_
أجندة عمل واشنطن: بند واحد... لا للحل!
سعد صائب سعد صائب

أجندة عمل واشنطن: بند واحد... لا للحل!

يمكن لمن يتتبع تصريحات وتحركات جيمس جيفري، منذ توليه منصبه كمبعوث خاص أمريكي لسورية (آب 2018)، أن يجزم بأنّ جدول أعماله «الحافل» يتمثل بنقطة واحدة، ومهمة واحدة، فقط لا غير: ينبغي تخريب كل ما يفعله الروس، ينبغي إغلاق الباب أمام أي طريق يمكن له أن يؤدي إلى إنهاء الأزمة...

قبل كل شيء، لا بد من الإشارة إلى أنّ نشاط جيفري الإعلامي، اتخذ شكل نوبات متقطعة من النشاط المحموم (كما هي حالته هذه الأيام) ضمن حالة عامة من الصمت والتواري والعمل خلف الكواليس.
وبدراسة تلك «النوبات»، يظهر بشكل واضح أنّ كلاً منها كانت تأتي كرد فعلٍ على أية خطوة إلى الأمام تسيرها أستانا، وروسيا بشكل خاص، سواء على الأرض أو في السياسة.
لنتذكر معاً سلسلة المؤتمرات الصحفية والاجتماعات التي عقدها ونظمها جيفري (بما في ذلك اجتماعات المجموعة المصغرة الميتة سريرياً) في إطار التصدي لمؤتمر سوتشي الذي انعقد في مطلع العام 2018، وهو المؤتمر الذي وضع الأساس لتشكيل اللجنة الدستورية. يمكن كذلك أنْ نتذكر سلسلة أخرى نهاية العام 2018 حين كانت اللجنة على وشك التشكل، وكان من الضروري تنشيط العمل الأمريكي لمنع تشكلها. السلسلة إياها انقطعت مع إعلان ترامب نيته الانسحاب من سورية، وإذ ذاك اختفى جيفري بضعة أشهرٍ قبل أن يعود للظهور مجدداً حين تم التراجع عن الانسحاب الكامل.
ويمكن سحب هذه المسألة على جملة من القضايا الأخرى التي تدخل جيفري لتخريبها، نذكر منها: (الدفع الروسي: 1- لعودة سورية إلى الجامعة العربية، 2- لحوار جاد بين قسد والنظام، 3- لحوار بين دمشق وأنقرة، 4- لإنهاء ملف النصرة... وغيرها).
حول النقطة الأخيرة، لا ضير من التذكير بما أعلنه جيفري يوم 30 كانون الثاني الماضي، ضمن نوبة نشاطه الحالية، حين قال: «الولايات المتحدة تقر بوجود إرهابيين في إدلب، وهناك مجموعة كبيرة من النصرة وهيئة تحرير الشام وهي متفرعة من القاعدة، وتعتبر منظمة إرهابية، ولكنها تركز بشكل أساس على قتال النظام السوري وروسيا، وهم يدّعون أنهم وطنيون ومقاتلون معارضون وليسوا إرهابيين، ونحن لم نقبل هذا الادعاء بعد ولكن لم نر أنهم شكلوا تهديداً دولياً منذ فترة».
يكشف هذا التصريح عن الإصرار الأمريكي على منع إنهاء ملف النصرة، بما في ذلك الوصول إلى حدّ التلويح باعتبارها «معارضة وطنية» وسحب الوسم الإرهابي عنها. المنطق العام يقول إنّ إنهاء النصرة يقرب إنهاء الأزمة، لكن السر الأهم هو أنّ إنهاء النصرة سيفتح طرق إم4 وإم5 ومعها سيفتح الباب للوصول إلى حد كافٍ من الاتفاق بين سورية وتركيا بما يسمح بتحويل أداة العقوبات الأمريكية والغربية إلى أداة عديمة الجدوى في تعميق الفوضى وتهديد وحدة سورية ومصيرها، ناهيك أنّ حل ملف النصرة سيعني ضمناً أنّ الشمال الشرقي والوجود الأمريكي فيه سيصبح نافلاً وقابلاً للإنهاء بالسرعة القصوى.

«لا نطالب بخروج الروس»

في مؤتمر صحفي من واشنطن يوم الخامس من شباط الجاري، ألقى جيفري بجملة تصريحات بعضها مكرر، ولكن ليس كثيراً، وبعضها جديد. إذا بدأنا بالجديد فهو قوله: «لا نطالب بخروج الروس من سورية». لكن إذا حاولنا تجميع مكونات اللوحة التي يشكلها السلوك الأمريكي تجاه سورية (الوقوف في وجه إنهاء النصرة، وفي وجه أية تسوية بين قسد والنظام، والإيحاء بحوار بين قسد وأنقرة بديلاً عن حوار سوري داخلي، وبحوار بين قسد وبلدان عربية بديلاً عن حوار سورية مع تلك البلدان. كذلك الوقوف في وجه حوار بين سورية وتركيا، وفي وجه عودة سورية للجامعة العربية، العقوبات واستمرارها وتشديدها، وفوق ذلك كله «لا نطالب بتغيير النظام») يمكننا أن نفهم كلام جيفري بطريقة أخرى؛ فما يقوله جيفري فعلياً«لا نطالب بخروج الروس» بل (لا نريد خروج الروس؛ ليس من مصلحتنا إزاحة عبء الأزمة السورية عن كاهل الروس، نريد للأزمة أن تستمر، نريد للحرب أن تستمر، ونريد للروس أن يطول استنزافهم)

«لا نطالب بتغيير النظام»

بعيداً عن البروباغاندا ضيقة الأفق التي يستخدمها كل من النظام والمعارضة، والمتشددون ضمنهما على وجه الخصوص، للقول تارة بأن أمريكا تعادي النظام السوري، وتارة أخرى أن أمريكا تساند المعارضة السورية وتساند التغيير، فإنّ سلوك واشنطن طوال سنوات الأزمة السورية، والمعادي للشعب السوري بأسره، والموالي للكيان الصهيوني بشكل مطلق، ليست لديه مشاكل كبرى، لا مع المتشددين في النظام ولا مع المتشددين في المعارضة، طالما يصب سلوكهما في استدامة الأزمة وتعميقها.
لذلك بالضبط، فإنّ جيفري صادق حين يقول إنه لا يطالب بتغيير النظام، ذلك أنّ البنية التي يسيطر عليها الفساد الكبير وتمارس النهج الليبرالي المتوحش، وتعاند ضد الحلول السياسية وضد تنفيذ القرار 2254 بكل ما تملكه من سبل، هي بنية مثالية لاستمرار الأزمة، وعليه فأية مصلحة لواشنطن أن تطالب بتغييرها؟
ينبغي التذكير هنا بأنّه ليس من حق واشنطن (وليس فقط واشنطن) لا المطالبة بالتغيير ولا المطالبة بعدم التغيير، وكلا الأمرين سواء في انتهاكه لسورية ولإرادة شعبها، ولكن ما يدفعنا لنقاش ما تعلن واشنطن أنها تريده، هو حجم الكذب العلني الذي مارسته ولا تزال، ابتداءً من «على الأسد أن يرحل» ووصولاً إلى «لا نطالب بتغيير النظام». على أنّ واشنطن كانت طوال العقد الكارثي الماضي، تنتقل من خطاب إلى خطاب وفق جدول أعمال الفوضى نفسه، والذي لم يتغير جوهره المتمثل في البحث عن طريقة لنشر أكبر وأعمق وأطول فوضى في كامل منطقتنا في إطار استنزاف الخصوم وتأخير تظهير التوازن الدولي الجديد. مع ذلك، فإنّ الجديد في المسألة، وابتداءً من الدخول الروسي المباشر نهاية 2015، ومن ثم مع تشكيل وتقدم مسار أستانا، هو أنّ جدول العمل الأمريكي بات عديم المبادرة، وبات أكثر بساطة بكثير مما مضى (رغم كل تعقيداته)؛ ذلك أنّه كما أشرنا آنفاً، غدا يتكون من نقطة واحدة لا غير: علينا العمل لتخريب أية خطوة باتجاه الحل، وعلينا لذلك تخريب أي جهد لأستانا، وعلينا بالأساس تخريب أية خطوة لروسيا.

ينبغي أن يفكر جيفري سريعاً بموقع جديد

الإيجابي في المسألة هو أنّ الخطوات باتجاه الحل، ورغم تعثرها، تسير وتتحقق رغماً عن إرادة الأمريكي، ناهيك عن إيجابية الاضطرار الأمريكي لإعلان المواقف الحقيقية من الإرهاب والحل والأطراف السورية المختلفة. الأكثر إيجابية هو أنّ تراكم السير باتجاه الحل يجعل من قدرة التخريب الأمريكي أضعف فأضعف، الأمر الذي سيصل ضمن آجال منظورة إلى نسف جدول أعمال جيفري ذي النقطة الوحيدة، وبلا رجعة، وحينها لا بد لجيفري من البحث عن مهمة جديدة وموقع جديد، ونعتقد أن من مصلحته أن يبدأ بالبحث عنهما سريعاً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
952
آخر تعديل على الأربعاء, 12 شباط/فبراير 2020 12:20