_
«روسيا - الناتو»: هل ثمة طريق بعيد عن الهاوية؟
فيان بتروسوب فيان بتروسوب

«روسيا - الناتو»: هل ثمة طريق بعيد عن الهاوية؟

بعد فشل اجتماع مجلس «روسيا- الناتو» أواخر الشهر الماضي، كان من الصعب إقناع أحد بأن الأمور لن تزداد سوءاً، على الرغم من أن الغرب أظهر أنه لن يغلق قنوات الاتصالات، ومع ذلك، فمع تزايد قوة حلف شمال الأطلسي على الحدود الغربية لروسيا، فإن التوترات المتصاعدة ستسهم في مستقبل غير آمن. فهل يمكن إيجاد طريق آمن وبعيد عن حافة الهاوية؟

 إعداد: رنا مقداد

عقد الاجتماع بين «روسيا وحلف شمال الأطلسي» وسط جو من العداء المتزايد والريبة المتبادلة، البعض يطلق على هذه الأجواء «الحرب الباردة»، لكن البعض الآخر قلق بشأن التوترات المتزايدة التي قد تؤدي إلى مواجهة كاملة في القارة الأوروبية، لا سيما مع ظهور بوادر التفكك داخل أوروبا.

 

نظرة على الانتشار العسكري المستفز

ليس من المفاجئ أن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، جين ستولتنبرغ، قال: إن المحادثات كانت «طويلةً» و«بناءةً»، وهي عبارات دبلوماسية تعني العكس تماماً. إذ أنّ تقييمه الرسمي لا يعكس مضمون الاجتماع القصير، لأن تبادل المعلومات لم يسفر عن أية اختراقات، لكن بمجرد أن «الناتو وروسيا» لا يزالان يتكلمان مع بعضهما البعض فالأمر إيجابي.

ويأتي هذا على الرغم من التحذير القوي من قبل موسكو، الذي عبَّر عنه وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بأنه لن يكون هنالك «مزيد من العمل كالمعتاد» مع الغرب. لذلك، لدينا سبب وجيه لتنفس الصعداء، أليس كذلك؟ حلف الناتو يستعد للحرب على مدى السنوات العديدة الماضية، وتشعر موسكو بالقلق إزاء ما يلي: يعزز الناتو بنيته التحتية العسكرية، وينشر أسلحةً متطورةً قادرةً على إطلاق الرؤوس الحربية النووية، ويعزز قواته على طول الحدود الغربية لروسيا. ومن المقرر أن ترسل قوات إضافيةً من الناتو إلى بولندا ولاتفيا وليتوانيا واستونيا ورومانيا وبلغاريا، وتتمركز قوة بحرية تابعة للناتو في البحر الاسود، بما في ذلك السفن الحربية من الدول غير الساحلية مثل بولندا وألمانيا وإسبانيا.

وفي كانون الثاني، نزلت فرقة اللواء المدرعة الثالثة، التابعة لفرقة المشاة الرابعة في ميناء بريمرهافن الألماني. وقد قام الجنود جميعهم، والبالغ عددهم 3000 جندي و2600 قطعة من المعدات، بما في ذلك 87 دبابةً و 18 مدفع هتوتزر ذاتية الدفع من طراز بالادين، و 144 مركبةً قتاليةً من طراز برادلي، بإطلاق رحلة دعائية عبر أوروبا إلى غرب بولندا. وأيضاً في كانون الثاني، قام لواء الدبابات المدرع M1A2 بالتمركز في سويتوزو في بولندا، وفي شباط، أجرى الجنود الأمريكيون التدريب في المناطق الحضرية في منطقة التدريب غايزيوناي في ليتوانيا.

وكذلك في آذار، شملت تدريبات الناتو نحو 2،770 مشاركاً من 12 دولةً من حلف شمال الأطلسي، لاختبار الاتصالات بين أعضاء التحالف، أثناء التدريبات الحية مع مدافع الهاوتزر في منطقة تدريب غرافينووهر في ألمانيا. 

 

ليس لدى موسكو خيارٌ إلا التحضير

إن مجرد إلقاء نظرة على خريطة «الأحداث العسكرية الأمريكية الأخيرة في أوروبا» على موقع وزارة الدفاع الأمريكية على شبكة الإنترنت، تبيِّن أن ما يقرب من ثلاثة من أصل أربعة مناورات عسكرية جرت في أوروبا الشرقية، وفي حالة دول البلطيق، على مقربة من الحدود الروسية.

وفي المجموع، يعتزم حلف شمال الأطلسي إنجاز 28 مناورةً عسكريةً مشتركةً على طول حدود روسيا في عام 2017، والتي تشمل 60000 من أفراد قوات الحلف الأطلسي. أما أحد الأهداف الرئيسة، التي أوضحها اللواء دوان غامبل من قيادة مسرح العمليات الحادي والعشرين، هو إعداد الفريق القتالي ليكون جاهزاً للتدريبات في غضون 72 ساعةً، والتي هي في الواقع الاستعدادات للقتال الحقيقي.

وبما أن العقيدة العسكرية الأميركية تعتبر روسيا العدو الجيوسياسي رقم واحد، فإن مجموعات مختلفة من السياسيين الأميركيين تنغمس في الخطاب العدواني ضد بلد يعتبرونه «وريثاً واضحاً لروسيا السوفييتية»، وبالتالي، ليس لدى موسكو خيار آخر سوى تقييم هذه التطورات، باعتبارها التهديد الأمني الأكثر حدةً منذ نهاية الحرب الباردة.

 

أوكرانيا نقطة صراع

كشف مجلس روسيا والناتو، كما قال ستولتنبرغ، عن وجود «خلافات واضحة» حول ما يحدث في أوكرانيا، وما يجب القيام به هناك. و«حثّ» الأمين العام للناتو موسكو «على استخدام نفوذها الهام على المسلحين» في شرق أوكرانيا، لضمان عدم انتهاك الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقيات «مينسك».

كان يمكن للمرء أن يتوقع مع نسبة عالية من اليقين بأن الجانبين لن يتوافقا على الأسباب الجذرية للحرب الدائرة في أوكرانيا، وكذلك حول كيفية التفكك البطيء لذلك البلد الذي كان قوياً ومزدهراً. ولسوء الحظ، فالاحتمال ضئيل، بأن يخفف حلف شمال الأطلسي من موقفه المتشدد إزاء الأزمة الأوكرانية. لماذا؟ يعتقد العديد من الاستراتيجيين في موسكو بأن الناتو يتبع فلسفةً وأوامر فصيل نيوكون المتطرف في إدارتي بوش وأوباما، والذي كان حريصاً على الانغماس في التحركات الاستفزازية وغير المسؤولة في أوكرانيا.

هنالك شكوك مزعجة بأن أعداداً كبيرةً من أفراد الجيش والمخابرات الأمريكيين كانوا بين القوات المسلحة الأوكرانية، التي شنت الهجوم على جمهوريتي دونتسك ولوغانسك في صيف عام 2014، والتي بطبيعة الأحوال لم تكن هناك فقط لجمع المعلومات. وحتى الأجزاء الأوكرانية التي كانت مع أوهام ما حدث في كييف في فبراير 2014 تدرك أن من قاد البلاد ضلل وخان تطلعات الشعب، ولكن الغرب والناتو، سوف يستمرون على الأرجح في النظر لروسيا على أنها أداة وسبب للإزعاج.

 

الهستيريا المضادة للروس

إن المخاطر الأمنية المتعلقة بتموضع «الناتو» وتقدمه إلى حدود روسيا، سواء كانت حقيقيةً أو متصورةً، ستجبر الكرملين على اتخاذ تدابير وقائية، وتعزيز الرد القادر على إلحاق أضرار غير متوقعة على التحالف العسكري الغربي، وروسيا يمكن أن تعتمد اعتماداً كبيراً على ردعها النووي.

إذا استمرت الهستيريا الحالية المناهضة للروس، في الانتشار الفيروسي بين قوات الأطلسي، فإن الوضع على الأرض، سوف يتطور دائماً من سيء إلى أسوأ. وبالتالي، فإن القارة الأوروبية لن تشبه على نحو متزايد الحضارة الفريدة، بل هي ستكون مسرحاً للحرب المحتملة، التي كانت بالطبع موضوعاً متكرراً في التاريخ الأوروبي لفترة طويلة جداً. ألم يحن الوقت لوقف وعكس هذا الاتجاه؟