الرئيس متّهم!
نجاح صاحب شعار «الانكفاء»، جاء عكس التوقعات emgn

الرئيس متّهم!

أن يتهم رئيس دولة، ومن قبل بعض أركان دولته، ومن وسائل إعلام كانت وما زالت من الناحية العملية لسان حال الدولة، أمر يدعو الى وضع اشارات استفهام عديدة، وإشغال العقل، وفهم أبعاد العملية بعيداً عن القراءات التقليدية، أو الاقتصار على إيعاز الظاهرة الى المكياج الديمقراطي الأمريكي.

اتهمت الـ «واشنطن بوست» الرئيس الامريكي دونالد ترامب، بأنه سرب معلومات تمس الامن القومي الامريكي، الى روسيا اثناء لقاءه سيرغي لافروف مؤخراً في واشنطن.. الاتهام « والمتهم بريء، حتى تثبت ادانته» حسب العرف القانوني، يمكن أن يودي بموقع «بابا إيفانكا» الرئاسي، لاسيما بعد أن انخرطت نخب أمريكية أخرى رسمية و نافذة في الحملة، ودعت علناً الى التحقيق.

ليست المرة الأولى، التي تكون فيها روسيا محور الجدل بين أوساط النخبة الامريكية، فهي التي «أثرت على نتائج الانتخابات الرئاسية الامريكية»، والعلاقة معها أودت بـ« فلين» مستشار ترامب لشؤون الامن القومي، بعد شهر واحد من استلامه هذا المنصب الحساس، واللعنة الروسية أودت برئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي، ولكن من جهة اخرى، أما الآن فـ «الرئيس» نفسه بات على لائحة الاتهام.

اتهام رئيس دولة كالولايات المتحدة، بمثل هذه التهمة قطع الشك باليقين على وجود انقسام عميق بين النخبة الامريكية، يتجاوز الانقسام التقليدي «جمهوري – ديمقراطي» المألوف فالاصطفافات ليست حزبية هذه المرة،  بل عابرة للخريطة الحزبية الامريكية المعروفة،  وخط التماس في هذا الانقسام يمر بين الإدارة الجديدة، بشعارها «الانكفاء الى الداخل» وبين قوى أخرى نافذة في الادارة والمجتمع الامريكيين، وعليه،  يمكن القول بأن الفضاء السياسي القديم الذي هيمن على المشهد السياسي الأمريكي على مدى سنوات طويلة في طريقه إلى الاضمحلال، و إن فضاء سياسياً جديداً في الولايات المتحدة قيد التشكل، وإذا اعتبرنا شعار حملة الرئيس المتهم «الانكفاء»  تعبيراً عن العقلانية، إقرار بالأمر الواقع والقبول بانتهاء عصر الاستفراد بالهيمنة، فالشعار في هذه الحالة يعتبر إحدى مقدمات أو تجليات  الفضاء السياسي الجديد الذي لم يتبلور بشكله النهائي بعد، وإن العملية برمتها، تعكس في العمق تراجعاً أمريكياً عاماً، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، بكل ما يعنيه ذلك على المستوى الدولي والداخلي الأمريكي، فهل سيكتب لها النجاح، في ظل استكلاب قوى العالم القديم في الدفاع عن سياساتها ومواقعها؟

من الواضح أن تكتيك قوى العالم القديم، قائم على إبقاء الرئيس الجديد وشعاره تحت الابتزاز، وإن غرفة عمليات الحرب على سياسة الانكفاء الى الداخل، يعمل بها كل عفاريت قوى الرأسمال المالي، وشياطينها، ليس داخل الولايات المتحدة وحدها بل على النطاق الدولي، وبالمناسبة هيلاري كلينتون بدأت بتشكيل تيار الى الإمام اسوة بالرئيس الفرنسي الجديد ماكرون؟!

يتذكر الجميع، بأن نجاح صاحب شعار «الانكفاء»، جاء عكس التوقعات، ورغم إرادة النخب المهيمنة في الإعلام والاستخبارات، ومنظومة القوة الامريكية، كأذرع لقوى رأسمال المالي، واستطاع الرجل أن يصل إلى البيت الأبيض تحت النار، وإن الرئيس السابق والجديد كلاهما تحدثا في حينه، عن  ضرورة إجراء انتقال سلمي للسلطة، والحفاظ على وحدة الولايات المتحدة، بكل ما تنطوي هاتين العبارتين من معاني ودلالات.

لا يظنن أحد هنا بأننا نعوّل على ترامب، في صياغة دور أمريكي جديد، ولكن ما نستطيع تأكيده بأن القوى التي أوصلت الرجل الى سدة البيت الأبيض، رغم إن كل عتاة رأس المال المالي وقفت ضده،  تمتلك قدراً كبيراً من القوة والنفوذ والسلطة، وستعمل جاهدة على استكمال البرنامج بوجود ترامب أو بدونه، وإن كانت العملية تستوجب وستنتج بالتأكيد انقسامات أوضح لاحقاً، والأمر الثاني الذي يمكن الجزم به، هو ان النخبة الامريكية تتجه نحو المزيد من التفكك والتفسخ وما نراه حتى الآن، هو القسم الظاهر في الصراع على تحديد كل الخيارات اللاحقة للإمبراطورية الأمريكية.

آخر تعديل على الخميس, 18 أيار 2017 08:56