تصنيع واستثمار أسطورة الحرب على الإرهاب
غريغوار مرشو غريغوار مرشو

تصنيع واستثمار أسطورة الحرب على الإرهاب

إن كثرة التداول الاعتباطي لمصطلح الإرهاب، على المستوى الدولي، فاقم احتدام الخلط في تحديده بعد حادثة تفجير البرجين (11/ أيلول 2001). الأمر الذي سرع في امتشاق سيف الاتهام للإسلام ومماهاته بالإرهاب ما جعل هذا الأخير يتحوّل إلى إشكالية تتجاوز حدود الديني والثقافي والسياسي، إلى الوطني والقومي والعقدي حتى يستغرق الإرهاب بكل فعل إسلامي (عربي، أفغاني، عراقي، فلسطيني...) مقاوم منافح عن النفس والأرض والوجود. وكثيراً ما وقعت ايضاً ولا تزال وسائل الإعلام الغربي في مغالطة جعل عبارة أصولية تختزل التشكيلات الاجتماعية المنضوية تحت ذلك الاسم وتشير حصراً، إلى الأصولية الإسلامية، التي يجري اختزال تعقيدها، هي الأخرى، إلى تعصب ديني إرهابي متشدد وتكفيري لا يعرف معنى التسامح، يكون معادياً بالمطلق للغرب.

إلا أنه على الرغم من كل ذلك لم ولن تتوانى وسائل الإعلام هذه، على عهد الرئيس باراك أوباما، أن تكيل بمكيالين وتتخذ تكتيكاً ازدواجياً بحيث ما هو مستتبع إلى سياستها، من هذه التيارات الآنفة الذكر، وراضخ لإملاءات الإدارة الأميركية وحلفائها ووكلائها المحليين والإقليميين في العالم العربي الإسلامي، يقدم لها كل التسهيلات. منها من يتم تزويدها بالسلاح والأموال والتدريبات العسكرية والاستخباراتية واستدخالها كأحزمة ناسفة في المناطق التي تستعر بالغليان والاحتجاجات والانتفاضات التي تهدد مصالحها تحت راية (الجهاد والتحرير)، مع ترك هامش للانقلاب عليها وتصفيتها حين يستنفد دورها، كما فعلت مع بن لادن وبعض أنصاره، كل هذا التوظيف يجري حينما يتعذر عليها التدخل المباشر، على غرار ما فعلته في أفغانستان والعراق وليبيا وغيرها من بلدان المنطقة. ومنها من تم إيصالها إلى الحكم عن طريق الاحتكام المسرحي لصندوق الاقتراع باسم الديموقراطية، كما حصل في تونس ومصر، وما يراد أن يحصل اليوم في سورية وغيرها تحت ضغوط العنف التكفيرية على حساب الانتفاضات واستحقاقاتها المشروعة في الحرية والعدالة والكرامة والمواطنة المتساوية. كل هذه الاستثمارات الوظائفية للإرهاب في الداخل، تحت شعار محاربة الإرهاب، ما هي إلا بدائل عن التدخل المباشر وتفادي تكاليفه الباهظة على خزائن النظم الغربية المغرقة في أتون أزماتها المالية.
من هنا نستطيع القول إن حدث تفجير البرجين جاء لتُحصد منه أهداف عدة. فعلى الرغم من عنفيته ووحشيته وعشوائيته من قبل المجموعة التي ارتكبته، وعدم تناسبه مع القوى المنظمة التي كانت وراء التسبب به. لعل هذا ما حدا بالإدارة الأميركية، لتبييض كل جرائمها، إلى استثمار هذا الحدث سياسياً والتسارع في تحديد مصدره لتلطخ من خلاله كل أفعال المسلمين والعرب بالإرهاب، الأمر الذي أفسح في المجال لتعجيل دوران عجلة بسط الهيمنة وتبرير هجومها الوحشي على أفغانستان والعراق ولبنان والسودان والصومال وباكستان وغيرها من البلدان، تحت شعار محاربة الإرهاب الدولي سواء هي وحلفاؤها أو وكلاؤها المحليون. ولما كانت ردود الفعل انتقامية من طرف زعماء «القاعدة» ومن حذا حذوهم، حلفاء الأمس، الذين صنعتهم هذه الإدارة، فقد توسّلت الأولى (القاعدة) شعارات معكوسة تعلن الجهاد الإسلامي ضد الصليبية وانقسام العالم إلى فسطاطين. بذلك صار من مصلحة المحافظين والليبراليين الجدد استثمار هذه الأطروحات وتغذيتها والتهويل بها إلى حد مماهاة الإسلام بالإرهاب واتهام المسلمين ومن يناصرهم من عرب وغير عرب بالصفة نفسها، أي كل من يعارض السياسة الأميركية و”الإسرائيلية” سواء بالفعل أو بالقوة.
في الحقيقة إن الامتناع عن المشاركة بالجهود المبذولة عالمياً لتحديد مفهوم للإرهاب يمكن عزوه إلى تفسيرين متلازمين. الأول خشية الإدارة الأميركية من أن ينطبق هذا المفهوم على ممارستها العسكرية التعسفية حيال القوى التي لا تنصاع لإدارتها. والثاني يبرر لها إخضاعه لحساباتها السياسية ومصالحها بكونها الطرف الأقوى في المعادلة الدولية، يخولها صياغة المفاهيم والتعريفات والرؤى بموجب بوصلة مصالحها الأمنية والإستراتيجية القومية، بعيداً عن أي إطار معياري وقيمي يقيدها بأقل ذرة من المعقولية والإنصاف.
بناء على هذا المنحى اقتضت المصلحة أن يزداد المفهوم غموضاً ليسهل احتكاره للتطويع الانتهازي كمعبر لتوظيفه في الأماكن الساخنة وتبرير تدخلها المباشر او غير المباشر لتقويض النظم التي لا تسير ضمن شروطها وإملاءاتها.
على هذه الخلفية انبنت الإستراتيجية الحربية الهجومية الأميركية، وبمعية الحلفاء على أفغانستان والعراق، تبعها لبنان ثم غزة عبر قاعدتها العسكرية "الإسرائيلية". فالخطابات الاستشراقية لم ولن تتردد في تعويم الصور النمطية السلبية عن الإسلام بتغطية هذه الإستراتيجية تحت شعار محاربة الإرهاب الدولي. صحيح قد حصل، في البداية، تحييد الإسلام عن إرهابية الحدث عند صنّاع القرار في الغرب وإسقاط اللوم على أتباعه من المسلمين إلا ان سرعان ما جرى توظيف هذا المفهوم على الطرفين وسحبه على كل حركات المقاومة والتحرر الوطني.
لتسهيل سير سيولة هذه الإستراتيجية وصرفها توسلت إدارة بوش الابن تكتيكاً إضافياً شهرت فيه سيف المطالبة بتطبيق الديموقراطية وحقوق الانسان والاقليات على الدول التي تعتبر مصدر تفريخ وتصدير فاعلي الإرهاب في العالم، بمدعاة ان تسلط هذه الدول اللاديموقراطية على رقاب العباد في منطقة الشرق الاوسط، هو وراء ما يحدث. غير أن هذا المنحى لم يكن ليدوم طويلاً، إذ سرعان ما قدمت الحكومات، المهددة عروشها بهذا التوجه، التسهيلات والتنازلات اللازمة بما يرضي مصالح الإدارة الأميركية وحلفائها ويكفل أمن "إسرائيل" وسلامتها، على أساس أنها الحصن المنيع والمتقدم والوحيد في المنطقة المدافع عن العالم الحر والديموقراطية، الأمر الذي أدى إلى تثبيت السلطات الحاكمة وتصليبها، الملكية والإماراتية في ظل إدارة باراك اوباما، لحين استنفاد منسوبية صلاحية طاعة بعضها والتضحية بترجمة الديموقراطية المنشودة على أرض الواقع، حتى ولو أطاحت رؤوس حكومات في إطار ما أسموه الربيع وأبقت على رؤوس رؤساء وأمراء لن يحين قطافها بعد ضمن حسابات معلميهم الكبار.

السفير

آخر تعديل على الأربعاء, 18 كانون1/ديسمبر 2013 13:26