كوابح أمريكية سعودية للدور المصري

يعيش المصريون حرباً على الجبهة الداخلية اقتصادياً وأمنياً، بالتداخل مع حرب أخرى على مستوى العلاقات الإقليمية والدولية، وتحديداً العلاقة مع واشنطن وحلفائها الإقليميين كالسعودية، التي حاولت في الأشهر القليلة الماضية، الضغط بقوة على مصر، من بوابة المعونات الاقتصادية المالية منها والنفطية، لاستدعاء بعض المواقف السياسية المرضية للجانب السعودي...

مرت العلاقات المصرية السعودية خلال الفترة الماضية بفترات متواترة بين التشنج و«التناغم»، كانت الخلاصة منها أنّ مصر غير قادرة، موضوعياً، على الالتحاق الكامل والناجز بالمواقف السعودية على الصعيد الدولي والإقليمي، وحتى الداخلي المصري، فيما يبدو بالمقابل أن قراراً مصرياً ناجزاً باتجاه الحسم مع السعودية لم يُتّخَذ...

 

عِناد مصري - تراجع سعودي

بلغت ذروة التصعيد في المواقف، بعد تصويت مصر لصالح مشروع قرار روسي في مجلس الأمن يدعو إلى اعتماد مبادرة دي مستورا كقرار دولي، حيث وصف المندوب السعودي لدى الأمم المتحدة الموقف المصري بـ«المؤلم».

أما الرد السعودي، فجاء سريعاً بإيقاف شحنات «أرامكو» النفطية المتفق عليها مع مصر، ليبعث برسالة إلى السلطة في مصر بعدم الرضى عن تحركات مصر الإقليمية، لكن مصر المعتادة على تحمل الضغوط الاقتصادية الأمريكية بعد إسقاط حكم «الإخوان المسلمين»، اتجهت لتعزيز علاقاتها مع روسيا، وقبلت المواجهة مع السعودية بالإمكانات المتاحة، وأعادت إلى الواجهة مسألة جزيرتي تيران وصنافير، ليعلن رئيس المحكمة الإدارية العليا، أحمد الشاذلي، أن «سيادة مصر على جزيرتي تيران وصنافير مقطوع بها».

هذه المرحلة التي شهدت توتر العلاقات المصرية مع السعودية، استغلتها قوى الفساد النافذة في الداخل المصري، بالضغط على الجنيه، وهو ما تمت «معالجته» بطريقة فادحة تمثلت في تحرير الجنيه، لتضع الجبهة الداخلية في مصر بمأزق حقيقي، بعد رفع الدعم عن أغلب المواد الأساسية، وإجبار الحكومة المصرية على تنفيذ معظم توصيات صندوق النقد الدولي بغية الحصول قرض بقيمة 12 مليار دولار.

حتى تلك اللحظة العصيبة، لم تعمل مصر على إعادة الدفء للعلاقات مع السعودية لإزاحة جزء من المصاعب الاقتصادية عن كاهلها، واستمرت في «تجاهل السعودية»، بتوقيع اتفاقية إمداد للنفط تبلغ 2 مليون برميل نفط خام شهرياً من الكويت.

هذا الإيجاز لمرحلة بدأت نهاية العام الماضي، يؤكد أن موضوع الخلاف بين الجانبين هو موضوع يمس الأمن القومي لمصر، لا سيما موقفها من الملفات الإقليمية، سواء الملف السوري الذي تعتبر مصر حله بالطريقة السلمية جزءاً من أمنها الإقليمي، أو في محاولات التقارب مع تركيا التي ضغطت السعودية في اتجاهه في مرحلة من المراحل.

وبالتزامن مع القناعة بموقف الإدارة الأمريكية الجديدة حيال ملفات المنطقة، عملت السعودية على إعادة التطبيع مع مصر من بوابة شحنات «أرامكو» النفطية مجدداً، فيما أصدرت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة قراراً ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية التي تضمن الإبقاء على الجزيرتين تحت السيادة المصرية، وهو ما أثار احتجاجاً صريحاً في الأوساط الشعبية بعد هذا القرار.

 

سياسة الاحتواء الأمريكي

بعد لقاء الملك سلمان بن عبد العزيز مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والإعلان عن لقاء مرتقب بين وزيري خارجية البلدين، يبدو أن السعودية تحاول سريعاً احتواء التصعيد الأخير بين البلدين، ولا تبدي مصر أية ممانعة واضحة لاستعادة العلاقات مع السعودية، بل إن إبطال حكم المحكمة العليا المصرية، فيما يخص الجزر المتنازع عليها بهذه السرعة، يؤكد أيضاً على إرادة مصرية رسمية في استعادة العلاقات إلى ما كانت عليه منذ العام 2013 وحتى نهايات العام الماضي.

وفي الوقت ذاته، أظهرت زيارة السيسي إلى واشنطن هذا الشهر، «تقارباً» مصرياً - أمريكياً فيما يخص قضايا مكافحة الإرهاب، وتأكيداً على التعاون بين البلدين في المجالات العسكرية والاقتصادية، ولن نقف طويلاً عند مضمون الزيارة التي لم تُظْهِر سوى النوايا الحسنة لاستعادة العلاقات الأمريكية - المصرية، لكنها تؤكد مبدئياً على تعزيز سياسات الاحتواء الأمريكي، ومن خلفه السعودي، للدور المصري في المنطقة، لكن، ما الذي تستطيع واشنطن والرياض حيازته من الجانب المصري؟

 

واشنطن - الرياض أكثر عوزاً؟

لا تتردد مصر في إعادة علاقاتها مع السعودية وواشنطن من أقصر الطرق، وهذا يعود إلى المرحلة الصعبة التي مرَّت بها مصر في المرحلة الأخيرة، والتي كانت تهدد فعلياً بانفجار اجتماعي غير محسوب النتائج، وهو ما زال قائماً حتى اليوم، في ظل الصراع الدائر داخل أروقة جهاز الدولة المصري، الذي يملك أدوات الضغط على القرار السياسي المصري، وهي المعركة التي تشهد على ما يبدو إنجازات جيدةً من جانب قوى معينة داخل جهاز الدولة، كإقامة المشروعات الكبرى ذات الطابع السيادي، ومنها قناة السويس الجديدة، أو فيما يخص الإقالات والتعيينات في الطوابق العليا من جهاز الاستخبارات المصري، في الوقت الذي ضربت فيه قوى الفساد مؤخراً بضغطها على الجنيه المصري اتجاه تحريره، والقبول بشروط صندوق النقد الدولي، وتعكير صفو العلاقات المصرية- الروسية، من بوابة الاختراقات على الخطوط الجوية المصرية.

هذه الخطوط العريضة، وغيرها الكثير من المعارك الداخلية، هي فقط إشارة إلى حجم التعقيدات داخل جهاز الدولة المصري. ومن هنا، يبدو أن القيادة السياسية في مصر تريد الاستفادة قدر المستطاع من علاقاتها الخارجية بتنوعها، بغية إعادة وزن المعركة إلى الداخل المصري، لكن الثمن المدفوع مصرياً لاستعادة هذه العلاقات، بالتخلي عن جزيرتي تيران وصنافير مجدداً للسعوديين، يبدو باهظاً وغير مساعد على تجميع القوى الاجتماعية خلف القرار السياسي المصري، بعد الخيبة التي أصابت الشارع المصري بهذا القرار.

من جهتها، فإن واشنطن وحلفاءها الإقليميين، وبمنطق الاحتواء الذي تسعى إليه، تحاول كبح التطور الحاصل في العلاقات المصرية- الروسية أولاً، سواء فيما يخص الملف السوري، أو فيما يخص التنسيق بين الجانبين في الملف الليبي، والذي يزداد بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة، وهو أكثر ما تطمح إليه الإدارة الأمريكية في المرحلة الحالية، حيث إن الجانب المصري يرى في الملفين السوري والليبي ملفات تمس مباشرةً الأمن القومي المصري، الذي تدرك واشنطن تمترس القاهرة في موقفها اتجاه هذين الملفين.

تمت قرائته 431 مرة