_
جوهانسبرغ 2016- 2018 نموذج للعلاقات الدولية الجديدة
إعداد: رنا مقداد إعداد: رنا مقداد

جوهانسبرغ 2016- 2018 نموذج للعلاقات الدولية الجديدة

في الفترة ما بين الأول والخامس من كانون الأول عام 2015، وبعد حضور مؤتمر المناخ في باريس، قام الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بزيارة رسمية لزيمبابوي وجنوب أفريقيا، وترأس قمة «منتدى التعاون الصيني- الأفريقي» في جوهانسبرغ.

 تزامنت القمة مع الذكرى السنوية الخامسة عشرة لتأسيس «منتدى التعاون الصيني- الأفريقي»، وهي المرة الأولى التي يعقد فيها المنتدى في القارة الأفريقية، حيث صدر «إعلان جوهانسبرغ»، و«خطة عمل جوهانسبرغ للأعوام 2016- 2018».

اتفق القادة الصينيون والأفارقة على رفع العلاقة الاستراتيجية الجديدة إلى شراكة التعاون الاستراتيجية الشاملة للعلاقات الصينية- الأفريقية، بما يحقق تقدماً كبيراً لرفع مكانة هذه العلاقات، ويساعد في توسيع التعاون في مجالات أوسع وأكثر، ويؤكد أن هذه القمة معلم مميز في تاريخ التعاون بين الطرفين.

تعاون جديد في وضع جديد

حالياً، تدفع الدول الأفريقية التصنيع والتحديث الزراعي إيجابياً، وتسعى إلى التنمية المستدامة المستقلة. بينما تعمل الصين على تعميق الإصلاح، وتعزيز تعديل الهيكل الاقتصادي، لذا تتاح للجانبين فرص غير مسبوقة في التاريخ على أساس الاحتياجات المتبادلة وتكامل المزايا.

طرحت هذه القمة سلسلة من الإجراءات الجديدة التي تدفع تحقيق الارتقاء الشامل للتعاون الصيني- الأفريقي. إذ أعلن الرئيس شي- نيابة عن حكومة الصين- إجراءات هامة متمثلة في «عشرة خطط تعاون كبرى» لتطوير العلاقات الصينية- الأفريقية في مجالات تطبيق التصنيع، وتطبيق التحديث الزراعي، وبناء المنشآت التحتية، والتنمية الخضراء، وتسهيل التجارة والاستثمار، والحد من الفقر، والصحة العامة، والتبادلات الإنسانية والسلام والأمن.

شرح الجانب الصيني مفهوم التعاون في ظل الوضع الدولي الجديد، وأكد أنه ينبغي للطرفين التمسك بالتعاون المستند إلى الفوز المشترك والمنفعة المتبادلة، والتمسك بالتعاون المتسامح والمفتوح ومتعدد الأطراف، وبالتعاون العملي الذي يركز على القدرة التوجيهية، والتنمية المستدامة والخضراء ومنخفضة الكربون. كل هذه المفاهيم تجسد مبدأ الصين العملي ومفهوم الصين الصحيح الودي المربح للجانبين اتجاه أفريقيا.

تعمل الصين على مساعدة  أفريقيا لكسر عنق الزجاجة، بهدف بناء المنشآت التحتية والموارد البشرية، وتتفق مع اتجاه العصر المتمثل في التنمية الخضراء والتنمية المستدامة، وتعطي للعلاقات الأفريقية حيوية أكثر. إذ يعتقد الرأي العام العالمي أن الصين تتخذ الإجراءات العملية، وتتمسك بمفاهيم متقدمة تجاه التعاون الصيني- الأفريقي، وهذا سوف يرشد المجتمع الدولي في القيام بالتعاون مع أفريقيا.

«خمسة أعمدة كبرى» لتمتين العلاقات

تتطور أفريقيا بسرعة، وهو أمر مشجع. كما تستكشف أفريقيا طريق التنمية المتفق مع حالتها الحقيقية، وتتمسك بحل القضايا الأفريقية بأدوات أفريقية، فلا يمكن لأحد وقف زخم الاستقلالية والإمساك بزمام المبادرة.

ومع تطور الجانبين الصيني والأفريقي، فإنهما يحتاجان إلى بعضهما بعضاً بشكل أكبر. ومن هذا المنطلق، اقترح الجانب الصيني رفع الشراكة الاستراتيجية الجديدة إلى شراكة استراتيجية شاملة بين الصين وأفريقيا، وهناك «خمسة أعمدة كبرى» تقوي أسس هذه الشراكة، وهي: «التمسك بمبدأ المساواة والثقة المتبادلة في مجال السياسة»، و«التعاون والفوز المشترك في مجال الاقتصاد»، و«التعلم المتبادل في المجال الحضاري والثقافي»، و«المساعدة المتبادلة في مجال الأمن»، و«الوحدة والتناسق في الشؤون الدولية».

بهدف التوافق مع متطلبات التنمية الأفريقية، ودفع بناء شراكة التعاون الاستراتيجية الشاملة بين الصين وأفريقيا، أكدت الصين في هذه القمة أنها سوف تهتم بتطبيق «عشرة خطط تعاون كبرى» خلال السنوات الثلاث المقبلة، وتشمل تطبيق التصنيع، والتحديث الزراعي، وبناء المنشآت التحتية، والمال، والتنمية الخضراء، وتسهيل التجارة والاستثمار، والحد من الفقر والصحة العامة، والتبادلات الإنسانية، والسلام والأمن.

إن تطبيق هذه الخطط سوف يزيد حيوية تعاون المنفعة المتبادلة على أساس الصداقة التقليدية بين الصين وأفريقيا، ويساهم في تحويل الموارد الطبيعية والبشرية الأفريقية إلى قوة محركة لتنمية الاقتصاد. وبغية ضمان التطبيق الناجح لخطط التعاون الكبرى العشر، قررت الصين تقديم ستين مليار دولار أمريكي لدعم التطبيق. وعلى أساس «صندوق التنمية الأفريقية»، تزيد الصين خمسة مليارات دولار أمريكي دفعة واحدة.

تشكل خطط التعاون الكبرى العشرة خلاصات «خطة عمل جوهانسبرغ 2016- 2018» لمنتدى التعاون الصيني- الأفريقي، وهي خطة الصين الشاملة تجاه تعاونها مع أفريقيا في الفترة المقبلة، وهي دليل على أن العلاقات الصينية- الأفريقية تدخل مرحلة جديدة.

«الحزام والطريق» و«رؤية أفريقيا»

طرحت الصين مبادرة «الحزام والطريق» في عام 2013، وطرح الاتحاد الأفريقي أجندة «رؤية أفريقيا 2063» لبناء أفريقيا المزدهرة، وتتفق هذه التطلعات التنموية كل منها مع الأخرى. وتقدم هذه القمة فرصة تاريخية لتحقيق الربط بين «الحزام والطريق» و«رؤية أفريقيا 2063».

إن تخلف بناء المنشآت التحتية هو عنق الزجاجة الذي يجب كسره لتحقيق تنمية الاقتصاد الأفريقي، لذا، بناء السكك الحديدية العالية السرعة، والطرق السريعة، والخطوط الجوية الإقليمية، والمنشآت التحتية، أصبحت مجالات هامة للتعاون العملي بين الجانبين. إذ تفتقر أفريقيا إلى نظام المواصلات المتكامل، خاصة السكك الحديدية، ولا توجد حالياً السكك الحديدية في خمس عشرة دولة أفريقية.

واليوم، تنفذ الصين العديد من المشروعات الكبرى مع الدول الأفريقية، منها، السكة الحديدية بين أثيوبيا وجيبوتي- التي يبلغ طولها أكثر من سبعمائة وستين كيلومتراً- والسكة الحديدية بين نيروبي ومومباسا.. وغير ذلك.

أفريقيا الواعدة..

الصين هي أكبر شريك تجاري لأفريقيا على مدى ست سنوات متتالية. وقد أصبحت أفريقيا رابع أكبر مقصد للاستثمارات الصينية. كما ارتفع حجم التبادل التجاري بينهما في عام 2014 اثنتين وعشرين مرة، مقارنة بما كان عليه في عام 2000، وزاد حجم الاستثمارات المتبادلة ستين مرة في الفترة نفسها، وتجاوز معدل النمو السنوي للاستثمار 30%.

وتخلق ثلاثة آلاف شركة صينية عاملة في أفريقيا أكثر من مائة ألف وظيفة للسكان المحليين الأفارقة. ومن أجل دفع التعاون الثنائي وتعزيز تعاون الطاقة الإنتاجية، وتحسين التجارة الداخلية والخارجية وتحسين ظروف الاستثمار الصعبة، سوف تنفذ الصين خمسين مشروعاً تجارياً لمساعدة أفريقيا. كما تناقش اتفاقية التجارة الحرة الشاملة مع أفريقيا، وتوسع حجم وارداتها من المنتجات الأفريقية.

حالياً، تتمتع إحدى وعشرون دولة إفريقية بسياسات إعفاء 97% من منتجاتها المصدرة إلى الصين من الرسوم. ومن المتوقع أن يبلغ  حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا أربعمائة مليار دولار أمريكي، وأن يتجاوز حجم الاستثمار الصيني في أفريقيا مائة مليار دولار أمريكي بحلول عام 2020.

يشكل التعاون الصيني- الأفريقي نموذجاً للتعاون بين بلدان الجنوب. إذ أتمت الصين تنفيذ نحو تسعمائة مشروع مساعدة في أفريقيا. وسوف تنفذ في السنوات الثلاث المقبلة مائتي مشروع تعاون في التعليم والثقافة والصحة، بما فيها «مشروع الحياة السعيدة». وهذه السلسلة من مبادرات التعاون ليست لمصلحة شعوب أفريقيا فحسب، وإنما أيضاً تدفع التعاون الثنائي في الثقافة، وتساهم في دفع التعلم الحضاري المتبادل وتطوير الكفاءات الشعبية. ووفقاً لتقرير بحثي من هيئة دولية كبرى، فإن من بين الاقتصادات العشرة الأسرع نمواً في العالم، هناك خمسة اقتصادات أو أكثر في أفريقيا.

من قمة منتدى التعاون الصيني- الأفريقي في بكين في عام 2006، إلى قمة جوهانسبرغ، يدخل التعاون بين الصين وأفريقيا مرحلة تطور جديدة. ونحن على ثقة بأن قمة جوهانسبرغ أصبحت نقطة بداية جديدة للتعاون الصيني- الأفريقي.