلك الموجودة في مواقع آسيا الوسطى الموجودة غرباً أكثر. ومع الاهتمام الكبير بتحديد إذا ما كان الدينيسوفيون موجودون بالفعل كهياكل عظميّة، فلن يطول الأمر قبل تحديد الصلة بين الأحافير الموجودة في كهف دينيسوفا في روسيا وبين تلك التي تعود لأصناف معروفة أكثر.

بأيّ حال، يقترح علم الجينات بأنّ مجموعة إنس دينيسوفا ربّما انتشروا في جنوب-شرق آسيا، وذلك بالاعتماد على دلائل وجود نسب مئوية قليلة من الحمض النووي للدينيسوفيين لدى سكان البشر المعاصرين الموجودين في ميلانيزيا وحتّى في شمالي أستراليا. إن صحّ ذلك، فقد يكون إنس دينيسوفا الواصلين للكهف هم مجموعة صغيرة ارتحلت أثناء بحثها عن المؤن إلى الشمال، بدلاً من كونهم جزءاً من مجموعة أكبر كانت تتنقل ناحية الشمال. تجبر مكتشفات كهف دينيسوفا علماء الإنسان القديم على تغيير رؤاهم بخصوص كيفيّة وصول المجموعات الإنسيّة المتنوعة إلى آسيا خلال العصر الحديث.

تنويه: إن الآراء الواردة في قسم «تقارير وآراء»- بما قد تحمله من أفكار ومصطلحات- لا تعبِّر دائماً عن السياسة التحريرية لصحيفة «قاسيون» وموقعها الإلكتروني