_
لماذا تبيع روسيا صواريخها لحلفاء الطرف الآخر؟
الروس يعرفون بأنّ لواشنطن تاريخ طويل من الانقلاب على أصدقائها السابقين
تعريب وإعداد: عروة درويش تعريب وإعداد: عروة درويش

لماذا تبيع روسيا صواريخها لحلفاء الطرف الآخر؟

تبيع موسكو أنظمة الدفاع الجوي S400 إلى تركيّا والسعودية. بعد الإعلان عن الأمر، تساءل أكثرنا على الفور عن سبب موافقة موسكو على بيع إحدى منظوماتها، والتي تعتبرها بمثابة الدرّة، إلى بلدان لا تربطها فيها علاقة تحالف ضعيفة وحسب، بل هي حليفة قويّة للأمريكيين.

يمكن التكهن بأنّ الإجابة وفقاً «لوجهة النظر الأطلسيّة» ستكون شيئاً من قبيل: إنّ «قبضة بوتين على السلطة» ترتجف، وبأنّ الاقتصادي الروسي في مأزق، وبأنّ الأموال تنفذ من روسيا وهي لا تملك إلّا شيئين للتصدير: السلاح والطاقة وبأنّها يائسة لتبيع أحدها، وكذلك شيء سمعناه بشكل معتاد من الناس المعتادين:
«يبدو أنّ قبضة بوتين على رسيا هي أكثر هشاشة ممّا تبدو. أحد الأسباب لذلك هو العقوبات الغربية التي تنهش وتسبب المشاكل لمجال الأعمال الروسي وللمواطنين العاديين. السبب الآخر هو اعتماد الاقتصاد الروسي بشكل كلي على الوقود الأحفوري في الوقت الذي تنخفض فيه أسعار النفط وليس من المتوقع انتعاشها في وقت قريب. وبقدر ما تعتمد شرعيّة بوتين على الازدهار، فإنّ مشاكل الاقتصاد الروسي هي مشاكل بالنسبة له».
بالنسبة لمن يجهز التقارير عن أنّ «روسيا بوتين» تبيع الأسلحة بسبب مشاكلها الاقتصادية، فإنّ «روسيا قد أعلنت فعلياً الحرب السياسيّة على الغرب، حتّى لو لم تفهم أوروبا والولايات المتحدة ذلك بعد». يعتقد هؤلاء الناس بأنّ «بوتين يحتاج كي يبقي الروسيين تحت ضغط استبداده، أن يريهم بأنّ الحريات في برلين ولندن وواشنطن ليست شيئاً يثير الغيرة». ليس هذا إلّا استمرارٌ للأوهام التي تعشش في هذه الدوائر (والتي دفعت للمشاركين فيها بسخاء) منذ سنوات، وهو ما يجعلهم مذهولين دوماً ممّا تفعله موسكو. فقبل عام على سبيل المثال: كانت بعض «أفضل العقول الأمنيّة» في «حكومات السياسيين» تقول ما اقتبسته عنها في الأعلى عن كون روسيا قد دخلت في مستنقع سوريا، وبأنّ «الوقت ليس في جانب روسيا». وكان أحدهم يقول قبل عام من ذلك بأنّ روسيا ضعيفة اقتصادياً و«هشّة» سياسياً. إنّ التعلم السطحي هو ما يميزهم جميعاً. لم تكن سوريا مستنقعاً، والروس ليسوا معزولين، وليسوا فاشلين، وقادتهم ليسوا حمقى، واقتصاد روسيا لا ينهار، والدعم الذي يحظى به فريق بوتين قوي، والعقوبات لا «تنهش»، ومبيعات الأسلحة ليست اللهاث الأخير قبل الانهيار.
وبينما يشعر هؤلاء الناس بأنّ هناك حقد وعداء فطري روسي «للحريّة»، يرى آخرون في الأمر استجابة منطقية كليّاً لسنواتٍ من توسّع الناتو ومن انتهاك واشنطن للقانون والعرف الدولي. ومن عمليات الغزو وتغيير الأنظمة المغطّاة باحتجاجات الفضيلة المنافقة. تعتقد موسكو، وبشكل منطقي كليّاً، بأنّها موجودة على لائحة أهداف واشنطن، وبرأيي أنّ تدمير ليبيا تحت قناع «حقوق الإنسان» هو الذي أقنع فريق بوتين أخيراً بأنّه من الأفضل أن يلتفتوا إلى دفاعات روسيا. كان من شأن التجربة اللاحقة في أوكرانيا وسوريا أن تعزز قرارهم. يجب النظر إلى مبيعات S400 على أنّها أحد عناصر سياسة وقائية ضدّ المزيد من الحروب الفوضويّة التي تقوم بها واشنطن-حلف الناتو والتي يجب أن تحمي نفسها منها.

إنّ مبيعات S400 في الواقع خطوة جيو-استراتيجية لها وزنها:
السؤال الأول الذي يطرح نفسه هو: ما الذي سيتم بيعه بالضبط إلى تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، وإلى السعودية، حليف الولايات المتحدة؟ أشكّ بأنّه سيكون نظام S400 كامل الاستطاعة ذاته التي تستخدمه روسيا. أولاً: تعمل شركة ألماز-أنتي الروسيّة العامّة بالفعل على النسخة التالية من السلسلة. ثانياً: سأكون متفاجئاً جداً إن لم يكونوا قد زرعوا داخل المنظومة (نظام تعرّف IFF) يمنع الإطلاق على الطائرات الروسية، ويدمّر المنظومة إن حاول أحدهم أن يتلاعب بها من الداخل. وبالنسبة لمن يقول: لن يشتري أحد منظومة فيها مثل هذه القيود، نجيب: من يمكنه أن يعلم بوجود مثل هذه القيود، وكيفيّة إبطالها، غير الصانع؟ لدينا على أيّ الحال التأكيد على هذا الكلام ما قاله مصدر عسكري لصحيفة غازيتا الروسيّة:
«لن نعطيهم أيّاً من الرموز الإلكترونيّة أو (الداخلية) وفقاً لهذه الصفقة، وستتم الخدمات التقنية عبر الروس فقط، ولن يتمكنوا (الأتراك) من الولوج إلى المنظومة».
وأيضاً:
«إنّ جميع المخاوف حول تسرّب التكنولوجيا مبالغ بها إلى حدّ كبير، وخاصّة فيما يتعلق بالصواريخ المضادّة للطائرات. حتّى لو فككوا النظام إلى آخر قطعة في محاولة لاستخلاص بعض الأسرار العسكرية، فلن يحصلوا على شيء.»
لذلك أعتقد بأنّه فيما يتعلق بمسألة مخاطرة موسكو بوقوع أسرار S400 في الأيدي الخطأ، فأنا أرى بأنّهم قد قللوا هذا الاحتمال إن لم يكونوا قد قضوا عليه تماماً.
يعتبر نظام S400 عموماً على كفاءة عالية جدّاً، حتّى عند الأخذ بالحسبان عدم استخدامه في أيّ نزاع (على حدّ علمنا). قد يكون التهديد باستخدامه هو من قلّص من عمليات طائرات التحالف الأميركي في سوريا. وقد صرّح جنرال أميركي بأنّ «تثبيت فقاعة A2/AD – منطقة إبعاد اختراق مضادّة – في سوريا هي الفقاعة الثالثة حول أوروبا». وهذه الفقاعة هي نظام محمول بالكامل، يتضمن مجموعة متنوعة من الصواريخ ومن الرادارات ومراكز الإدارة والقيادة. هناك عدد من الأشكال والتوليفات المختلفة من الأجزاء، وليس واضحاً بعد الأجزاء التي سيتمّ شرائها، مع مدى فعّال يصل حتّى 400 كلم ضدّ أهداف تشمل الصواريخ البالستيّة وصواريخ كروز وجميع أنواع الطائرات. ويمكن تتبع عدد كبير من الأهداف، والتحكّم بالكثير من الصواريخ في وقت واحد عبر مجموعة من طرق الكشف وإصدار الأوامر. وهي مثلها في ذلك مثل الكثير من المنظومات الروسيّة (والسوفياتية): نتاج أعوام من الاختبارات والتطوير والتعلّم، ولذلك فهي هائلة على الورق. وبما أنّ هناك العديد من الزبائن الذين يودّون اقتنائها، فيمكننا الافتراض بأنّها بالجودة التي يتم فيها الإعلان عنها. في النهاية، من المرجح أن تكون المنظومات التي يتم بيعها لتركيا وللسعودية، محميّة من استخدامها ضدّ القوات الجوية الروسية، ومحمية من أعين المتطفلين الذين سيحاولون الحصول على أسرارها. لكنّهم بهذه الصفقة يشترون منظومات دفاع جويّة فاعلة ضدّ الأهداف غير الروسية.
الآن، لماذا يريدون فعل ذلك؟ لأنّهم يعرفون بأنّ لواشنطن تاريخ طويل من الانقلاب على أصدقائها السابقين. لقد كان صدّام حسين مفيداً حتّى لم يعد كذلك لهم، وكذلك مانويل نورييغا، وبن لادن وشركاه، والقذافي رغم تعاونه. أن تكون عدوّ أميركا الدائم هو أقلّ خطورة من أن تكون صديقها السابق. تتفرّس أنقرة والرياض في احتمال أن يصبحا من أصدقاء أميركا القديمين. يجب أن نتذكر بأنّ أردوغان قد عزّى الانقلاب الفاشل عليه في العام الماضي إلى تأثيرات واشنطن، والرياض تتفرّس من انقلاب آخر من جهة الراعي الغربي.
باختصار: إن كانت أنقرة وواشنطن تفكران في الابتعاد عن واشنطن، فإنّ السوابق تشير إلى أنّ عليهم أن يتحضروا من أجل الأسوأ. وإذا ما استطعنا أن نتعلّم من صدام ونورييغا وبن لادن والقذافي، فإنّ الهجمات الجويّة هي التعبير العسكري الرئيسي عن استياء واشنطن. إن كان كلّ ما تملكه هو معدات دفاع جوي سوفياتية عتيقة الطراز، أو أمريكية مزودة بنظام تعرّف يمنع ضرب الأهداف الأمريكية، فسوف يصول الطيران الأمريكي ويجول دون رادع.
أمّا إن كان لديك S400 فستحظى بفرصة، أو ببديل على الأقل. ومن هنا تنبع الأهميّة الجيوسياسيّة للبيوع.
إنّ امتلاك منظومة S400 يعطي حائزها إمكانية وضع سياسة خارجية مستقلّة عن واشنطن. ولهذا فهي ليست مجرّد عملية بيع أسلحة أخرى، بل هي ربّما أداة تغيير اللعبة الجيوسياسيّة.

باتريك ارمسترون
عن «strategic-culture»

تنويه: إن الآراء الواردة في قسم «تقارير وآراء» لا تعبِّر دائماً عن السياسة التحريرية لصحيفة «قاسيون» وموقعها الإلكتروني

آخر تعديل على الأربعاء, 18 تشرين1/أكتوير 2017 12:00