_
متلازمة التراجع الأمريكي ومستقبل الكيان الصهيوني
فادي خضر فادي خضر

متلازمة التراجع الأمريكي ومستقبل الكيان الصهيوني

تشهد الأشهر الأخيرة حراكاً دولياً واسعاً، حيال القضية الفلسطينية، متزامناً مع تصريحات يومية- من جانب المسؤولين الغربيين والعرب- حول أشكال الحل النهائية لهذه القضية، لكن أكثر هذه التصريحات صدىً هي: تلك الصادرة من البيت الأبيض، نتيجة العلاقة بين الولايات المتحدة، وقاعدتها المتقدمة في المنطقة: كيان الاحتلال...

 

هذا الصدى الصادر من واشنطن فعلاً، يمكن أن يكون جديراً بالالتقاط حقاً، لكن ليس من زاوية القدرة الأمريكية على الإمساك بخيوط الحل، فهو قد أصبح طي النسيان عملياً، لكن المهم في تتبعه، هو: النظر إلى الخط البياني للدعم السياسي والعسكري، المؤثِّر أمريكياً للكيان، فهل واشنطن قادرة فعلاً على ترجمة وعودها الرنانة، أفعالاً لمصلحة حليفتها؟ أم أن ما تصرِّح به هو جرعات إنعاش للأحلام الصهيونية؟

دلالات الموقف الأمريكي!

الواجب تثبيته بدايةً، هو: أن تحليل السلوك الأمريكي حيال قضية «حل الدولتين»، أو غيرها، ليس مرتبطاً تماماً بما يصدر عن الإدارة الحالية، بل هو امتداد لسياسات البيت الأبيض الموروثة من الإدارات السابقة، والآخذة بالتعقد منذ «أوسلو» وحتى المرحلة الراهنة، تلك السياسات التي راهنت على تصفية القضية الفلسطينية عن آخرها.

بالعودة إلى السؤال، حول التعاطي الأمريكي مع الكيان الصهيوني في هذه المرحلة، يمكن القول: إن فشل الرهان الأمريكي على ترتيب أوراق المنطقة برمتها ضمن خارطة الفوضى المستدامة في محيط فلسطين، في سورية والعراق ومصر على أقل تقدير، هذا الفشل منع عملياً تهيئة الأجواء المثلى لكيان العدو، نحو توسيع نفوذه، وتحقيق جزء كبير من أهدافه القائمة على تصفية حقوق الشعب الفلسطيني.

ليس هذا فحسب، بل إن تعقيد هذا الملف- بإيعاز أمريكي مدعوم بهواجس الكيان العنصري، وانتظار لحظة الانقضاض على حقوق الشعب الفلسطيني إيماناً باستمرار السطوة الغربية على المنطقة- بدأ بإظهار النتائج العكسية انطلاقاً من حقيقتين متلازمتين، أولهما: التراجع الأمريكي في جل ملفات المنطقة، كما يبدو واضحاً في الملف السوري واليمني والليبي، والثاني: في ظهور قوى إقليمية ودولية صاعدة، ومهتمة- إلى حد كبير- بمستقبل القضية الفلسطينية، بما يضمن تثبيت حقوق الشعب الفلسطيني.

هذه الحالة الدولية والإقليمية المستجدة في السنوات الأخيرة - وما وصل إليه الملف من تعقيدات- أظهرا الكيان الصهيوني كالواقف في العراء، يكتفي داعموه من البيت الأبيض، بتأكيد الوقوف بقوة إلى جانبهم في إقامة «حل الدولتين».

والاستدلال سريعاً يأتي من سبر مواقف الإدارة الأمريكية الجديدة، التي لا تختلف كثيراً عما جاءت به إدارة أوباما، في الولايتين السابقتين، فَسِمة التخبط التي لازمت إدارة أوباما وانتقلت إلى إدارة ترامب، تجتاح أكثر الملفات اهتماماً في المنطقة من جانب الولايات المتحدة.

تراجعات ولوازم تقليدية

أطلق ترامب أثناء حملته الانتخابية تصريحاته بشكل متتالٍ، داعماً لأفعال الكيان، ومتوافقاً مع حكومة نتنياهو في ما تذهب إليه من سياسات الاستيطان والإجراءات الإجرامية، بحق الشعب الفلسطيني، ومؤيداً لحل النزاع كما هو مطروح «إسرائيلياً»، وبدا بمواقفه هذه ملتزماً بخيارات الحليف الإقليمي، لكنه في المؤتمر الصحفي بعد استقباله رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، في 15/شباط الماضي، لم يخيب ظن منتقديه في تخبطه مجدداً معلناً: أن حل الدولتين للصراع ليس السبيل الوحيد من أجل السلام، موضحاً أنه سيكون راضياً عن أي حل يرتاح إليه «الإسرائيليون» والفلسطينيون.

ثم أضاف اللازمة التقليدية: «بهذه الزيارة، تؤكد الولايات المتحدة مرة أخرى علاقتنا المنيعة مع حليفنا القديم إسرائيل»، وأضاف أن «الشراكة بين بلدينا المبنية على قيمنا ساهمت في تقدم قضية الحرية الإنسانية، والكرامة والسلام»..!

وبغض النظر عن جدية التصريح حول التزام واشنطن بخيار حل الدولتين من عدمه، فإن إدارة ترامب حديثة العهد، أكدت جملةً من الأمور، الأمر الأول: أنها أثبتت مجدداً تعقُّد الخيارات الأمريكية حيال ملفات كانت في مرحلة سابقة في عهدة الولايات المتحدة وحدها، كما كانت في العراق ويتم تأكيدها اليوم في القضية الفلسطينية.

الأمر الثاني، هو: أن الولايات المتحدة وإن أدركت استحالة «حل الدولتين»، بصيغة «أوسلو» أو بالصيغ المطروحة «إسرائيلياً»، كون التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة لا تسمح بذلك، فإنها لا تملك الحل البديل لطرحه على المستوى الدولي، أو للتصريح به في لقاءاتها مع مسؤولي الكيان الصهيوني، ورغم كثرة التصريحات التي يطلقها المسؤولون الأمريكيون، إلّا أن واشنطن عملياً بهذا السلوك، تنسحب تدريجياً من ملف تدرك أنها فقدت الكثير من أوراق التحكم به.

الأمر الثالث، أن هذه الحالة من التخبط الأمريكي تفتح الباب واسعاً أمام تقدم قوى دولية وإقليمية جادة في إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، وإغلاق الملف العالق بطريقة تضمن حقوق الشعب الفلسطيني، المتوافق عليها وطنياً، وعلى رأسها حق العودة، ذلك بالطبع مبني على صمود الشعب الفلسطيني طوال سنوات السطوة الأمريكية في المنطقة، أي، إن الظروف باتت ناضجة لتحصيل ثمار هذا الصمود وتحويله إلى إنجاز وطني يتطلع إليه الفلسطينيون، بالاستفادة من تجارب نضالهم الوطني، وزخم الوضع الدولي الجديد، الذي لم تعد فيه واشنطن ممراً إلزامياً كما كان الحال في العقود الأخيرة من القرن العشرين.

فرصة التقاط اللحظة

 

عطفاً على ما سبق من انحسار للدور الأمريكي في المنطقة- وفي القضية الفلسطينية ضمناً- فإن قوىً دوليةً وإقليميةً صاعدةً ترى هذا التراجع، وتسعى إلى استثماره بعكس المصلحة الأمريكية، وبالتالي يجب الاستفادة من هذه الحالة شعبياً باتجاهين، الأول هو نزع أوهام الحفاظ على «أوسلو»، كمؤسسة للحل، كونها تنتمي إلى مرحلة شهدت موازين قوى مغايرة لما ينشأ ويتبلور اليوم، ومن جهة أخرى الاستفادة قدر الإمكان من الحراك الجاري إقليمياً ودولياً، لتوسيع مساحة الحوار الوطني بغية الوصول إلى رؤية واضحة حيال الحل، بما يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، وهو ما تؤمنه إلى هذا الحد أو ذاك منصات دولية كروسيا، التي أستضاف معهد الاستشراق في بداية العام، ممثلين عن أغلب الفصائل الفلسطينية، لبحث سبل تجاوز الصراع الداخلي بينها وإحياء الوحدة الوطنية، كما تقيم إيران ومصر نشاطات موازية، مع الإشارة إلى ضرورة توسيع النقاش، ليشمل القوى المجتمعية، والشرائح غير المنضوية تحت سقف الفصائل.