_
سورية 2016 .... عام «2254»

سورية 2016 .... عام «2254»

كيف يمكن قراءة سنة 2016 سورياً، بعيداً عن الوقوع تحت ضغط اللحظة، التي كانت تنضح بالدم، كما كان الحال على مدى سنوات الأزمة، والتي أرادوها أداة تعمية، وحجب الحقائق التي كشف عنها الواقع المتحرك، بتناقضاته العديدة؟

2016 السوري، وبالأخص في نصفه الثاني، سجل تسارعاً في تطور الأحداث، حتى جاء بالبينة، والقول الفصل على سقوط خيارات، وتقدم خيارات أخرى.  

التوافق بدل «الحسم والإسقاط» 

تأكد أن هذه الثنائية، التي كانت رافعة الأزمة السورية، بدمويتها كلها، بفصول القهر كلها: قتلاً، ودماراً، وتهجيراً وجوعاً، تمدها بأسباب وأدوات الديمومة، وصلت إلى طريق مسدود، ليس بمعنى الاستباق المعرفي – السياسي في قراءة الحدث فحسب، بل من خلال ما هو ملموس، وإجرائي، بعد أن بدأت الفكرة تتحول إلى واقع...

تجربة ملموسة

تجربة الحراكات الشعبية التي فرضت الهدن، «قدسيا نموذجاً» أكدت بما لا يقبل الجدل:  أن  توفر هامش الحركة للأهالي، والبنى المجتمعية المحلية، يمكن أن يلجم وجود بعض الجماعات المسلحة، أكثر من اللجوء إلى القوة العسكرية، وبالتالي توفير الكثير من دماء السوريين، وممتلكاتهم.

أكدت تجربة أهالي قدسيا، أن الموقف المعارض السائد هنا وهناك، لا يعني بالضرورة الموافقة على العمل المسلح، أي أن رغبة الجماهير في الحراك السلمي دفاعاً عن مطالبها الاقتصادية - الاجتماعية والسياسية شيء، وعمل الجماعات المسلحة وأمراء الحرب شيء آخر، فسقطت مقولة كل «معارض إرهابي»، وسقطت بالمقابل مقولة من ليس مع الجماعات المسلحة فهو مع النظام... قدسيا لم تكن الوحيدة، وإن كان إعلام الحرب لم يسلط عليها الضوء، كما يليق بها، أسقطت بالملموس فلسفة «موالاة ومعارضة» المشوهة كلها، وكانت تعبيراً عن الضمير السوري الجمعي المغيب، في ظل سطوة السلاح. 

انكفاء داعش 

كان داعش على مدى أشهر «سيد» المشهد الإعلامي، وبدا كما لو أن هذا الكائن قوة لا ترد، بعد سلسلة معارك سيطر من خلالها على مساحات واسعة في سورية والعراق.

استمر استثمار القوى المختلفة في وجود داعش، لتبرير سلوكهم، في حين بدا واضحاً بأن مشغلي داعش يريدونها أداة تحريك الملفات، وإثارة الفوضى، والتحكم باتجاه تطور الأحداث، الجدية الروسية في محاربة التنظيم، على مساري العمل العسكري المباشر، أو على مسار تفعيل العملية التفاوضية أضعف نفوذ هذا التنظيم وقَزّم حضوره، وفتح باب إمكانية القضاء عليه،  حيث أصر الطرف الروسي على عزل التنظيم ميدانياً من خلال فتح باب التفاوض مع القوى المختلفة الرافضة للإرهاب، مع توجيه ضربات عسكرية جدية للتنظيم وقياداته وبناه العسكرية والاقتصادية، ويسجل هنا، أن انكفاء داعش كان متناسباً بشكل طردي مع التراجع الأمريكي. 

التحول التركي... تراجع أمريكي

أحد جوانب تعقيدات الأزمة السورية على الدوام، كان تعدد اللاعبين، وتوزيع الأدوار عليهم، وإن كانت واشنطن ممسكة بخيوط حلفها كلها، سواء كان اللاعبون الاقليميون أو بعض الجماعات المسلحة في الداخل، فإنه في سياق التراجع الأمريكي المستمر، بات المجال مفتوحاً لفرط حبات المسبحة.  

كان التراجع الأمريكي، عن اتفاق الهدنة مع الجانب الروسي– اتفاق وقف الاعمال العدائية – بداية الانحدار المتسارع، ليس لإضعاف نفوذ واشنطن، بل لإمكانية خروجها أيضاً، ولتبلور المزيد من التصدع في الحلف الأمريكي نفسه، وصولاً إلى إمكانية حدوث اصطفافات جديدة بين القوى، ولم تعد مساع الطرف الأمريكي بإمكانية اللعب على التناقضات مُجْدية، بعد الضربات المتلاحقة – شبه اليومية - التي تلقاها من الطرف الروسي، وتسجيل النقاط، عبر الهجوم الدبلوماسي والإعلامي من جهة، بالتوازي مع العمل العسكري المباشر ضد الإرهاب والتقدم على الأرض من جهة ثانية.

قراءة قاصرة

الخطأ في تناول التحول التركي، ينطلق من النظر إليه من زاوية الأزمة السورية فقط، أو من باب النكاية، مما لا يسمح بإمكانية الاستفادة القصوى منه في الأزمة السورية، بينما هو في حقيقة الأمر، انعكاس لتغير ميزان القوى العالمي، ودرجة تقدم الدور الروسي – الصيني، وطالما أن هذه العملية مستمرة، فإنها ستأخذ في طريقها بقايا أوهام أردوغان وغيره، كما ستأخذ أوهام الآخرين، ممن لم يدركوا بعد، بأن ميزان القوى الدولي الجديد بخياراته المعروفة،  بات هو المحرك للعمليات الجارية في عالم اليوم كلها.

حلب وبيان موسكو

جاء بيان موسكو الثلاثي، الروسي الإيراني التركي، تتويجاً لجهد الراعي الروسي، بشقيه العسكري والدبلوماسي، وتأكيداً جديداً على مصداقية هذا الدور، في السعي نحو الحل السياسي..

تشكل هزيمة جبهة النصرة في حلب، والبيان الثلاثي بمحتواه، والقوى الموقعة عليه، تحولاً نوعياً، في ملء الفراغات المتبقية في التوافقات الدولية المتعلقة بالأزمة السورية، وترجمة ميدانية لها، وباعتبارها جاءت في سياق تثبيت الميزان الدولي الجديد، وعلى أحد أكثر جبهاتها تأرجحاً وسخونة، فكانت «الترويكا» بداية خرقٍ استراتيجي في منظومة العلاقات الدولية السائدة منذ الحرب العالمية الثانية، وتحديداً فيما يخص طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب، كل بما يمثل من ثروات وثقافة، وهو إلى جانب الاتفاق النووي الإيراني الذي جاء في السياق ذاته، يضع الأساس لإمكانية كسر حلقة التبعية المزمنة، للمركز الرأسمالي الغربي. 

سقوط الخطاب المتهافت.

تطورات 2016 سورياً، أسقطت أيضاً، الخطاب المتهافت عن المصالح الروسية، من هنا وهناك، بعد أن تأكد أن هذه المصالح، تتقاطع كلياً مع مصالح الدولة السورية، ومع سيادة الشعب السوري، وحقه في تقرير مصيره، الأمر الذي عبر عنه الإصرار الروسي على الدوام، على تنفيذ القرارات الدولية كحزمة متكاملة، وتلازم المسار العسكري مع السياسي، والتعاطي مع القوى السورية كلها «نظاماً، ومعارضة» وعكس السلوك الروسي بذلك نظرة جديدة إلى الأمن الدولي، باعتباره وحدة متكاملة، ومتشابكة، وليس تأمين ما يسمى «الأمن القومي» للدول الكبرى، وفرض الإملاءات على الدول الطرفية، وهو الأمر الذي لم نجد له شبيهاً منذ عام 1991، أي بعد الاستفراد الأمريكي بالقرار العالمي.

المعارضة من «الحزب القائد»  إلى «حزب الحل»

كان من الطبيعي، أن تؤثر جملة التطورات المتعلقة بالأزمة، على خريطة المعارضة السورية، ففي حين انتهى ما يسمى «الائتلاف الوطني المعارض» كممثل شرعي، اللهم الا في الخيال المريض للبعض، وانتهى فرض المعارضة التي ترتئيها هذه الدولة أو تلك، بل أصبح المعيار هو الموقف الجدي والعملي من الحل السياسي، بغض النظر عن اليافطة أو الاصطفاف، بمعنى آخر، تم دفن مفهوم الحزب القائد في المعارضة السورية، لصالح مفهوم «حزب الحل» والأبواب مفتوحة أمام من يريد، وما زال يُحَلّى بشيء من الحكمة، والحس الوطني، لرسم خريطة واقعية في المعارضة، تلفظ خارجاً ليس المعرقلين جهاراً فقط، بل حتى من يحاول البحث عن مكاسب حزبية، ويحاول أن يكون بيضة القبان!



إذا أردنا أن نختصر ملامح 2016 سورياً يمكن القول:

- إضعاف النفوذ الأمريكي، والإقليمي المعرقل للحل، ووضع إمكانية إبعاده عن جدول الاعمال.
- تثبيت خيار السياسي، وملء فراغاته، ومده بالزخم، وتأمين أطره.
- انكفاء قوى الإرهاب، بجناحيه داعش والنصرة، وتقدم عملية  فرز المسلحين، ما بين إرهابي ومعتدل.
- عودة الرأي العام الشعبي للتعبير عن نفسه.
- فتح الباب على اصطفاف واقعي في خريطة المعارضة السورية.

وبعيداً عن رسم لوحة وردية للمشهد، وبيع الأوهام، لن نزعم بأن العقبات انعدمت نهائياً، ولكن يمكن التأكيد وبكل ثقة بأن جملة العوامل التي حققت ما سبق كله ، مستمرة وتفعل فعلها في السياق ذاته