_
نحن حاذقون والواقع كاذب!

نحن حاذقون والواقع كاذب!

يمكن لمن ابتلي بمتابعة سيل الهرطقات التحليلية اليومية المتعلقة بالأزمة السورية، سواء عبر الشاشات ومحلليها، أو عبر الصحف والمواقع ومستكتبيها، أن يلتقط مجموعة من الدرر الفكرية الأساسية التي يتقاطع بها «مفكرون» و»محللون»، محسوبون على النظام ومحسوبون على المعارضة… وهنا نعرض لبعضها:

 

- الولايات المتحدة، وضمن صفقة عالمية كبرى غير معلنة مع روسيا، تترك سورية لروسيا مقابل تنازلات روسية في أوكرانيا وفي الملف النووي الإيراني وفي حفظ أمن «إسرائيل».

- الولايات المتحدة تكلف روسيا بالملف السوري، لأنه لم يعد من أولوياتها، وتنصرف للعمل على ملفات أخرى أكثر أهمية بالنسبة لها؛ كالملفات المتعلقة بالشرق الأقصى.

- التوافق الجاري بين روسيا وأمريكا هو شكل من تقاسم النفوذ والتحاصص، يجري وفقه إما تقسيم سورية فعلياً، أو تقسيمها بشكل غير مباشر بين أمراء الحروب والطوائف.

الصياغة الأولى تعترف ضمناً بوجود صراع بين الطرفين الأمريكي والروسي، ولكنها تحسم المسألة بعقلية ضمنية هي: مستحيل أن تكون الولايات المتحدة قد خسرت في هذا الصراع، لا بالضربة القاضية ولا بالنقاط، مستحيل... فهي أمريكا «التي لا تقهر»، كل ما في الأمر أنها ببراغماتيتها المعروفة تنقل البيض من سلة إلى أخرى مستخدمة إحدى البلدان من الدرجة الثانية أو الثالثة؛ البلد المسماة روسيا.

الصياغة الثانية أكثر عماءً؛ فالولايات المتحدة «التي لا تقهر» أيضاً، لا تتراجع ولا تلين ولا تضعف، هي تكلف وتلقي الأوامر. وعلى الدول كبيرها وصغيرها التنفيذ والسير وفقاً للمارش الأمريكي.

كلتا الصياغتان تشتركان في التأكيد على «عظمة أمريكا» وعلى كونها شرطي العالم الأول الذي ربما يتنازل قليلاً_ وبرضاه_ هنا أو هناك، وضمن مخطط متكامل يسير سير الأقدار التي لا تتزعزع... ليس هنالك توازن دولي جديد، وليس هنالك تراجع اقتصادي وسياسي للولايات المتحدة: الدولار الذي يتعرض لمزيد من الإذلال الدولي يومياً إنما يراوغ، أوروبا التي يزداد ميلها الاستقلالي عن واشنطن تراوغ أيضاً، الصين وروسيا ودول بريكس عموماً التي تختط لنفسها وللعالم طريقاً جديداً، تعمل في حقيقة الأمر بإمرة المركز الأمريكي وتدعي غير ذلك زوراً وبهتاناً ضمن مسرحية أمريكية معدة بدقة متناهية...

كذلك هو الحال مع هؤلاء «المفكرين»؛ ميت يمسك بتلابيب الحي... إنكار فرويدي نموذجي: أبعدوا الوقائع الجديدة فليست جديدة وليست وقائع، هي الماضي نفسه يراوغ ويكذب، حتى عيوننا وآذاننا تكذب، ليس ما نراه سوى مسرحية لا يصدقها سوى الحمقى، ونحن لسنا حمقى، نحن حاذقون ولن يخدعنا أحد... 

الصياغة الثالثة: ونقضها ينتمي إلى عالم آخر كلياً، عالم مرعب تتضاعف إزاءه حالة الإنكار؛ حتى أن الحاذقين إياهم لا يكتفون بإغلاق أعينهم بإحكام في حضرته، بل ويشددون الإغلاق بتثبيت الأكف فوق العيون. وكي لا يتسرب لأسماعهم ما يعكر وسواسهم القهري الذي يتردد في جنبات جماجمهم (أمريكا، أمريكا)، فإنهم يصرخون باستمرار صراخاً هستيرياً: تحاصص تحاصص!

وإنه لسر عظيم ذاك الذي تكتنفه تلك الصرخة! فالتحاصص وإن كان وجبة مقيتة على بطون اعتادت ابتلاع_ أو المطالبة بابتلاع_ كل شيء وحدها؛ فهي أقل إيلاماً من وصفة جديدة يمليها العالم المرعب الجديد؛ الوصفة التي تعتدي عليها مفردة مكروهة مرذولة ممقوتة: الشعوب!

السلطة هي، إما للنخب، وإما للنخب (الأخرى)، وإما تحاصص بين النخب الأولى والنخب الثانية إنْ تعذر ابتلاع السلطة كلها على أحدهما؛ ولكن أن تتدخل الدهماء! أن يتدخل الرعاع! فذلكم الكفر عينه...

إنّ ذهاب سورية نحو حل سياسي حقيقي وفقاً للقرار 2254، وإضافة إلى ما يحمله من دلالات دولية كبرى، فإنّ ما يعنيه سورياً لا يقتصر على صيانة وحدة سورية واستعادة سيادتها الكاملة تدريجياً وسريعاً، بل ويعني أيضاً وضع قرار الشعب السوري في يده لأول مرة منذ أكثر من ستين عاماً، أي: منذ عام 1954 بالضبط؛ فالقرار 2254 لا يعني إبقاء النظام على حاله، كما لا يعني البتة تبديل وجوه بوجوه مع إبقاء النظام نفسه كما تريد فئة من فئات المعارضة، بل يعني فتح الباب لتغيير النظام حقاً وفعلاً.

ولذلك فليكنْ... فهذا النمط من الرعب، وهذا العالم المرعب، هو بالذات العالم الجديد. وسورية ستكون نموذجه الأول. أبقوا أكفكم فوق عيونكم، أحكموا إغلاقها، واصرخوا ملء حناجركم، لدينا عمل قبل الإفطار وبعده؛ عالم متعفن بأكمله يحتاج دفناً، عالم جديد يولد: عالم «الدهماء» و»الرعاع»... عالم الشعوب!