العجز الأمريكي.. يقرّب اليمن من حدود الحل

لا تعديلات كبيرة على «خارطة الطريق» التي أعدها المبعوث الدولي إلى اليمن، اسماعيل ولد الشيخ أحمد، غير أن الجديد السياسي في تحركات الملف اليمني، هو: الضغط المحموم من قبل «الرباعية الدولية» على حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي للقبول بـ«خارطة الطريق» المعدلة قليلاً.

 

تعتبر هذه التحركات الأخيرة لجون كيري، بصفته وزيراً للخارجية الأمريكية، قبل تسليم الملف للإدارة الجديدة، ومن غير المنطقي أن تكون الإدارة الحالية قد «استفاقت» في ساعاتها الأخيرة، لإغلاق هذا الملف، فما هي دواعي تحريك الملف سياسياً، وتقديمه على حساب الحلول العسكرية في هذا توقيت بالذات؟

ضرورات أمريكية- بريطانية

«واشنطن تدرك أن الخطة تتضمن خيارات صعبة»، هذا ما خاطب به المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية حكومة الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، مضيفاً: أن «التسويات ستكون ضرورية لجميع الأطراف من أجل التوصل إلى تسوية مستدامة».

هذا الموقف أيضاً موجه بطريقة غير مباشرة إلى الجانب السعودي الذي تلقى إشارات أخرى من الجانب الأمريكي، تمثلت بتأكيدات من مسؤولين أمريكيين، أن بلادهم قررت فرض قيود على الدعم العسكري للحملة التي تقودها السعودية في اليمن، بسبب «مخاوف من سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين».

وكانت وكالات أنباء عالمية، قد نقلت عن مصادر أمريكية، أن واشنطن قررت كذلك تعليق مبيعات أسلحة مقررة للمملكة في المستقبل، كما ستجري تعديلات على عمليات التدريب المستقبلية لسلاح الجو السعودي، لتركز على تحسين دقة الاستهداف السعودية، التي أضحت «مصدر قلق مستمر لواشنطن».

جاءت هذه الإشارات في إطار تمهيد أمريكي لعقد اجتماعات الرباعية الدولية، المعنية بالملف اليمني، والتي تضم إلى جانب الولايات المتحدة، كلاً من الإمارات والسعودية وبريطانيا، وهي الاجتماعات التي عقدت بالفعل بين 18-19/كانون أول الحالي.

كان المطلوب أمريكياً، هو: تقديم أفضل صيغة ممكنة للتسوية السياسية، وأيضاً البدء بها سريعاً، تفادياً لأي تغيرات تشابه إلى هذا الحد أو ذاك، ما حدث في مدينة حلب السورية، من انهيار كبير في أدوات التحكم الأمريكية هناك، أو طرح الملف في مجلس الأمن الدولي، ودخول روسيا والصين على خط الحل.

لكن على المقلب الآخر، وضمن منطق عرقلة الحلول السياسية في المنطقة، لا ترغب واشنطن في إنجاز الحل اليمني النهائي، وهو ما أشار إليه كيري ضمنياً عقب لقاءات «الرباعية»، محذراً من أن الخريطة التي وضعتها الأمم المتحدة بشأن اليمن، لم تكن اتفاقاً نهائياً، بل هي خطة تسمح بالتفاوض. بمعنى آخر، يريد كيري ترك مساحة مناورة إقليمية قبل الوصول إلى حل نهائي للأزمة، وهو ما يعيد إلى الأذهان، تجربة محادثات الكويت على سبيل المثال.

من جهتها، تظهر بريطانيا اليوم في الملف اليمني علناً، من بوابة استعادة العلاقات الخليجية-البريطانية، وربما تنتزع نسبياً،  جزءاً من الهيمنة الأمريكية على مسارات الأزمة. يقول وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون: «بريطانيا عائدة إلى شرقي السويس ليس كأكبر قوة عسكرية على وجه الأرض، لكن كأمة تنشط في المنطقة، وتلتزم بها التزاماً عميقاً».

هذا الوجود البريطاني الذي يأخذ بعين الاعتبار التراجع الأمريكي في المنطقة، يناور في الملف اليمني، بين حدّين، الأول هو: في ضمان «الثقة الخليجية» بالحليف الجديد والمندفع. ومن جهة أخرى، محاولة الاستفادة من تبعات التدخل الخليجي في اليمن أو «فوضى  الخليج»، بمعنى القدرة على ضمان استمرارية تصريف السلاح البريطاني، رغم الصعوبات التي تتعلق بموازين القوى الجديدة. والحد الثاني هو: ضمان الاستفادة من الأزمة المالية الخليجية، لتحصيل استثمارات بشروط بريطانية، وأيضاً تشغيل البنوك البريطانية، بعد دخول الخليج، وخصوصاً السعودية مؤخراً، في عداد الدول المستدينة.

تعديلات «خارطة الطريق»

بعد اجتماع وزراء خارجية الرباعية التي شاركت فيها عُمان، صدر بيان عن وزارة الخارجية الأمريكية، تضمن: تأكيد الوزراء على أن مقترحات الأمم المتحدة، التي تشمل تسلسل الخطوات السياسية والأمنية، تمثل الخطوط العريضة لاتفاق شامل، سيتم الاتفاق على تفاصيله خلال المفاوضات.

وذكر البيان: أن التدابير التي تنص عليها خطة السلام، لا تصبح نافذة المفعول إلا بعد توصل الأطراف جميعها إلى اتفاق شامل، وأن نقل الصلاحيات الرئاسية لن يتم حتى تبدأ الأطراف تنفيذ الخطوات السياسية والأمنية جميعها - في محاولة لتليين موقف حكومة الرئيس هادي- وأن المجتمعين اتفقوا على تقديم الدعم الكامل إلى الأطراف والمفاوضات حتى يتم التوصل إلى اتفاق.

خطوات الانتقال السياسي

طبقاً لهذا الاتفاق، سوف تستند المفاوضات إلى بنود اتفاق 23/تشرين الأول، من العام الحالي، وهي: التسلسل والخطوات الأمنية والتعيينات اللازمة للانتقال السياسي، واستئناف المشاورات مع الأمم المتحدة على أساس مبادرة «مجلس التعاون الخليجي»، وآلية التنفيذ، ونتائج الحوار الوطني، وقرار مجلس الأمن الدولي 2216، والقرارات الأخرى ذات الصلة، كما تشمل انسحابات جديدة من بقية المناطق، ثم توقيع اتفاق شامل يعقبه عقد مؤتمر للمانحين.

ووفقاً لهذا التصور، ستبدأ «حكومة الوحدة الوطنية» حواراً سياساً، لوضع اللمسات الأخيرة لانتخابات عامة ومسودة الدستور، كما جرى حث الحكومة اليمنية الحالية، من قبل الرباعية، على المشاركة في المفاوضات المنتظرة، على أساس مقترحات المبعوث الدولي الخاص للأمم المحتدة، ورحبت الرباعية بتأييد جماعة «أنصار الله»، و«المؤتمر الشعبي العام»، لاتفاق مبادئ مسقط، ودعتهما إلى الانخراط بشكل عاجل على أساس الخطة الأمنية المقترحة من المبعوث الخاص للأمم المتحدة.

في المقابل، تحدث المبعوث الدولي عقب الاجتماع، في تصريح لصحيفة «الرياض» السعودية، الثلاثاء 20/كانون أول، عن أبرز ما حملته طاولة اجتماع اللجنة الرباعية، وتمثلت في نقطتين مهمتين: الخروج بآلية حقيقية لوقف إطلاق النار، وبحث آلية لتفعيل المبادرات التي قامت بها الأطراف جميعها للخروج بحل سياسي من الأزمة اليمنية.

ولاحقاً، أوضح المبعوث الدولي: أن اللجنة العسكرية الأمنية المعروفة باسم لجنة التهدئة والتنسيق، قررت التحضير لتفعيل وقف إطلاق النار، في اجتماع سيعقد في الأردن، وبما يُمكّن الأطراف من الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

 

وقد ظلت هذه الوثائق المعدلة عن «خارطة الطريق» في إطار قرار مجلس الأمن الدولي 2216، لكن أسهبت في تفصيل بنوده، وسط تأييد مريح من «أنصار الله»، و«المؤتمر الشعبي العام»، وتأييد على مضض من قبل «حكومة هادي» التي يبدو أنها رضخت أخيراً لضغوط الرياض وواشنطن، وربما تكون المرة الأولى التي ستصدق فيها نوايا «الرباعية» فيما يخص الحل السياسي اليمني، لكن هذه المرة بتأثير موازين القوى المتغيرة بسرعة لغير مصلحة واشنطن وحلفائها.

تمت قرائته 1464 مرة