باسل الأعرج: رسول الاشتباك الآتي

ارتقى الشاب باسل الأعرج شهيداً برصاص الكيان الصهيوني، بعد عام من ملاحقته هو ورفاقه بتهمة  «محاولة تنفيذ عملية ضد «إسرائيل»، تلك التهمة التي سبق وأن أودت بالأعرج وخمسة من رفاقه إلى سجون السلطة الفلسطينية في رام الله، نهاية آذار/2016...



المتحدثة باسم جيش كيان الاحتلال، قالت: إن الأعرج فتح النار على جنود قدموا إلى منزله لتوقيفه، فردوا بإطلاق النار عليه وقتله، ذلك في مدينة البيرة قرب رام الله، لكن شهادات المدنيين التي أكدت استخدام الوحدات المقتحمة لمنزل الشهيد لمئات الأعيرة النارية، والشظايا تؤكد نوايا الاغتيال، وليس الاعتقال كما تدعيه سلطة الاحتلال...

بطاقة الشهيد
الشهيد باسل الأعرج، من أبناء قرية الولجة قرب بيت لحم المحتلة، ولد فيها بتاريخ 26/1/1984، تخرج من كلية الصيدلة في مصر، ساهم في تأسيس نواة الحراك الشعبي الشبابي في الضفة الغربية، وشارك في المظاهرات الشعبية الداعمة لمقاطعة كيان الاحتلال، ومن أبرزها الاحتجاجات على زيارة وزير الحرب السابق في حكومة العدو، شاؤول موفاز، إلى الضفة في 2012، حيث تعرض للضرب من أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، وأصيب على إثرها بجروح.

من جهة أخرى، عمل الأعرج في مشروع لتوثيق أهم مراحل الثورة الفلسطينية منذ ثلاثينات القرن الماضي ضد الاحتلال البريطاني، وصولاً للمراحل المتقدمة من الاحتلال الصهيوني، وعمل على تنظيم رحلات ميدانية لمجموعات شبابية متنوعة إلى مناطق لها دلالات متعلقة بمحطات من الثورة الفلسطينية، مثل: نموذج ريف جنين، في المقاومة قديماً وحديثاً، وأهم عمليات المقاومة الحديثة عام 2002 في مدينة الخليل.
واحدة من العلامات اللافتة في حياة الأعرج، هي: تلك المتعلقة بشخصه، كشابٍ ضِفاوي مثقف لم يقع في شباك استثمار ثقافته في مصلحة المطبعين والمتخاذلين، ورواد الحالة الفصائلية الانقسامية في الداخل المحتل، ولم يقع كذلك فريسة احتواء منظمات الـNGOs التي بات تعدادها عصياً في الأراضي المحتلة، وظل رافعاً شعار «جاي جاي الاشتباك».

بين أيدي السلطة الفلسطينية
اعتقلت أجهزة أمن السلطة الفلسطينية الشهيد الأعرج مع ثلاثة من رفاقه في أوائل نيسان من العام الماضي، وقالت أن الشبان الثلاثة المعتقلين لديها ضبطوا وبحوزتهم أسلحة ومواد قتالية، وأن المؤشرات الأولية تدل على أنهم كانوا بصدد تنفيذ هجمات ضد أهداف «إسرائيلية».
خاض الشهيد الأعرج منذ ذلك الحين إضراباً مفتوحاً عن الطعام هو ورفاقه بالتزامن مع حملة شبابية في الضفة للإفراج عنه، مما أدى إلى الإفراج عنهم بعد 6 أشهر من الاعتقال، لكنه اختفى عن الأنظار إثر مطاردة جيش العدو له بغية اعتقاله مجدداً، وبقي مختفياً عن الأنظار حتى موعد استشهاده في مدينة البيرة قرب رام الله.

الوضع الذي مر به الأعرج، بين مرحلة الإفراج عنه من قبل السلطة الفلسطينية، ولحظة استشهاده في قلب الأراضي التي تحكم فيها سلطة أوسلو، وضع مسألة التنسيق الأمني مجدداً بين السلطة الفلسطينية واستخبارات الاحتلال تحت ضغط الرافضين له من أبناء الشعب الفلسطيني، الذين شاهدوا قوات الاحتلال تغتال أحد أبنائهم وتصيب اثنين من المواطنين أيضاً بأعيرة نارية أثناء تغطية جيش الاحتلال للقوات المداهمة، تلاها «التنديد» الخجول من قبل السلطة التي تمجد «ثمار التنسيق الأمني» حتى اليوم، وسط هذا النوع من عمليات الاغتيال والاستيطان الذي يمارسه كيان الاحتلال، إذاً كيف تنظر السلطة إلى عيون أهالي الضفة، بتنسيقها الأمني؟ وإن كان هذا التنسيق مثار الفخر لإنجازات السلطة في أوسلو وما تبعها، فكيف يتم اغتيال أحد أبناء الحراك الشعبي في الضفة الغربية؟ هنا يمكن تحليل نموذج الشهيد باسل الأعرج ورفاقه، بمعانيها السياسية انطلاقاً من ثلاث نقاط أساسية:

الحراك الشبابي في الضفة
في الوقت الذي تدأب فيه السلطة في رام الله على محاولة إثبات صواب نهج أوسلو في حل قضية الشعب الفلسطيني، وضمن معطيات متكررة ومشهودة لفشل هذا النهج في تحصيل حتى ما تم الاتفاق عليه في أوسلو بأسوأ الأحوال بالنسبة لمطالب هذه السلطة، كان من الطبيعي أن تنشأ حركات سياسية تعلن رفضها لنموذج أوسلو وتسعى لتكوين نواتات مشاريع سياسية خارج النمط الذي أثبت فشله، كضرورة تفرضها حاجة الشعب الفلسطيني لتحصيل حقوقه، ومن هنا، كان الحراك الشبابي الشعبي- الذي كان الأعرج ورفاقه مساهمين في تصنيعه- كشكل متقدم من أشكال الرفض للتطبيع مع كيان الاحتلال، ومنادياً بإقامة مشروع سياسي جديد. وعليه، فإن استمرار وتوسيع نواتات الحراك الشبابي في الضفة يهدد «اتفاقية أوسلو»، ويهدد ضمناً السلطة التي تحمل هذا العار كمرجعية بحجة «استرداد حقوق الشعب الفلسطيني». ومن هنا يمكن فهم سلوك السلطة حيال الأعرج ورفاقه، وأكثر من ذلك حتى في ملابسات اغتياله من قبل أجهزة الكيان المحتل.

الحراك إلى الصدارة
بناءً على الاستنتاج السابق، حول موضوعية نشوء تكتلات سياسية جديدة، نجد أن شكل النموذج الذي ظهر، لم يستند بنشاطه إلى كلام جهابذة التنظير المتخاذل، أو من عتاة منابر الإعلام السياسي، بقدر ما جاء من الشارع الفلسطيني نفسه، والضِفاوي ضمناً، من الشباب الذي أوجد أشكال نشاطه السياسي الميداني، والذي سيأخذ دوره في المرحلة القادمة دون أدنى شك كضرورة وطنية فلسطينية.

الطريق نحو الانتفاضة مجدداً
أحد ركائز الحراك الشبابي الذي لعب الأعرج ورفاقه دوراً مهماً فيه، هو الارتكاز على موروث المقاومة الفلسطينية، بتجاربها لأكثر من سبعين عاماً، ومن بينها وربما الأهم: الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية والحراك الأخير، كنماذج مقاومة، لا بد أن تدرس ويتم الارتكاز عليها في أي مشروع سياسي يتم طرحه.
من هنا، يمكن القول: إن النموذج الشبابي الناهض في الضفة الغربية بشكل أساسي، والذي ساهم الأعرج ورفاقه في تعبئة الشباب اتجاهه قد خط طريقه وأصبح استشهاد باسل الأعرج نموذجاً يتم تداوله بجدية في الضفة الغربية وخارجها، كقيمة مضافة لحركة الوطنيين الفلسطينيين ونقطة تسجل ضد السلطة التي اعتقلته لتضييق الخناق على هذا الخط الجديد، الناشئ في الضفة، وقد يكون هذا النموذج هو المقتل لطروحات السلطة الفلسطينية المرتكزة إلى «أوسلو»، طالما أنه قادر على إيجاد قاعدته الجماهيرية في الضفة، التي ملت بحق سلوك السلطة في رام الله، وإن كان هناك من لا يريد أن يسمع ذلك، إلّا  أن استشهاد الأعرج ليس إلا إشارةً على اشتباكٍ آت تلوح طلته في الأفق.

 

تمت قرائته 2607 مرة