أنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية| «أساليب الإنتاج وقانون القيمة»
دومنيك ألكسندر دومنيك ألكسندر

أنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية| «أساليب الإنتاج وقانون القيمة»

(هذا المقال هو مراجعة في كتاب «دراسات في أنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية).

تعريب وإعداد: عروة درويش

ليست الماركسية مجرّد صيغة مناهضة للرأسمالية، بل هي نظرية عن الطبيعة التاريخية والاجتماعية للبشرية. فهم ماركس الرأسمالية بوصفها مرحلة تاريخية محددة، حيث ميول ودورات النشاط البشري مختلفة بشكل نوعي عن المرحلة السابقة عليها، ولكلّ مرحلة من هذه المراحل خصوصيتها. لا تمثل الرأسمالية مجرّد زيادة كميّة في التسلسل العام للنشاط البشري، مثل «الصناعة» أو «السوق». كما أنّ الماركسية لا تقبل أشكال التفكير الحتمي التي تُبنى على مجموعة عناصر واحدة، والتي تقصر فهم المجتمع من خلال اعتماده على الحجارة أو الحديد أو النفط على سبيل المثال. ولا على الميل الذي لا وساطة فيه، مثل النمو السكاني، على غرار ما نجده في النظريات المالتوسيّة.

وعليه فإنّ «نمط الإنتاج» الرأسمالي هو نظام معقد مؤلف من قوى إنتاج اجتماعية (ويشمل هذا في الرأسمالية تنظيم وتكنولوجيا الإنتاج الصناعي)، يتم التعبير عنها بعلاقات إنتاج اجتماعيّة محددة (ويشمل هذا في الرأسمالية «السوق»). يتطلب عمل قوى وعلاقات الإنتاج وجود مؤسسات ذات بنية فوقية، مثل المؤسسات السياسية، من أجل ضمان تجديد الإنتاج وفقاً للصيغة القائمة. ويعود هذا إلى أنّ الأنظمة الاجتماعية البشرية حتى الآن، هي تناقضيّة بالضرورة: «ليس تاريخ المجتمعات القائمة حتى الآن، إلّا تاريخ الصراع الطبقي».

ينصبّ تركيزنا الحالي، بوصفنا اشتراكيين، على الحاضر وعلى الصراع الطبقي في ظلّ الرأسمالية. ومع ذلك، فإنّ طبيعة الأنظمة السابقة على الرأسمالية يجب أن تحظى بأهمية خاصة بالنسبة للماركسيين. فإن كانت الرأسمالية حقّاً مجرّد مرحلة تاريخية، وإن كان التفسير الماركسي للسياسة من حيث البُنى الاقتصادية-الاجتماعية (قوى وعلاقات الإنتاج) صحيحاً، فعلى الماركسية كمنهج تاريخي، وكذلك كمنهج سياسي، أن تكون قادرة على شرح كيفيّة وصول التطور الاجتماعي إلى الرأسمالية، وأن تكون مقنعة في شرحها.

  • مراحل وأساليب الإنتاج:

إنّ عدم الاتفاق هو كبير بلا شك، ويمكن أن يبدو عصياً على مستوى أساسي، وذلك تبعاً لعدم وجود أي توافق في الآراء حول انطباق أنواع وأساليب الإنتاج المختلفة في المرحلة السابقة للرأسمالية، والتي استطاع ماركس تمييزها. قلصت النظرية التاريخية «التقليدية» التنوّع بين أساليب الإنتاج المختلفة، إلى تسلسل جامد واحد بالنسبة لكامل المجتمعات الطبقية، لتنطلق من أسلوب العبيد القديم، وتعبر إلى الإقطاع وصولاً للرأسمالية. لقد تمّ رفض هذه الصيغة منذ ذلك الحين لعدد من الأسباب، ومنها حتميتها الميكانيكية. لكنّها كانت إشكالية أيضاً لميلها نحو مسح الاختلافات الجليّة بين الكثير من المجتمعات الطبقيّة المتمايزة عن بعضها البعض والسائدة في مرحلة ما قبل الرأسمالية في مختلف القارات.

إنّ رفض الحتميّة الميكانيكية «التقليدية» لم يُضف الكثير لحلّ الجدالات القائمة. جادل بعض المؤرخين، أمثال كريس ويكهام، بأنّ السمة الوحيدة التي يمكن النظر إليها عند التفريق بين المجتمعات الطبقية ما قبل الرأسمالية، هي اعتماد هذه المجتمعات على نمط إنتاج العبيد وعلى بقيّة الأنماط، واعتمادها على العلاقة بين ملّاك الأرض ومستأجريها أو أنظمة ضرائب الدولة. ويتم في بعض الأحيان إجمال هذه الأخيرة تحت عنوان: «نمط الإنتاج الثانوي Tributary mode of production» (ويندرج تحت هذا الصنف الإقطاع في أوروبا ومعظم الدول القديمة وكامل المجتمعات الطبقية الأخرى من الهند إلى الصين على سبيل المثال).

يذهب جون هالدون وغيره أبعد من هذا، ويرون بأنّه يمكن تصور نمط إنتاج واحد فقط في المجتمعات الطبقية ما قبل الرأسمالية. سيقلل هذا الأمر العدد الكلي لأنماط الإنتاج السابقة على الاشتراكية إلى ثلاثة: مجتمع ما قبل الطبقات، ومجتمع ما قبل الطبقة الرأسمالية، والرأسمالية. لا يقبل آخرون هذا الاختزال. فأندريا زينغاريلي لديه حجّة قوية عندما يطبق «نمط الإنتاج الآسيوي» عند ماركس على حالة الدولة المصرية القديمة، والذي يتكرر أثناء المملكة القديمة والمتوسطة والجديدة. ففي هذا النظام، تحول سيادة الدولة دون تطوير الملكية الخاصة، وتُخرج نتيجة لذلك علاقات اجتماعية مميزة. بأي حال، سيردّ مؤرخون أمثال هالدون على ذلك عبر إنكار قدرة التفريق التحليلي بين الدولة وبين الملكية الخاصة، على التمييز بين أنماط الإنتاج القديمة.

  • قانون القيمة في التاريخ:

تتبنّى معظم المساهمات البارزة تركيزاً محدوداً على التحقق من مدى تطابق قانون القيمة مع اقتصادات ما قبل الرأسمالية. يبدأ أوكتافو كولومبو مع بضعة تصريحات متناقضة لماركس وإنغلز بخصوص إن كان يتم تحديد القيمة بساعات العمل التي تحكم جميع أنظمة التبادل، سواء الرأسمالي أو ما قبل الرأسمالي، أم لا. فمن وجهة نظر واحدة، وتبعاً لظروف معينة، فهو ينطبق على إنتاج الحرفيين والفلاحين على حدّ سواء، «في العالم القديم والعالم الحديث على حدّ سواء». وفي تحليل آخر، تطور السوق الرأسمالية هو وحده من يمكّن قانون القيمة من أن يسري، حيث كان وجوده في وقت سابق لذلك إمّا بمعنى نوعي، أو فقط بطرق ناقصة غير مكتملة.

يشرح كولومبو بأنّ قانون القيمة يتطلب ظروفاً معينة من أجل «ميل الأسعار للتكيّف مع القيم»، ليستمرّ بشكل متسق. ويعني ذلك أنّ قيمة سلعة محددة: (وهي مقدار وقت العمل الاجتماعي الذي أنفق فيها)، تتطلب الظروف الاجتماعية المناسبة للسعر: (وهو المبلغ الفعلي الذي يتم التبادل وفقاً له)، لتميل إلى عكس هذه القيمة أو وقت العمل الاجتماعي اللازم لها. يجب أن يكون رأس المال قادراً على التحرك بحرية بين قطاعات الإنتاج، وذلك من أجل إيجاد الاستثمار الذي يدرّ ربحاً أكبر. علاوة على ذلك، يجب أن يكون هناك اتساق واكتمال فاعلين في علاقات التبادل، وذلك من أجل تبادل السلع بانتظام وفقاً لقيم تبادل مجردة. في الواقع، قبل أن يتم إنشاء العلاقات الرأسمالية بشكل كامل، كان بالإمكان عادة تبادل إنتاج الفلاح بقيمة أقلّ من قيمة العمالة الداخلة في هذا الإنتاج، وذلك عندما كان الفلاحون يبيعون ببساطة فائضهم الخارج عن احتياجاتهم المعيشيّة. «فوفقاً لهذه الظروف، يتم منح عمالة الفلاح الفائضة للمجتمع بشكل مجاني».

الطريقة التي كانت تسير فيها الأمور هي أنّ عائلة الفلاح تنتج ما يوفّر معيشتها، لكنّها تقوم بعمل إضافي من أجل إنتاج فائض يمكن بيعه في السوق المحلية، وذلك من أجل كسب المال على شكل نقود لغايات دفع الضرائب أو الإيجار، أو حتّى من أجل الحصول على دخل إضافي صغير يزيد عن متطلبات العيش. سيكون الفلاحون في مثل هذه الظروف راغبين، أو لا يملكون خيار الرفض على الأغلب، بمبادلة فائضهم مقابل مبلغ أقل من كمية العمالة الداخلة فيه. على النقيض من ذلك، لا يمكن للرأسماليين أن يفعلوا هذا بشكل متسق يجعلهم قادرين على جني الربح. وبهذا المعنى، فقد عملت صيغ استغلال الفلاحين في مرحلة ما قبل الرأسمالية بهذه الطريقة على تثبيط ميل قانون القيمة للظهور.

هناك الكثير من الظروف الأخرى التي منعت قانون القيمة من السريان في ظلّ الإنتاج السلعي البسيط في مرحلة ما قبل الرأسمالية، وليس أقلها تقلبات الطبيعة. حيث لم يكن هناك سيطرة فاعلة تكنولوجية واجتماعية على عدم القدرة على التنبؤ بسلوك الطبيعة، ما جعل الناتج الزراعي يتأثر بشكل مستمر ليتراوح بين القحط والإفراط بالوفرة. يلاحظ كولومبو بأنّ ملّاك الأرض الإقطاعيين كانوا قادرين على استغلال هذه الظروف بطرق متعددة مكنتهم من أخذ الفائض من الفلاحين، وهو الأمر الذي ثبط من جديد عمل قانون القيمة. وهناك مشكلة أخرى هامّة أكثر عمومية، مع أنّها تختلف من مكان لآخر، تتمثل في «نقص وسائل النقل الفاعلة التي كان من شأنها أن تسمح بالتسوية النسبية بين الاختلالات المحلية أو الإقليمية». وهكذا، وفي حين أنّ العمل كان ولايزال مصدر القيمة، فإنّ قانون القيمة لم يسري بشكل متسق قبل أن تصبح السوق الرأسمالية مهيمنة بشكل فاعل على ظروف الإنتاج والتبادل في كافة المجتمعات.

ونتبيّن من خلال هذا أنّ الرأسمالية تشكل أكثر من مجرّد زيادة كمية في الإنتاج من أجل الأسواق. إضافة إلى أنّه لا يمكنها أن تظهر إلّا في اللحظة التي يصبح فيها قانون القيمة سارياً على كامل النظام الاجتماعي. يستنتج كولومبو:

«يمكن للقيمة بوصفها علاقة اجتماعية أن تعمل فقط عندما تعكس الأسعار ظروف إنتاجها، ويحدث هذا فقط عندما يحكم قانون القيمة علاقات الإنتاج. وكنتيجة لذلك، لا يمكن تطبيق صيغة عامة عن مفهوم الإنتاج السلعي البسيط، دون تأنٍ، على دراسات الاقتصاد الفلاحي في القرون الوسطى. يجب علينا أولاً أن نحدد من خلال التحليل التاريخي، الطريقة التي قولب فيها نمط الإنتاج المهيمن، الاقتصاد موضوع البحث»

وعليه فليس بالإمكان تحديد حالة إنتاج سلعي بسيط من خلال سماته الخاصة، بل عبر فهم الكيفيّة التي تمّ فيها تضمين هذه السمات داخل هذا الإنتاج. فالكلّ يحدد الأجزاء، وليس العكس.

تنويه: إن الآراء الواردة في قسم «تقارير وآراء»- بما قد تحمله من أفكار ومصطلحات- لا تعبِّر دائماً عن السياسة التحريرية لصحيفة «قاسيون» وموقعها الإلكتروني