_
أسرار الحرب العالمية الثانية| موسكو دفعت هتلر لمحاربة الولايات المتحدة؟
جاك باولز جاك باولز

أسرار الحرب العالمية الثانية| موسكو دفعت هتلر لمحاربة الولايات المتحدة؟

  • لماذا أعلن هتلر الحرب على الولايات المتحدة؟

إنّ هتلر، ورغم إدراكه أنّه خسر الحرب بعد الهجوم المعاكس الذي شنه الجيش الأحمر في الخامس من كانون الأول من عام 1941 أمام موسكو، لم يكن مستعداً للاعتراف بذلك أمام الشعب الألماني. ولهذا ألقى اللوم على الشتاء الذي أتى مبكراً وعلى تخاذل بعض القادة، واعتبر ما حدث أمام موسكو مجرّد تراجع مؤقت. وكان على الشعب الألماني، وبقيّة العالم، أن ينتظروا عاماً آخر، لما بعد كارثة الجيش الألماني في معركة ستالينغراد في شتاء 1942-1943، كي يعلموا بأنّ ألمانيا قد حكم عليها بالفشل. وهذا ما يجعل الكثير من المؤرخين اليوم يعتقدون خطأ بأنّ المدّ بدأ ينعكس عند ستالينغراد.

تعريب: عروة درويش

رغم ذلك، فقد بدا من الاستحالة الإبقاء على تداعيات الكارثة التي أصابتهم في الهزيمة أمام موسكو سرّاً. ففي 19 كانون الأول من عام 1941، رفع القنصل الألماني في بازل لرؤسائه في برلين تقريراً يقول فيه بأنّ أعضاء بعثة الصليب الأحمر السويسري (هم ورئيسهم المؤيد للنازية علناً)، والذين تمّ إرسالهم إلى جبهة الاتحاد السوفييتي من أجل إنقاذ جرحى الألمان فقط، وهو الأمر الذي يشكل خرقاً لقواعد الصليب الأحمر، قد عادوا إلى سويسرا محملين بالأخبار من هناك. وهم يقولون، رغم دهشة القنصل بالطبع، بأنّهم «لم يعودوا يعتقدون بإمكانيّة ألمانيا بالفوز بالحرب».

في السابع من كانون الأول من عام 1941، كان هتلر وأركانه في مقر قيادته في الغابات شرقي بروسيا، غير قادر على هضم الأخبار المشؤومة عن هجوم السوفييت المعاكس أمام موسكو، عندما وصلهم الخبر من الطرف الآخر من العالم بأنّ اليابانيين هاجموا الأمريكيين في بيرل هاربور. أدّى هذا إلى إعلان الولايات المتحدة الحرب على اليابان، لكن ليس على ألمانيا التي لا علاقة لها بالهجوم، والتي لم تكن مطلعة حتّى على الخطط اليابانيّة. لم يكن هتلر ملزماً بأيّ شكل من الأشكال بالمساعدة لتقديم العون لأصدقائه اليابانيين كما يدعي المؤرخون الأمريكيون. لكن رغم ذلك، وفي الحادي عشر من كانون الأول من سنة 1941، أي بعد أربعة أيام على الهجوم على بيرل هاربور، أعلن هتلر الحرب على الولايات المتحدة.

يجب أن يتمّ فهم هذا القرار غير العقلاني في ضوء الورطة التي وقع بها الألمان في الاتحاد السوفييتي. لقد خمّن هتلر بكلّ تأكيد بأنّ إشارة التضامن غير المبررة هذه سوف تحثّ حليفه الشرقي على ردّ الجميل له بإعلان الحرب على عدو الألمان: الاتحاد السوفييتي، وبهذا يجبر السوفييت الدخول في مأزق الحرب على جبهتين. لقد اعتقد هتلر بأنّه بهذه الطريقة سوف يتطهر من شبح الهزيمة في الاتحاد السوفييتي، وبعدها في الحرب عموماً، عبر استدعاء الآلة العسكريّة اليابانيّة الهائلة إلى حدود الاتحاد السوفييتي غير الحصينة في سيبيريا. وفقاً للمؤرّخ الألماني هانز غاتزكه، كان هتلر مقتنعاً بأنّه في حال عدم الانضمام لليابان في الحرب ضدّ الولايات المتحدة، فسيقضي هذا على أيّ أمل لمساعدة اليابان لهم ضدّ الاتحاد السوفييتي».

لكنّ اليابان لم تتلقّف طُعم هتلر. فرغم أنّ طوكيو كانت تمقت الاتحاد السوفييتي بدورها، فإنّ أرض الشمس المشرقة كانت الآن في حرب مع الولايات المتحدة، ولم يعد بإمكانها تحمّل ترف فتح جبهتي حرب. فقد فضّلت عوضاً عن ذلك أن تركّز كامل طاقتها في «الاستراتيجيّة الجنوبيّة»، آملاً بالنصر بالغنيمة الكبرى في جنوب-شرقي آسيا، ومن بينها إندونيسيا المليئة بالنفط. وذلك بدلاً من الشروع في مغامرة غير مأمونة في الوصول إلى سيبيريا. فقد في نهاية الحرب العالميّة الثانية، وبعد استسلام ألمانيا النازيّة، سيدخل الاتحاد السوفييتي في قتال مع اليابانيين.

ولهذا وبسبب خطأ تقدير هتلر، بات معسكر أعداء ألمانيا يضمّ بالإضافة إلى بريطانيا العظمى والاتحاد السوفييتي، الولايات المتحدة الجبارة، والتي بات من المتوقع عندها أن تظهر قواتها على الشواطئ الألمانيّة، أو على الأقل على الشواطئ الأوربيّة التي تحتلها ألمانيا، في المستقبل القريب. لقد أنزل الأمريكيون قواتهم في فرنسا، لكنّ هذا لم يحدث إلّا عام 1944، ولا يزال هذا الحدث، رغم أهميته، يقدّم إلى اليوم بشكل خاطئ على أنّه نقطة التحوّل في الحرب العالميّة الثانية. يجب على المرء أن يتساءل إن كان الأمريكيون سينزلون في النورماندي، أو حتّى سيعلنون الحرب على ألمانيا أساساً، لو لم يقم هتلر بإعلان الحرب عليهم في 11 كانون الأول 1941. ويجب كذلك علينا أن نسأل فيما إن كان هتلر سيقوم بمثل هذه الخطوة اليائسة، بل والانتحاريّة حتّى، بإعلانه الحرب على الولايات المتحدة، لو لم يكن في موقف ميؤوس منه في الاتحاد السوفييتي. وعليه فإنّ دخول الولايات المتحدة في الحرب، وهو الأمر الذي لم يكن يخطر لأحد قبل كانون الأول 1941، كان هو أيضاً أحد النتائج للفشل الألماني على أبواب موسكو. يشكّل هذا دليلاً آخر على قولنا بأنّ نقطة تحوّل الحرب حدثت في الاتحاد السوفييتي في وقت مبكر من شتاء 1941.

  • فشل النازيين بات حتمياً:

لقد كان محكوماً على ألمانيا بالفشل منذ ذلك الحين، ولكنّ الحرب لن تنتهي قبل فترة طويلة بعدها. تجاهل هتلر نصائح جنرالاته الذين شددوا بقوّة على محاولة إيجاد طريق دبلوماسي يخرج ألمانيا من الحرب، وقرر بدلاً من ذلك أن يأمل بتحقيق نصر ما بطريقة سحريّة ما. سيهدأ الهجوم المعاكس الروسي بعد ذلك، وستنجو القوات النازيّة في شتاء 194101942، وسيقوم هتلر في ربيع عام 1942 بجمع كلّ ما أمكنه من قوات للبدء في هجوم تحت اسم «العمليّة الزرقاء»، يهدف للعبور إلى حقول نفط القوقاز عبر ستالينغراد. لقد اعترف هتلر بنفسه: «إن لم نستولي على نفط مايكوب وغروزني، فعلينا عندها أن ننهي هذه الحرب».

لكنّ عنصر المفاجأة لم يعد موجوداً، وقد أثبت السوفييت قدرتهم على حشد كميات هائلة من الرجال والنفط وغيره من الموارد، وكذلك المعدات الممتازة التي صنعت بغالبها في المصانع التي تمّ إنشاؤها خلف جبال الأورال بين عامي 1939 و1941. بينما لم تتمكن القوات النازية على الطرف الآخر من تعويض خساراتها الهائلة في عام 1941. فبين 22 حزيران 1941 و31 كانون الثاني 1942، خسر الألمان ستّة آلاف طائرة وأكثر من 3200 دبابة وعربة مصفحة وليس أقل من 918 ألف رجل إمّا قتلوا أو جرحوا أو فقدوا أثناء العمليات العسكرية، لتصل خسارة القوات النازية المتواجدة هناك حتّى ذلك الحين إلى ما يعادل 28.7% من جنودها البالغ عددهم 3.2 مليون جندي. (خسرت ألمانيا بشكل إجمالي في الاتحاد السوفييتي ما لا يقل عن 10 ملايين رجل من أصل جيشها المكوّن من 13.5 مليون، إمّا قتلوا أو جرحوا أو أخذوا أسرى. وستنتهي الحرب وقد قتل السوفييت 90% من جنود الألمان).

وعليه فإنّ القوات المتاحة للتقدّم نحو حقول النفط في القوقاز كانت محدودة جداً. وفي ظلّ هذه الظروف، كان من المذهل أنّ الألمان في عام 1942 قد استطاعوا تدبّر أمر الاستمرار لكامل الفترة التي تلت ذلك. لكن عندما تلاشت قدرتهم على الهجوم بشكل حتمي في نهاية المطاف، وتحديداً في أيلول من ذات العام، كانت خطوط النازيين الضعيفة تمتدّ مئات الكيلومترات، ممّا جعلها هدفاً ممتازاً للهجوم السوفييتي. وعندما حدث هذا الهجوم، أصبح كامل الجيش الألماني محاصراً، وتمّ تدميره في نهاية المطاف في ستالينغراد. بعد ذلك النصر الهائل للجيش الأحمر، بدت حتميّة هزيمة الألمان في الحرب العالمية الثانية واضحة وجليّة للجميع حول العالم. لقد كان ذلك النصر الصغير نسبياً الذي حققه السوفييت عند هزيمة الألمان على أسوار موسكو في أواخر 1941 هو الذي مهّد الطريق لذلك النصر المثير للذهول والأكثر «وضوحاً» للسوفييت في ستالينغراد.

وليس علينا أن ننسى أيضاً الآثار غير المباشرة الأخرى لفشل النازيين بالاستيلاء على موسكو. فقد دمر الهجوم المضاد الذي قام به السوفييت السمعة التي اكتسبها الألمان في بولندا وفي غرب أوروبا بدءاً بعام 1939 بأنّهم لا يهزمون، وعزز هذا من معنويات أعداء ألمانيا في كلّ مكان. وقد ضمنت معركة موسكو كذلك أن يضطرّ الألمان لتخصيص كتلة كبيرة من جيشهم من أجل الجبهة الشرقيّة التي تمتدّ حوالي أربعة آلاف كيلومتر، وذلك لمدّة غير محددة، وهو الأمر الذي جعل البريطانيين مرتاحين لعدم قدرة النازيين على تنفيذ عمليتهم ضدّ جبل طارق على سبيل المثال، والكثير الكثير من هذه الأمثلة.

تنويه: إن الآراء الواردة في قسم «تقارير وآراء»- بما قد تحمله من أفكار ومصطلحات- لا تعبِّر دائماً عن السياسة التحريرية لصحيفة «قاسيون» وموقعها الإلكتروني