_
أفول إمبراطورية (5) أزمة المركز والقاعدة

أفول إمبراطورية (5) أزمة المركز والقاعدة

لفترةٍ طويلة، استبعد كثيرون إمكانية تبدّل العلاقات الأمريكية مع كيان العدو نظراً لطبيعة الارتباط والتشابك بين الجانبين على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين، لكن تغيّرات مهمّة تطرأ اليوم على أساسات هذه العلاقة. وإن كنا في الأجزاء السابقة ألقينا الضوء على الخيارات المتاحة أمام دولٍ تتخذ علاقاتها التقليدية بالولايات المتحدة طابعاً متغيراً، فإننا في هذا الجزء الأخير، نقف عند نوعٍ من العلاقات التي يهدد تبدلها أحد الأطراف وجودياً.

بعد الحرب العالمية الثانية، استكملت الولايات المتحدة- بوصفها الإمبريالية حديثة النشأة في ذلك الحين- ما بدأه البريطانيون في بدايات القرن العشرين من دعم منقطع النظير للكيان الصهيوني، وتطوير دوره الوظيفي في المنطقة، كقاعدة متقدمة للإمبريالية. وأفضى هذا الدعم إلى إنتاج تفوق لهذا الكيان على حساب دول المنطقة، ابتداءً من الجانب العسكري التقليدي، وصولاً إلى تطوير القدرات النووية. وتراوحت تقديرات الدعم الأمريكي الذي تلقاه الكيان الصهيوني منذ عام 1948 حتى عام 2017 بين 130 إلى 280 مليار دولار (حسب بيانات خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي).

المأزوم لديه أولوياته

الأزمة التي تتفاقم لدى الجانب الأمريكي الداعم تدفعه مضطراً إلى إعادة تقييم أولوياته، إذ تحتاج الولايات المتحدة، وهي في طور تراجعها الواضح، إلى إعادة ترتيب عدد كبير من التفاصيل الحاكمة لعلاقتها مع حلفائها وأدواتها. في المقابل، يتحسس الكيان الصهيوني المؤشرات الكبرى على انخفاض مستوى التحكم الأمريكي في ملفات العالم: من الاتفاق النووي الإيراني، إلى سير حل الأزمة السورية، بالتزامن مع تطورات الحراك الشعبي في فلسطين المحتلة، مروراً بخلع «الإخوان المسلمين» في مصر على مرأى من الولايات المتحدة.
على هذه الأرضية، سمح ريع القوة الأمريكية (حتى غزو العراق تقريباً) للولايات المتحدة بتحمل أعباء الكيان الصهيوني وخساراته اللاحقة في لبنان وقطاع غزة، كون الإدارة الأمريكية «كسبت» في أماكن أخرى بعقلية «شرطي الكوكب». لكن الانكفاء التدريجي للولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، يدفع الأمريكيين - ورغم كل ما يظهر على السطح من «عطايا» و«صفقات» أمريكية باتجاه الصهيوني- إلى إعادة الحسابات جدياً في منطق العلاقة مع «الحلفاء التقليديين»، ذلك ما يدفع إلى الاعتقاد الراسخ بأن منطق المرحلة الجديدة التي تمر فيها البشرية لا يسمح بالبحث عن سبل مقاومة العدو الصهيوني فحسب، بل بالبحث في إمكانية استمراره أصلاً...

تباين الحسابات الإستراتيجية

تواجه العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني قطعاً إستراتيجياً متنامياً. في السابق، لم تكن التصورات الأمريكية و«الإسرائيلية» في وئام تام دائماً، لكن كان هناك دائماً ما يكفي من «التنسيق المشترك» للتغلب على التباينات، ففي سبعينات وثمانينات القرن الماضي، كانتا ملتزمتين بالحرب الباردة، وفي تسعينات القرن ذاته، جمعهما المشروع المشترك لـ«السلام بين العرب و«إسرائيل»»، وبعد 11 أيلول عام 2001، جمعتهما أيضاً ما تسمى بـ«الحرب على الإرهاب».
أما اليوم، فإن أحداث المنطقة لا توفر مستوى الوحدة ذاته، إذ إن «إسرائيل» التي تخشى اليوم من التبدلات الجارية في الإقليم، وعلى رأسها تصاعد الوزن النوعي لـ«ترويكا آستانا»، يدها «في النار» أكثر من الولايات المتحدة التي تمثل متغيرات المنطقة بالنسبة لها فقداناً لواحدة من مناطق النفوذ المهمة لها. بمعنى آخر، إن ما يمثل تهديداً لوزن الولايات المتحدة في المنطقة، يمثل بالنسبة للكيان تهديداً وجودياً، لا تهديداً في الوزن فقط. فهذا الكيان لن يكون مضطراً إلى التعامل مع المشهد الإقليمي الجديد فحسب، بل كذلك سيكون عليه أن يخضع للابتزازات الأمريكية في إطار سياسة واشنطن التي تميل إلى ابتزاز كل حلفائها التقليديين في سياق الصراع مع الخصوم الإستراتيجيين.

الأزمة المركبة

إذن، يعيش الكيان اليوم أزمة مركبة، يعبّر جانبها الأول عن أزمة داعمه الأمريكي وتداعي وزنه على الصعيد الدولي، بكل ما يعنيه ذلك من انسداد الأفق تاريخياً أمام الكيان بوصفه قاعدة متقدمة للإمبريالية في المنطقة، وبالإضافة إلى ذلك، ليس للكيان من فرصة للتعويل على حلفائه من بعض الأنظمة الموجودة في المنطقة، حيث إن هذه الأنظمة تعيش الضغط الأمريكي ذاته، وإن بمستوياتٍ مختلفة، ناهيك عن أزماتها الداخلية المستعصية وشديدة التعقيد.
أما الجانب الثاني، فهو ذلك المتعلق بالعمل على خلق فضاء إقليمي جديد، تقوده تفاهمات «آستانا» التي تلعب اليوم دوراً مهماً بوصفها نواة لمنظومة إقليمية جديدة قيد الإنشاء، وإحدى أدوات المواجهة التي تستعملها هذه المنظومة تتمثل بالعودة إلى تطبيق القرارات الدولية التي لم تسمح الهيمنة الأمريكية السابقة بتطبيقها، وهذا يمثّل نقطة مقتل بالنسبة للكيان الذي يدرك أن تطبيق القرارات الدولية إنما يضع بقاءه ذاته موضع شك. أما ثاني أدوات المواجهة بالنسبة لهذه النواة الإقليمية الجديدة فتتمثل في إيجاد تفاهمات تساعد في وضع حد للتفتيت والفوضى في المنطقة، أي إن مصلحتها في العمق تتعارض مع وجود الأكسجين الذي تنفّس منه الصهيوني طويلاً.
أما الجانب الثالث، والأهم، فهو أن استمرار الكيان بنفوذه يعني اضطرار الفلسطينيين إلى تقديم تنازلات كبرى في مرحلة تسمح لهم بانتزاع حقوق لم يكن من الممكن انتزاعها في مرحلة السيادة الأمريكية، أي إنها تنازلات كبرى على حساب الشعب الفلسطيني، لكن الحراك الشعبي الفلسطيني بأوجهه وأماكنه المتعددة قد فرض نفسه منذ زمن لاعباً أساسياً في المشهد. هذا الحراك بتطوره اللاحق، وانفتاحه على احتمال إنتاج قيادات سياسية فلسطينية ليست موجودة بشكلها الناجز اليوم، هو الضمان لتحقيق التقاط تاريخي للظروف الدولية التي كل ما فيها من وقائع تؤكد على أن أرضية متينة تُبنى اليوم بجهود القوى الصاعدة دولياً لانتزاع مكتسبات حقيقية لمصلحة الشعب الفلسطيني.

معلومات إضافية

العدد رقم:
931
آخر تعديل على الإثنين, 16 أيلول/سبتمبر 2019 13:07