_
كيف خلق هذا «النظام الدولي»؟
مالك موصللي مالك موصللي

كيف خلق هذا «النظام الدولي»؟

تحت هذا العنوان العريض، يتساءل الكاتب الإسباني، مارسيلو غولو، عن الأسس التي قام عليها «النظام الدولي» الحالي من حيث تشريعاته ومنطقه. نقدّم فيما يلي عرضاً لأبرز الأفكار التي أوردها غولو في هذا السياق، لا سيما فيما يتعلق بالدور الذي لعبته أوراسيا في هذا المجال.


عندما بدأت تُتَّخذ القارات منذ حوالي خمسة قرون شكلها الحالي شيئاً فشيئاً، مضت بالتفاعل فيما بينها ببطء، وأخذت بتشكيل البذار الجنينية الأولى لما يسمى الآن بـ«النظام الدولي»، الذي يرى البعض أن السبب في تكوينه يعود إلى الرغبة في محاولة كسر السياج الناشئ في ذلك الحين، والذي هدَّد باستنزاف الممالك الصغيرة المقسمة استراتيجياً في أوروبا. حيث أطلقت البرتغال وقشتالة رحلاتها البحرية عبر المحيط الأطلسي إلى آسيا، في إشارة سياسية على الاتصال الأوراسي.

البداية مع أوراسيا
في أوروبا، كانت القبائل والممالك والإمبراطوريات على اتصال لعدة قرون، وبشكل مكثف من خلال الحرب والتجارة، ومتأثرة ببعضها البعض بطريقة أو بأخرى. ومع ذلك، كانت الإمبراطوريتان الكبيرتان، الأزتيك والإنكا - الموجودتان في الأمريكيتين - توحدان وبالقوة شعوب وألسنة عدة، وذلك حتى عام 1521 بحالة معينة، وحتى عام 1533 بحالة أخرى، ولم تكن تعاني أبداً من تأثير أوراسيا.
لم تعرف الأزتك والإنكا وجود روما والقسطنطينية ودمشق ومكة وبكين، ولم تعانيا من تأثير مراكز القوة الأوراسية. ومن خلال وصول هيرنان كورتيس إلى المكسيك وفرانسيسكو بيزارو إلى البيرو، يمكن الافتراض أن جميع الوحدات السياسية الرئيسة في العالم دمجت تقريباً في «النظام العالمي» ذاته، وبالتالي، فإن أعمال وحدة سياسية تؤثر دائماً (بشكل مباشر أو غير مباشر) في الوحدات السياسية الأخرى وبشكل كامل تقريباً، اعتمدت على درجة ضعف كل وحدة سياسية.
في تلك اللحظة التاريخية، وانطلاقاً مع المدرسة اللاهوتية الإسبانية (التي كانت تطرح الأسئلة وتحلل شرعية أو عدم شرعية غزو أمريكا لإسبانيا)، ولدت بذور القانون الدولي - بعد عملية تاريخية شاقة مع رسالة سان فرانسيسكو- التي كرست «المساواة بين الدول وحظر الحرب بينها» في عام 1845.
ومع ذلك، وطالما أن مبدأ المساواة القانونية للدول التي أعلنها القانون الدولي هي خيال قانوني موجود فقط للزينة، فعلى الصعيد الدولي، ستكون القوة هي دائماً مقياس كل شيء. فالاستراتيجيات ليست مساوية لبعضها البعض، ببساطة لأن البعض لديهم قوة أكبر من غيرهم.

الفهم السطحي لمفهوم التبعية
تبين الملاحظة البسيطة والموضوعية للسيناريو الدولي أن المساواة القانونية بين الدول هي مجرد خيال، لسبب بسيط هو أن بعض الدول تتمتع بقوة أكبر من غيرها، مما يجعل القانون الدولي شبكة تحاصر الضعفاء ولكنها تسمح للأقوياء فقط بالمرور.
وتوجد الدول بوصفها عناصر نشطة في النظام الدولي، ما دامت تملك القوة. فقط أولئك الذين لديهم القوة قادرون على بناء مصيرهم. أما أولئك الذين لا يمتلكون قوة كافية لمقاومة فرض إرادة دولة أخرى، ينتهي بهم المطاف إلى أن يكونوا أدوات لبناء التاريخ، فقط لأنهم غير قادرين على توجيه مصيرهم.
وبطبيعة النظام الدولي - حيث تحكم بطريقة أو بأخرى حالة تماثل حكم الطبيعة (حكم الغاب)- فإن الدول القوية تميل لتكون قائدة، وإلّا ستصبح تابعة، وبشكل منطقي ستكون خالية من خصائص القوة الكافية للحفاظ على استقلاليتها، وبذلك تصبح هذه الدول أتباعاً أو مرؤوسةً بين تلك الدول التي تستطيع الاحتفاظ بالجوانب الرسمية للسيادة.
منطقياً، هنالك درجات في علاقة التبعية، وهي علاقة ديناميكية وليست ثابتة. ومن المهم عدم الخلط الميكانيكي بين مفهوم الترابط الاقتصادي والتبعية. فمثلاً، تعتمد الولايات المتحدة على النفط السعودي، لكنها لا تخضع للمملكة العربية السعودية. وبدلاً من ذلك، فإن المملكة العربية السعودية، التي تعتمد عليها الولايات المتحدة اعتماداً كبيراً في إمداداتها من النفط، تخضع للولايات المتحدة. فالترابط الاقتصادي – ورغم أهميته القصوى كأرضية- لا يغير التقسيم الأساسي لـ«النظام الدولي» الحالي إلى الدول التابعة والدول الفرعية.

سيادة القانون الدولي:يوتوبيا الزمن الأمريكي
لقد كانت القوة شرطاً ضرورياً لتخفيف أو تحييد أو منع التبعية السياسية والاستغلال الاقتصادي. فبالنسبة لأية وحدة سياسية، بدءاً من الدولة اليونانية القديمة، ووصولاً إلى الدول الوطنية في العالم الحديث، فإن القوة تعتبر شرطاً لا غنى عنه، لضمان السلامة وتحييد الجشع. فثروة الدول التي لا حول لها ولا قوة تكون دائماً انتقالية، وتميل لأن تكون عابرة، لأن ثروة بعض الدول غالباً ما توقظ في الآخرين الرغبة في امتلاك ما هو لغيرهم، والرغبة تؤدي إلى السطو والسرقة والاحتيال. ومن هنا، جاء الخضوع والتبعية العسكرية والتبعية الاقتصادية أو التبعية الإيديولوجية والثقافية، والتي تعتبر الوسيلة الأكثر مثالية لاستعباد دولة أخرى، لأنها احتيال أيديولوجي، أي: خدعة أو مخطط - بنيت من خلال أيديولوجية معينة– لامتلاك ثروات الدول واستعبادها سياسياً بطريقة سلسة، دون أن يكون لديها بينة عن الوضع. ولسوء الحظ، فإن سيادة القانون الدولي كانت ولفترة تاريخية طويلة، يوتوبيا جميلة لا يمكن تحقيقها.
وكما يتضح من أمثلة تاريخية عديدة، عندما توضع المصالح الحيوية لأقوى الدول، فإن مبدأ المساواة القانونية بين الدول يصبح خيالاً لا يتعدى الأغراض الزخرفية، حيث مالت القوى العظمى إلى فرض مجالات نفوذها على المناطق التابعة لها ، أو على المحيط ككل، عند وجود توافق في الآراء بينها – وفق قواعد معينة مستوحاة من مصالحها الحيوية التي غالباً ما تكون مموهة بشكل ملائم مع المبادئ الأخلاقية والقانونية، لكن هذا ينطبق فقط على الدول التي تتناقض مصالحها ضمناً مع مصالح الدول الأصغر منها، والتي تدخل في تبعيتها.
كما أن الدول، بوصفها أطرافاً فاعلة رئيسيةً على الساحة الدولية، تكتسب طابعاً خاصاً في ظل الظروف التي تشكلت وتطورت فيها. حيث إن الانطباعات التي تلقتها الدول في مرحلة تأسيسها تؤثر بطريقة ما في سلوكها اللاحق على الساحة الدولية.

النظام الدولي: «من شحمة أذنه»
إن رغبة الدول في تحقيق القدرة على توجيه مصيرها تؤدي إلى الواقعية التحررية، حيث تقوم الدولة، استناداً إلى الوضع الفعلي، أي: التبعية، بمحاولة تغيير الواقع لبدء عملية تاريخية تتطلع في إطارها إلى اكتساب عناصر القوة اللازمة لتحقيق السيادة، وفي عملية بناء السيادة تكون المرحلة الأولى هي: «التبعية النشطة»، التي أقصد فيها أن هذه الدول تبدأ، أولاً وقبل كل شيء، في تحديد مسار التبعية، على سبيل المثال: من التبعية الذيلية للولايات المتحدة، نحو التبعية التكاملية مع الدول المستضعفة، التي تعيش في قلب المعركة لكسر الهيمنة الأمريكية، والمقصود بالتبعية في الحالة الثانية هي التبعية للمحور، وعلى نحو أدق، العضوية في هذا المحور.
في النهاية، نختم مع ما كنا قد بدأنا به، إن النظام الدولي الحالي قام عملياً بدور السياج المناهض لقيام الروابط الأوراسية، هذا ما ندعيه نحن على الأقل، وما يؤكده أنصار النظام الحالي بطريقة أو بأخرى. و«القيامة الأوراسية» التي نراها في هذه الحقبة التاريخية، متجسدة في التحالفات الكبرى العظيمة بين روسيا والصين وإيران والهند وباكستان... ولاحقاً ألمانيا واليابان... لن تقطع رأس النظام الدولي، لكنها ستمسكه من شحمة أذنه، لتضعه على المسار الصحيح الذي حاد عنه مرغماً.