_
ضمانة 2254: لا تقسيم ولا مناطق نفوذ
أحمد راتب أحمد راتب

ضمانة 2254: لا تقسيم ولا مناطق نفوذ

تنشط الأقلام والحملات الإعلامية مع كل متغير سياسي أو ميداني، أو مع أي نشاط دبلوماسي، من قبل القوى الفاعلة والمؤثرة، على مستوى الأزمة السورية، مهما كان حجم هذا التغير أو النشاط، وأياً كانوا القائمين به.

وعلى أثر الإعلان عن التوصل لاتفاق على إقامة «مناطق تخفيف التصعيد» من قبل كل من روسيا وتركيا وإيران، الضامنين لوقف الأعمال القتالية، في لقاء آستانا الأخير، بالإضافة لدعم المبعوث الدولي إلى سورية ستيفان دي مستورا، بما فيه الموقف الأمريكي المعلن من هذا الاتفاق دبلوماسياً ورسمياً، على أقل تقدير، فقد نشطت حملات الإعلام المسوقة لموضوعة تقاسم مناطق النفوذ، وما يتبعها من تعبئة مغرضة وتحريض سلبي.

التقسيم الذهني الموهوم

التحريض والتعبئة طالت فكرة مناطق تخفيف التصعيد بشكل ثانوي، ولكنها كانت موجهة إلى روسيا بشكل رئيسي ومباشر، وبقية القوى الفاعلة محلياً وإقليمياً ودولياً، مثل إيران وتركيا والحكومة السورية بدرجة أقل، وربما أمريكا من بعيد، والتركيز التحريضي والتعبوي كان حول فكرة تقسيم سورية بناء على اقتسام مناطق النفوذ بين هذه القوى، والتي لا توجد إلا بأذهان هؤلاء المحرضين والمعبئين وهماً، الذين لم يوفروا أية فرصة سابقة، كما لن يوفروها لاحقاً، من أجل المزيد من الشحن والتحريض والتعبئة، ليس من أجل المصلحة السورية، على مستوى وحدة الأرض والشعب ومآلات الحل السياسي المرتقب، بل من أجل السعي لعرقلة أي جهد يفضي إلى تعزيز وقف إطلاق النار، والمضي قدماً للوصول إلى الحل السياسي بشكله النهائي، وفقاً للقرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 2254.

كما يجب ألا يغيب عن ذهننا أن كل ذلك ليس رغبة بائسة بتعطيل الحل السياسي السوري، واستمرار الأزمة وتداعياتها فقط، بل هو أحد أشكال السعي اليائس من أجل تقويض نموذج العلاقات الدولية الجديدة، القائمة على احترام القانون الدولي وسيادة الدول ووحدة أراضيها وإرادة شعوبها، التي تخطها وتفرضها مجموعة الدول الصاعدة استناداً للتوازن الدولي الجديد الناشئ، وعلى رأسها روسيا والصين، على أنقاض التوازن الدولي القديم بعلاقاته المسيطر عليها أمريكياً، ولمصلحتها، وذلك كون الأزمة السورية قد تقاطعت زمناً مع هذه المتغيرات الدولية، ومصلحةً بالحل السياسي مع الدول الصاعدة الداعمة له، وعلى رأسها روسيا والصين.

المصلحة السورية 

بظل تقاطع المصالح

ما من شك بأن القوى أعلاه لها أدوار فاعلية متباينة على مستوى الأزمة السورية، سواء على المستوى الميداني العسكري، أو على المستوى السياسي والدبلوماسي، وسواء بشكل مباشر أو عبر الحلفاء والأتباع والأدوات، كما لا يمكن أن نغفل أن لكل منها دوافعه ومصالحه.

ولكن لعل ما يعنينا كسوريين هو مقدار تقاطع هذه الدوافع والمصالح مع مصالحنا السيادية العليا، وأهمها الحل السياسي، ووحدة الأراضي السورية والشعب السوري، والتي تم تبويبها بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2254، الذي عملت عليه وصاغته وفرضته القوى الصاعدة على مستوى التوازن الدولي الجديد، ولعل الدور الروسي بهذا المجال كان هو الأبرز على هذا المستوى، لذلك فلا غرابة أن توجه السهام والنصال الإعلامية ساعية للنيل منه، تحريفاً وتشويهاً.

الدور الروسي

فالروس، ومنذ اليوم الأول لدخولهم على خط الأزمة السورية، أعلنوا عن موقفهم في دعم العملية السياسية، والحل السياسي، وبأن لا حل سواه، كما أعلنوا عن موقفهم على مستوى مكافحة الإرهاب، كما دعوا الأمريكان وغيرهم، للتنسيق والعمل المشترك على هذين المحورين.

كما أن الروس، لهم تاريخ إيجابي في علاقتهم مع الشعب السوري، وهو ما يتم العمل استناداً إليه في الأزمة العاصفة بسورية حالياً، حيث تتم ترجمة حسن العلاقة والإيجابية تلك مع كل القوى السورية الفاعلة، دبلوماسياً وسياسياً وعسكرياً، من أجل حقن الدماء، ووقف الكارثة الإنسانية، وتعزيز الحل السياسي، وصولاً لتنفيذ القرار الدولي 2254، الذي يصون السيادة الوطنية أرضاً وشعباً، ويفسح المجال واسعاً أمام إرادة الشعب السوري في أن يقرر مصيره ومستقبله، دون وصاية أو إملاء.

المصلحة الروسية

أما على مستوى المصالح، وبعيداً عما يشاع عن مصالح اقتصادية أو استعمارية، وغيرها من البدع الإعلامية التي لا أساس لها من الصحة أو الدقة، كما ليس لها أي معطى موضوعي؛ لا بد من الإشارة إلى أن للروس مصلحة حقيقية ومباشرة وهامة لا يمكن إغفالها أو تجاهلها، من خلال ممارستها لهذا الدور على مستوى الأزمة السورية ومآلاتها، فالأمر لا يقتصر بالنسبة للروس على موضوعة التوازن الدولي الجديد، ودور القوى الصاعدة فيه فقط، فهذا الأمر يمضي بكل سلاسة، وله عوامله الذاتية والموضوعية التي تعززه وتقوي من فاعليته، عمقاً وانتشاراً.

لكن المحيط الجيوسياسي بروسيا هو عامل التأثير الحيوي والمتبادل الأهم، مرحلياً واستراتيجياً، وبالتالي، فإن من المصلحة السيادية لروسيا أن يكون هذا المحيط مستقراً، كما أن يكون هذا الاستقرار مستداماً، لذلك فلا غرابة أن تقوم بكل جهدها من أجل دعم الحل السياسي في سورية، وتفويت الفرصة أمام مشعلي الحرائق من المروجين للحلول العسكرية، بالإضافة لدورها على مستوى نزع كل الألغام الحالية والمستقبلية التي يسعى البعض لزرعها الآن، اعتباراً من محاولات العرقلة لهذا الحل، مروراً بمساعي خلط أوراق الفصائل المسلحة بين المعتدل والارهابي، وصولاً لدعوات تعزيز الانقسام الاثني، دينياً ومذهبياً وقومياً وغيرها، التي يتم العمل عليها من قبل بعض القوى الفاعلة والمؤثرة وأدواتها، بكل يأس واحباط متتالي.

لذلك، فقد كان القرار 2254 هو القرار الذي يحقق الحل السياسي ويصون وحدة الأرض والشعب، ويفسح الأفق للاستقرار المستدام في سورية، وهو ما تتمسَّك به روسيا وتسعى لتحقيقه، بالتعاون والتنسيق مع كل القوى الوطنية السورية، عبر المظلة الدولية المتمثلة بجنيف، ومن خلال مسار آستانا الداعم له، مع السعي الجاد من أجل توسيع قاعدة الدعم الدولي على المستوى التنفيذي لهذا القرار، سياسياً وعسكرياً.

ولعلنا لا نبالغ بالقول بأن القرار 2254 هو تعبير مكثف عن المصلحة الوطنية في تقاطعها مع مصالح الآخرين، فمن يجد مصلحته استناداً إليه، من القوى والدول الفاعلة، فأهلاً وسهلاً، ومن لم يرغب فلا مصلحة وطنية معه.

مطفئ الحرائق

ولعله من الجلي كذلك الأمر الدور الروسي على مستوى إطفاء الحرائق بهذا المحيط الجيوسياسي، والتي أسست لها أمريكا وحلفائها عبر التوازن الدولي البائد، وتعمل عليها أدواتها حتى الآن، بشكل مباشر أو غير مباشر، من أوكرانيا إلى أفغانستان وتركيا والعراق، وصولاً لليبيا، وربما إلى اليمن في قادم الأيام من كل بد، وكل ذلك يمثل مصلحة حقيقية ومباشرة لروسيا، ولسيادتها كذلك الأمر أرضاً وشعباً، كما يتوافق مع دورها على مستوى التوازن الدولي الجديد، التي تعتبر أحد أركانه الفاعلة والأساسية.

وبالنتيجة يمكننا القول: من لم يدرك ذلك، فها قد بلغنا، أما من يتعمَّد إغفال هذه الحقائق، وتحريفها وتشويهها، أو يقوم بالتحريض والتعبئة لتزييف هذه الحقائق بغرض الاستثمار المبتذل في غير مكانه، فهؤلاء هم أدوات وأذرع عدم الاستقرار، ليس في سورية على مستوى الحل السياسي القادم لا محالة فقط، بل وفي المنطقة والعالم ككل، ولن يكون مصير هؤلاء بالمحصلة إلا بقايا الجمر المنطفئ احتراقاً في بقايا نار التوازن الدولي القديم المندثر رماداً.