_
كوارث النظام الصحي الأمريكي
إيلا جيمسون إيلا جيمسون

كوارث النظام الصحي الأمريكي

استحوذ مقتل "فيليب سيمور هوفمان" و "هيث ليدجر" على العناوين الرئيسية، ولكن هناك مأساة أكبر بكثير وراء وباء المسكنات في أمريكا. تضاعف عدد الوفيات الناجمة عن المسكنات الطبية ثلاث أضعاف في السنوات العشرين الماضية، في حين أن الجرعة الزائدة من الأدوية هي الآن السبب الرئيسي للوفيات المُفاجِئة في الولايات المتحدة.

وهذه الوفيات ليست بسبب الفقر أو العصابات الإجرامية، بل هي نتيجة للنظام الصحي المختل في بلدنا. وهذا المرض بالتحديد جديد في الولايات المتحدة.

اتُخذت جميع المواد الأفيونية تقريباً كمواد رائجة تؤخذ بوصفة شرعية من طبيب شرعي. لا يتم الحصول عليها من الانترنت أو من الصيدليات أو حتى بطريقة إجرامية، بل يتم الحصول عليها من الأصدقاء والعائلة، الذين يملكونها بطريقة قانونية، وذلك بسبب ثقافة جعل استخدام المسكنات القوية أمراً طبيعياً إلى حد جعل 10.43% من الأشخاص بين 18-25 عاماً يستخدمون مسكنات الآلام بوصفة طبية.

والسؤال كيف يمكن للأطفال الوصول إلى هذه الأدوية المخدرة بسهولة؟

الإفراط في الوصفة الطبية

كيف يمكن للأطفال أن يحصلوا على ديازيبام أو الأوكسيكودون؟ هناك طريقة واحدة هي من خلال خزانة الأدوية الخاصة بوالدتهم. يبدأ الأمر بوصفة طبية شرعية، وعندما يزول الألم، تقرر الأم أنه من الضروري الاحتفاظ بكمية منها.

والحقيقة أن الأطباء يفرطون في وصفاتهم. فارتفع عدد وصفات الأدوية شبه الأفيونية من حوالي 76 مليون وصفة في عام 1991 إلى ما يقارب 207 مليون في عام 2013. والولايات المتحدة هي أكبر مستهلك على الصعيد العالمي، وهو ما يمثل 100% من إجمالي استخدام الهيدروكودون، و81% من إجمالي استخدام أوكسيكودون.

ليس كل الأطباء على خطأ، وعادةً ما يقتصر الأمر على نسبة معينة منهم. وهناك تركيز كبير على الأطباء الذين يفرطون في وصفاتهم الطبية ويعملون وحدهم دون استشارة زملائهم. والإفراط في وصف الأدوية هو أمر مسموح به من قبل النظام الصحي الغير منظم.

ولكن لماذا هم مستعدون لتوزيعها بهذا الشكل؟ فزيادة كبيرة مثل هذه ليست ناتجة عن عدد قليل من الأطباء المفرطين.

الإعلان المباشر للمستهلك

أمريكا هي واحدة من دولتين فقط في العالم تسمح بالإعلان المباشر للمستهلك في مجال الأدوية. بخلاف نيوزيلندا، التي لن ترى فيها أي إعلان بأي شكل من الأشكال لأدوية لا يمكن شراؤها إلا بوصفة طبية.

ويقوم الناس بالنتيجة بالذهاب للطبيب، بشكل خاص ليسألوه عن دواء معين. وتقوم الصناعة بالدفاع عن هذه الممارسة باعتبارها تقديماً للمعلومات. ولكن الدكتور "دي مانجين" وهو أستاذ في كلية كرايستشرش للطب والعلوم الصحية في نيوزيلندا يقول: "في الحقيقة إن الإعلان المباشر للمستهلك يستخدم لدفعه إلى الخيار وليس لتقديم المعلومات".

وكما هو الحال في أي إعلانات، يتم استخدامها لخلق الطلب على المنتج بدلاً من مساعدة المستهلكين في اتخاذ خيارات ناتجة عن الاطلاع. ويقول الدكتور "مانجين": في عصر القرارات المشتركة من المرجح أن الأطباء سوف يفعلون ما يطلبه المريض".

الإتجار بالصحة

ولماذا لا يفعل الأطباء ما يطلبه المرضى؟ لدينا نظام طبي يعتبر الرعاية الصحية كعمل تجاري. فعندما أذهب إلى الطبيب أذهب كمريض، ولكن أيضاً كزبون، والزبون هو دائماً على حق. وإذا كان الطبيب لا يعطيني ما أريد ربما سأذهب لغيره. وحتى بدون وعي قد يطغى الاهتمام المالي على الاهتمام الطبي.

يتعرض الأطباء لضغط المزودين بالأدوية. فشركات الأدوية تعمل في بيع الأدوية من خلال الأطباء وتضغط عليهم للتزويد بأدوية معينة، والتي يقومون بالإعلان عنها بشكل مباشر للمستهلكين.

فعندما خففت إدارة الأغذية والعقاقير القوانين التي تتطلب وضع قائمة كاملة بالآثار الجانبية للأدوية التي يتم الإعلان عنها للمستهلك في عام 1985، بدأت الوصفات الطبية بالارتفاع، بالإضافة إلى ازدياد حالات الوفاة المفاجئة الناجمة عن الأدوية، إذ تضاعفت ثلاث مرات منذ عام 1990. وفي عام 2013 كان هناك 43982 حالة وفاة من جرعة مفرطة من المخدرات في أمريكا، و51.8% من هذه الحالات نتجت عن المستحضرات الصيدلانية.

ثقافة الوصفة الطبية

من خلال السماح لنظام الرعاية الصحية أن يعامل الطب كتجارة، ويسمح بالإعلان المباشر للمستهلك، لن يجعل هذا فقط بعض الأدوية متاحة بل سيجعل استخدامها أمراً طبيعياً.

وبطبيعة الحال، لا يحدث هذا في أمريكا فقط بل في جميع أنحاء العالم، وفي الكثير من البلدان.