_
أسرار الحرب العالمية الثانية| بارباروسا الخاطفة ضدّ السوفييت
جاك باولز جاك باولز

أسرار الحرب العالمية الثانية| بارباروسا الخاطفة ضدّ السوفييت

كان هتلر وجنرالاته واثقين من أنّ الهجوم الخاطف الذي حضّروه ضدّ السوفييت سيكون ناجحاً مثلما حدث في «الحروب الخفيفة» ضدّ البولنديين والفرنسيين. كانوا يعتبرون الاتحاد السوفييتي: «عملاقاً بقدمين من طين»، وبأنّ جيشه بعد التطهير المفترض الذي قام به ستالين في الثلاثينيات، لم يكن «أكثر من مجرّد أضحوكة» كما صاغ هتلر هذه الكلمة بنفسه ذات مرّة. ولذلك ومن أجل الدخول في معارك حاسمة والفوز فيها، تمّ التخطيط لحملة تتراوح مدتها بين أربعة إلى ستّة أسابيع. ويمكن أن تتلوها بعض العمليات التطهيرية التي يتم فيها «ملاحقة فلول السوفييت عبر البلاد مثل حفنة من القوزاق المهزومين». كان هتلر يشعر بثقة فائقة في جميع الأوقات بهذا الأمر، وعشيّة الهجوم: «تخيّل نفسه على عتبة أعظم انتصار في حياته».

تعريب: عروة درويش

كان الخبراء العسكريون في واشنطن ولندن يظنون أيضاً بأنّ الاتحاد السوفييتي لن يكون قادراً على إبداء مقاومة شديدة في وجه الطاغوت النازي، والذي أكسبته أعماله العسكرية في 1939 و1940 سمعة أنّه لا يقهر. كانت المخابرات السريّة البريطانية مقتنعة بأنّ الاتحاد السوفييتي سوف «يتفكك خلال ثمانية أسابيع». وقد جزم المشير جون ديل، رئيس هيئة الأركان الإمبراطوريّة العامّة بأنّ الجيش النازي سوف يشرّح الجيش الأحمر «مثلما تعبر سكين حارّة في الزبدة»، وبأنّ الجيش الأحمر سوف تتم محاصرته «مثل قطيع». ووفقاً لرأي الخبراء العسكريين في واشنطن، هتلر سوف: «يسحق الروس وكأنّهم بيضة».

بدأ الهجوم الألماني في 22 حزيران 1941 في ساعات الصباح الأولى. عبر حوالي ثلاثة ملايين جنديّ ألماني، وقرابة سبعمائة ألف مناصر لألمانيا النازيّة، الحدود. وكانت معداتهم تشتمل على ستمائة ألف عربة آليّة و3648 دبابة وأكثر من 2700 طائرة وأكثر من سبعة آلاف قطعة مدفعية. حصل كلّ شيء كما كان مخطط له في بداية الأمر. تمّ إحداث فجوات هائلة في الدفاعات السوفييتية، وتمّت السيطرة على قطاعات من الأراضي بسرعة مذهلة، وتمّ قتل أو جرح أو أسر مئات آلاف الجنود من الجيش الأحمر في عدد من «معارك التطويق» المثيرة للذهول. وبعد الانتصار في معركة بجوار سمولنسك في أواخر تموز، بدا الطريق إلى موسكو مفتوحاً على مصراعيه.

بأي حال، وبعد فترة قصيرة، بدأ يتبيّن بأنّ الحرب الخاطفة في الشرق لن تكون النزهة التي توقعوها. ففي مواجهة الآلة الحربيّة الأقوى على وجه الأرض، تلقّى الجيش الأحمر خسائر كبيرة كما هو متوقع، ولكنّه وكما كشف وزير الدعاية النازي جوزيف غوبيلز في مذكراته: فبحلول الثاني من حزيران كان قد أبدى مقاومة عتيدة، وردّ بشكل قاسٍ في أكثر من مناسبة. اعترف الجنرال النازي فرانز هالدر، وهو الذي يعتبر عرّاب خطّة هجوم عملية بارباروسا، بأنّ المقاومة السوفييتية كانت أقسى من أيّ شيء واجهه الألمان في أوربا الغربيّة. وتتالت التقارير الرسميّة العسكرية عن وجود مقاومة «صعبة» و«قاسية» وحتّى «عاصفة»، متسببة بخسارات ثقيلة في الرجال والعتاد لدى الجانب الألماني. لقد تدبّر السوفييت أمر شنّ هجومات معاكسة لإبطاء الزحف الألماني أكثر ممّا كان متوقعاً بكثير. حتّى أنّ بعض الوحدات السوفييتية مضت للاختباء في المستنقعات الكبرى وغيرها من الأماكن، حيث قامت بتنظيم حرب أنصار وهددت خطّ الاتصالات الألماني الطويل وغير المحصن جيداً. وقد تبيّن كذلك بأنّ الجيش الأحمر كان مسلحاً بشكل أفضل بكثير من المتوقع. فقد كان الجنرالات الألمان «مشدوهين» بجودة الأسلحة السوفييتية مثل راجمات صواريخ الكاتيوشا (والمعروفة باسم عضو ستالين) ودبابة T-34. كان هتلر يستشيط غضباً من عدم علم مخابراته بوجود مثل هذه الأنواع من الأسلحة.

وأكثر ما أثار قلق الألمان، من ضمن الأشياء الكثيرة التي أثارته، كانت حقيقة الانسحاب المنظم والمدار بشكل ممتاز نسبياً، لتفادي التدمير الكلي عبر تطويقهم، وهو الأمر الذي حلم هتلر وجنرالاته بحدوثه. لقد بدا وأنّ السوفييت راقبوا وحللوا بحذر نجاح العمليات الخاطفة الألمانيّة في عامي 1939 و1940، وتعلموا منها درساً ثميناً. لا بدّ وأنّهم لاحظوا حشد الفرنسيين والبلجيكيين لقواتهم على الحدود، ما سهّل مهمّة آلة الحرب الألمانية في تطويقهم وتدميرهم، (والبريطانيون كذلك وقعوا في فخّ التطويق، ولكنّهم تدبروا أمر الفرار عبر دنكرك). لقد ترك السوفييت بعض القوات على الحدود بكل تأكيد، وقد عانت هذه القوات كما كان متوقعاً من الخسارات السوفييتيّة الكبرى أثناء العمليات الافتتاحيّة لعمليّة بارباروسا. لكن، وعلى النقيض من ادعاءات بعض المؤرخين أمثال ريتشارد أوفري، فإنّ كتلة الجيش الأحمر الكبرى تمّت المحافظة عليها في الخلف، ليتمّ تفادي حبسها. وكما كتب المارشال جوكوف في مذكراته: «كان ليتمّ سـحق القوات السوفييتية لو أننا نظمنا كامل دفاعاتنا عند الحدود».

وفي منتصف تموز، وحين بدأ هتلر يخسر حربه الخاطفة في الشرق، بدأ بعض القادة الألمان يظهرون قلقاً شديداً. فقد كشف الأدميرال ويلهلم كاناريس، رئيس مخابرات الجيش، في 17 تموز للجنرال فون بوك، أحد زملاءه على الجبهة، بأنّه «لا يرى شيئاً إلّا الظلام». وفي الوطن، بدأ العديد من المدنيين الألمان يشعرون بأنّ الحرب في الشرق لا تسير على ما يرام. فقد كتب فيكتور كليمبر في مذكراته في درسدن في 13 تموز: «نحن نعاني من خسائر ضخمة، وقد استخفينا بالروس». وبحلول الوقت، حتّى هتلر نفسه كان قد هجر إيمانه بتحقيق نصر سريع وسهل، وخفّض من توقعاته. لقد أعلن في تلك المرحلة عن أمله بأنّ قواته ستستطيع الوصول إلى نهر الفولغا في تشرين الأول والاستيلاء على حقول النفط في القوقاز بعد شهر من ذلك. وفي نهاية آب، بدا واضحاً أنّه يجب إلغاء عمليّة بارباروسا، فقد وصلت مذكرة رسميّة من قيادة الجيش العليا، تعترف بأنّه قد لا يكون من الممكن بعد الآن الفوز في الحرب في عام 1941.

لقد كانت المشكلة الكبرى هي حقيقة أن بارباروسا، التي بدأت في 22 حزيران، قد تمّ تخصيصها بكميات محددة من مؤن الوقود والإطارات وقطع الغيار الخ... كانت تكفي لمدّة تقارب الشهرين فقط. لقد بدا هذا الأمر ملائماً في حينه، فقد كانت التوقعات أنّه وخلال شهرين، سيكون الاتحاد السوفييتي قد ركع على قدميه وستصبح كميّة هائلة من الموارد متاحة. بأي حال، في نهاية آب لم تكن رأس حربة الجيش الألماني قريبة بأيّ شكل من الأقاليم السوفييتية البعيدة حيث يمكن الحصول على أثمن السلع العسكريّة على الإطلاق: النفط. إنّ السبب الوحيد الذي سمح للدبابات أن تستمرّ بالسير، على الرغم من بطئها، في الأراضي الشاسعة الروسيّة والأوكرانية التي تبدو بلا نهاية، فكان السبب في ذلك إلى حدّ كبير هو النفط والمطاط المستورد من الولايات المتحدة، عبر إسبانيا وفرنسا المحتلة. مثال: زادت حصّة الأمريكيين من المستوردات الألمانية للنفط خلال صيف 1941 من 44% في شهر تموز، إلى 94% في شهر أيلول.

لكنّ الآمال انتعشت من جديد في شهر أيلول، حين احتلّت القوّات الألمانيّة مدينة كييف وأمسكت ستمائة وخمسين ألف سجين، وحين حققت تقدماً في الشمال تجاه موسكو. اعتقد هتلر عندها، أو أنّه ادعى ذلك الاعتقاد، بأنّ النهاية باتت وشيكة بالنسبة للسوفييت. فقد أعلن في الثالث من تشرين الأول في خطاب عام في برلين بأنّ الجبهة الشرقيّة قد انتهت من الناحية النظرية. وبأنّه أصدر أوامره للقوات المسلحة لتطلق رصاصة الرحمة عبر شنّ عمليّة تايفون، وهي الهجوم الذي يهدف الاستيلاء على موسكو.

تنويه: إن الآراء الواردة في قسم «تقارير وآراء»- بما قد تحمله من أفكار ومصطلحات- لا تعبِّر دائماً عن السياسة التحريرية لصحيفة «قاسيون» وموقعها الإلكتروني