الدرس المصري.. أم المعارف

الدرس المصري.. أم المعارف

من الصعب التنبؤ بمدى الإشعاع الثوري الذي ستطلقه الصفحة الثانية من الثورة المصرية، ولكننا نقف اليوم أمام دروس أسياسية تعلمنا إياها التجربة المصرية.


الشارع..الجيش..القوى السياسية

ربما يكون الدرس الأول والأوضح أن الشعب هو مصدر الشرعية الرئيسي، وأن الشارع هو الأداة الرئيسية بيد الشعب في مرحلة الثورات والحراكات الشعبية، وأن ثورة 25 يناير كانت الصفحة الأولى من الثورة وجاء الثالث من يوليو تموز ليكون صفحة ثانية من صفحات الثورة المستمرة، كما أن الشعب المصري لايزال أكبر من الإطارات السياسية القائمة حتى اللحظة سواء من في المعارضة أو تلك التي في السلطة.
وفي هذا السياق يمكن القول أن الحديث عن شرعية صندوق الاقتراع «عقيدة الليبراليين الرئيسية»-هلل عزمي بشارة كثيراً وكال المديح لمنجزات «الديمقراطية» المصرية عندما انتخب مرسي- هو حديث متسرع وسطحي. فخيارات الجماهير أوسع من الارتهان لآلية واحدة في هذا الوقت على الأقل، والدليل على ذلك أن هذه الشرعية تهاوت أمام شرعية الشارع الأداة الرئيسية للتغيير في هذه المرحلة التاريخية التي تتسم بصعود القوى الثورية. كما ثبت من دون شك أن دور الجيش الوطني في بلدان العالم الثالث دور مفصلي ورئيسي (فهو أكبر قوى منظمة وواعية ووطنية) في عملية التغيير وهو وطني يلتزم خيارات الشعب بالضرورة عندما تتحرك الجماهير للمطالبة بحقوقها رغم كل التحفظات المحقة على أداء هذه الجيوش في المراحل التاريخية السابقة.   
على صعيد آخر أظهرت الأيام الماضية أن كل القوى السياسية سواء من في السطلة «الإخوان المسملون» أم المعارضين لهم، جلهم مأزومون بسبب عدم قدرة أي منهم على إنتاج برنامج ثوري يخفف من مخاض المرحلة الإنتقالية، فالموجة الثورية التي تلهب قلوب الجماهير الباحثة عن حلول جذرية لقضاياها الاقتصادية والوطنية والديمقراطية لم يلاقيها أي من القوى السياسية ببرنامج ثوري يحقق أو يلمح على الأقل بإمكانية حصول نقلات نوعية في الواقع المصري.

الإسلام السياسي..سقوط سريع!

الدرس الثاني الذي توضح بما لايدعو مجال للشك أن مشروع الإسلام السياسي ونواته «الإخوان المسلمون» تعاني من بنية إصلاحية ليبرالية ولاتحمل برنامجاً جدياً يلبي طموحات الجماهير حتى على مستوى إدارة مرحلة انتقالية. حيث سعى الإخوان خلال الفترة الماضية إلى تكريس ذات الأفعال التي مارسها النظام أيام مبارك، ففاوضوا صندوق النقد الدولي على قرض يعيد مصر للارتهان الاقتصادي للغرب، وتجاوزوا الخطوط الحمراء في مساعيهم لأخونة الدولة المصرية عبر مساعيهم للهيمنة على صياغة الدستور وفرض تعيين النائب العام ومحاولات الهيمنة على الإعلام والثقافة والقضاء، مقصين كل القوى السياسية الأخرى ورافضين أي شراكة لايكون لهم فيها اليد الطولى (حتى حزب النور السلفي حليفهم الأهم اشتكى مراراً من فوقيتهم). كما ساهموا بإهانة الكرامة المصرية عندما باتوا أدوات للمشروع الأمريكي عبر موقفهم من الأزمة السورية الداعي للتصعيد الدموي، وخضوعهم للمعونات القطرية، وعدم تحريك ساكن في اتفاقية «كامب ديفيد» حتى في عز الحرب على غزة في تشرين الثاني 2012، بل أرسلو رسائل التبريك لشمعون بيريز بعدها بقليل، وكان آخر مواقفهم المتراخية بمايخص الأمن القومي هو عدم تحريكهم لساكن في أزمة مياه النيل وبناء سد النهضة من قبل إثيوبيا.

المشروع الأمريكي: الأخونة/ اللبرلة/ العنف

مايمكن توصيفه كدرس آخر هو أن المشروع الأمريكي الذي طُرح لاستيعاب الحراك الثوري في المنطقة العربية قد تعرض لضربة قوية. فالدفع بالسطلة ليد الإخوان كانت جزء من هذا المشروع كخطة أولى في بعض الأماكن كما حدث في مصر وتونس، حيث يشكل برنامج الإخوان السياسي في هذه الدول حاملاً هاماً للمشروع الأمريكي من الناحية السياسية والاقتصادية، كما بدا الإخوان خياراً عملياً كونهم يجيدون اللعب «الديمقراطية» التي قد تطفئ شيئاً من رغبات الشعب المتعطش لأي تغيير، والجدير ذكره هنا أن الفوضى والعنف هي أيضاً حوامل أخرى للمشروع الأمريكي وما تلميحات الإخوان بالمواجهة والعنف فيما لو أقيل مرسي إلا تغييراً لشكل المشروع الأمريكي في مصر من «الإخوان في السطلة» إلى «الإخوان في العنف»، كما لوحظ في ذات السياق تصدر بعض وجوه سلطة مبارك لأحاديث في وسائل الإعلام كراكبين على الموجة الثورية الثانية، وذلك لمحاولة هز ثقة الشارع بها وجره إلى الفوضى، ناهيك عن أن جزءاً هاماً من وجوه المعارضة الحالية لايخرج كثيراً عن المشروع الليبرالي الأمريكي وإن بصيغة غير إخوانية.
وعلينا هنا أن نذكر القارئ بمراهانات الإخوان حتى اللحظة الأخيرة على العون الأمريكي، حيث قالت تصريحات الرئاسة المصرية في 2 تموز أن:«أوباما أكد للرئيس المصري أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع القيادة المصرية المنتخبة من الشعب المصري»، وفي السياق ذاته جاءت تصريحات الأمين العام للحزب الإسلامي محمد أبو سمرة في 4 تموز على قناة الميادين معلقاُ على قرار السيسي بإنشاء حكومة جديدة لإدارة البلاد بعد مرسي:«أن الغرب لن يوافق على هذه الحكومة»!، وصرح أوباما تعليقاً على موقف القوات المسلحة:«أن الولايات المتحدة تراجع موضوع المعونة وقلقون لأجل إزالة مرسي وتعطيل العمل بالدستور»!
أخيراً يجب أن لاننسى أن الصفحة الثانية من الثورة المصرية لاتزال قيد التحقق، وهي ستواجه أخطاراً كبيرة قد يكون عنوانها الأبرز العنف، ولكن ما يستدعي التساؤول والتفكر هو مدى انعكاسات الموجة الثورية، فإشعاع مصر إقليمي ودولي وستصيب تداعياته دون أدنى شك العديد من الدول كتونس وسورية وفلسطين والخليج العربي وتركيا وجنوب أوروبا وغيرها..