الغرب المتراجع وتركيا التائهة!

تشهد العلاقات التركية الأوربية مجدداً المزيد من التوتر، انعكس بشكل ملموس بالتراشق الإعلامي بين الساسة والدبلوماسيين الأتراك والعديد من الدول الأوربية المركزية، والاتهامات المتبادلة التي تكشف تصدعاً عميقاً ليس في العلاقات البينية فقط، بل أيضاً تكشف عن انقسامات حادة تشهدها المنظومة الغربية المهيمنة في العلاقات الدولية، وتحديداً مؤسسة الناتو، بعد أن أصبح الانضمام التركي إلى الاتحاد الأوربي أمراً في حكم الماضي، إذا لم نقل أن الاتحاد بحد ذاته بات قاب قوسين أو أدنى من التفكك.

 

إن هذا التصدع يعبر عن عدة حقائق:

أولاً: تراجع المنظومة، ليس بمؤسساتها التقليدية، الأطلسي – الاتحاد الأوربي...فقط بل طبيعتها الاقتصادية – الاجتماعية ووصول خياراتها السياسية إلى طريق مسدود، وعجزها عن بناء علاقة نِدّية تقوم على الاحترام المتبادل بين الدول، ليس مع دول العالم فقط بل بين بعضها البعض أيضاً.

ثانياً: إن هذا التصدع يفتح الطريق على تصحيح التشوه الجيني التاريخي في منظومة علاقات تركية الدولية، ففي الوقت التي تنتمي إلى الفضاء السياسي الجغرافي المشرقي، ثقافياً واقتصادياً، عاشت حالة تبعية مزمنة وشبه تامة للمركز الرأسمالي الغربي، واليوم في ظل احتدام التناقضات بين عناصر البنية الرأسمالية، بعد بدء مرحلة الانكفاء إلى الداخل أمريكياً، تمر تركيا بمرحلة انتقالية سِمتها الأساسية عدم القدرة على حسم الخيارات. 

ثالثاً: إن استمرار هذه الحالة لدى النخبة الحاكمة، يضع تركيا على مفترق طرق تاريخي، وربما يهددها في وجودها ككيان جغرافي سياسي، بكل ما ينطوي ذلك من مخاطر على عموم الوضع الإقليمي والدولي.

رابعاً: إن الخيار الواقعي الوحيد الذي ستخرج بموجبه تركيا من حالة الضياع الراهنة، هو الإسراع إلى البحث عن علاقات متطورة مع  المنظومة البديلة قيد التشكل في العلاقات الدولية – البريكس – وحل جملة تناقضاتها الداخلية، وخصوصاً القضية الكردية، والكف عن الخيارات المجنونة التي عملت عليها النخبة التركية الحاكمة، وخصوصاً ما يتعلق بالأزمة السورية، والإسراع في عملية الحل السياسي.

 

خامساً: إن الاستمرار في محاولة اللعب على تناقضات التوازن الدولي الجديد، ومحاولة البحث عن دور على هوامش هذه التناقضات، هي أكثر السيناريوهات بؤساً وخطراً ليس على تركيا فقط بل على عموم الوضع الإقليمي.

تمت قرائته 1210 مرة