_
من الذي يعرقل اللجنة الدستورية ولماذا؟
سعد صائب سعد صائب

من الذي يعرقل اللجنة الدستورية ولماذا؟

يكاد لا يختلف اثنان في أنّ اللجنة الدستورية لن تشكل بذاتها حلاً للأزمة السورية، بل ويمكن أن يلاحظ المتابع أنّ تصريحات الأطراف المختلفة خلال الفترة الأخيرة (الفترة الأخيرة فقط!) باتت متقاربة في توصيفها للجنة بوصفها مجرد مدخل للحل أو مفتاحٍ له.

لكن حتى هذه الـ«مجرد مفتاح»، لا تعني نهائياً التقليل من أهمية هذه الخطوة، ولعل حجم التعقيدات التي تعترض طريقها، والتأخير الزمني الكبير في عمليات التجهيز لها، هما ما يثبت بوضوح الأهمية «المفتاحية» لهذه اللجنة؛ بما يعنيه ذلك من خطوات عديدة ستليها في سياق التطبيق الكامل للقرار 2254.

تفاصيل؟

ينشغل «المعلقون السياسيون» و«السياسيون» أنفسهم، ومنذ عامٍ وأكثر، في ملء الفضاء الإعلامي بالأحاديث عن طبيعة الخلافات التي تحول دون تشكيل اللجنة حتى الآن؛ يأتي في هذا المضمار الحديث عن الثلث الثالث بصفة عامة، وتفريعاته الجزئية عن ستة أسماء تارة، وقبلها عن 8 أو 9 أو 17، إلى جانب نقاش القواعد الإجرائية، ونسب التصويت، ومكان العمل، والمهمة المطلوبة من اللجنة، أهي تعديل دستور 2012 أم صياغة دستور جديد...وإلخ.

ورغم أهمية هذه الجوانب جميعها، إلا أنّ سلوك الطرفين المتشددين تجاهها، وطبيعة الخلاف حولها، تكشف الموقف الضمني لهما من اللجنة ككل، والذي كان واضحاً ومعلناً يوم عقد مؤتمر سوتشي في نهاية الشهر الأول 2018، ثم بات مغلَّفاً بعد ذلك بالخلاف على التفاصيل المختلفة المشار إليها هنا.

تغيير أم تعديل

لم يكد ينتهي مؤتمر سوتشي حتى بدأت تظهر أصوات محسوبة على الموالاة تحاول تأطير نتائج سوتشي بالقول إنها تقول بتشكيل لجنة تناقش دستور 2012 ووظيفتها محصورة في تعديله.

على الضفة المقابلة، وفي صفوف متشددي المعارضة، جرى الإصرار على أنّ عمل اللجنة هو تغيير الدستور ووضع دستور جديد.
استخدم بيان سوتشي، وبشكل مقصود، تعبير «الإصلاح الدستوري»، الذي يؤمن قاعدة كافية للاحتمالين (التعديل أو التغيير)، وذلك ليغلق الطريق أمام الاشتراطات المسبقة المعروفة والمتوقعة من المتشددين في الطرفين، والذين يرهنون تشكيل اللجنة، كل من جهته، بالإقرار بما يريده كنتيجة نهائية (تعديل، أم تغيير).

حين يترك المرء هذه المسألة جانباً، ويحاول تقصي آراء متعددة موجودة ضمن الطرفين حول الدستور المقبل (أكان ناتجاً عن تعديل أم تغيير)، فإنّه يلمس حجماً من التقاطعات لا بأس به، بل إنّ حجم الخلافات أقل بكثير من حجم التقاطعات، وهذه التقاطعات وحدها كافية لتحقيق (تعديل كبير يصل حد التغيير).

المقصود بهذا الكلام، أنّ الإرادة السياسية فيما لو كانت متوفرة لدى المتشددين، وهي ليست كذلك، لَكَان تم تجاوز هذه النقطة بالتمسك ببيان سوتشي نفسه، وبتعبير الإصلاح الدستوري بالذات، على أن تكون المهمة الأولى للجنة بعد تشكيلها هي التوافق على الأمور التي تحتاج إلى تعديل والأمور التي تحتاج إلى إضافة، انطلاقاً من الدساتير السورية جميعها بما فيها دستور 2012، ومن ثم اتخاذ قرار على أساس ملموس، حول هل سيكون التعديل كافياً أم أننا بحاجة لتغيير، وهذا بالضبط هو الموقف الذي أطلقته منصة موسكو منذ جرى اختراع هذا الخلاف؛ حيث تمسكت بأنّ مهمة اللجنة هي «الإصلاح الدستوري» وألمحت أنها ميَالة لدستور جديد ولكن ليس كشرط مسبق كما يفعل المتشددون، وآخذة بعين الاعتبار أنّ النقاش السابق لأوانه حول الموضوع هو أشبه بالنقاش حول جنس الملائكة وهدفه إعاقة تشكيل اللجنة، وقالت إنّ الأفضل هو تحديد دائرة القضايا المطلوب نقاشها أولاً، وبعد ذلك فلكل حادث حديث.

الثلث الثالث

إذا كانت الأشهر الأولى بعد مؤتمر سوتشي قد تم ملؤها بالحديث عن تعديل أم تغيير، فإنّ هذه «الحجة»، ولضعف منطق المتمسكين بها، تراجعت إلى الخلف قليلاً، وإنْ لم تكن قد غابت بشكل نهائي حتى الآن، لتحل محلها معضلة كيفية تشكيل الثلث الثالث. هنا ظهر اجتهادان، الأول من جهة النظام الذي ضغط لوضع رأيه في الشخصيات المنضوية ضمن هذا الثلث وفي اختيارها، لتبدأ عمليات الأخذ والشد بين الموافقة على أسماء معينة ورفض أخرى.

على الجهة المقابلة، استقالت هيئة التفاوض من دورها بتأثير المتشددين فيها، (ورغم رفض منصة موسكو ومطالبتها بأن يكون للمعارضة رأي في اختيار أعضاء الثلث الثالث أسوة بالنظام).

ادّعى المتشددون لفترة طويلة أنّ اختيار جميع شخصيات الثلث الثالث هو من صلاحيات دي مستورا والأمم المتحدة وحدها. وبتنازل هيئة التفاوض عن حقها في المشاركة بصياغة الثلث الثالث، سهلت مواجهة النظام مع ديمستورا بحجة منطقية هي التدخل الخارجي باللجنة، وكمقابل لهذا التنازل أخذت هيئة التفاوض من ديمستورا ضمانة أن تبقى الممثل الوحيد للمعارضة في اللجنة، في وقت كانت هناك قوى معارضة هامة تمثلت في سوتشي تم تهميشها بهذه الطريقة، بل وحُصر التمثيل بشكل احتكاري تقريباً في أولئك الذين لم يحضروا سوتشي، بل وعملوا ضده علناً وسراً.

أي أنّ سلوك المتشددين في «تنازلهم» هذا، شكّل وجه العملة الآخر لسلوك النظام في هذه المسألة. ما يوضح هذا الأمر بشكل كبير، هو التصريحات الجديدة لرئيس هيئة التفاوض والتي أكد فيها أنّ الأسماء الستة الباقية لن تمر دون موافقة المعارضة! أي أنّ كل التصريحات السابقة جرى محوها في يوم وليلة، وجرى الانتقال إلى موقف جديد لا تفسير له إلا الرغبة في التعطيل.

وفي هذا السياق، فليس خافياً، ولا منسياً، موقف المتشددين في هيئة التفاوض الذين رفضوا حضور الهيئة لسوتشي، بل وكانوا يتباحثون مع دي مستورا في حينه حول أفضل السبل اللازمة لاحتواء سوتشي ومنعه من تحقيق أية نتائج، وتحت ذريعة الحفاظ على جنيف! ليست خافية أيضاً مواقف هؤلاء المعادية لأستانا، ومن قبلها لـ2254، وحتى لبيان جنيف الذي يبدو في خطابهم الآن وكأنه قدس أقداسهم.

جوهر المسألة

العودة بالذاكرة قليلاً إلى الوراء قد تساعد في توضيح المسألة بشكل أفضل، خاصة أنّ «حارتنا ضيقة»، والمواقف المتقلبة بل والبهلوانية أحياناً، بين الرفض والقبول، تظهر على لسان الشخصيات نفسها، ناهيك عن التيّارات السياسية.

إنّ الرسمة الأوّلية التي عمل على أساسها الطرفان المتشددان: (حسم/إسقاط)، كانت ولا تزال تحكم عقلية كل منهما، بل وخطابه الداخلي مع جمهوره، والذي تتسرب إيحاءاته دائماً بشكل مغلف في الأقوال والتصريحات العلنية.

الرسمة الأولية هذه، والتي رأينا تحقق أحد طرفيها أحياناً، والطرف المقابل أحياناً أخرى في بلدان عديدة مجاورة وبعيدة، هي رسمة «منطقية» في ظروف التوازن الدولي القديم حيث الهيمنة الغربية، والأمريكية خصوصاً؛ فالحلّان المقدمان في هذه الرسمة، يضمنان عدم حدوث تغيير جذري في النظام القائم، وتحديداً في طبيعة العلاقات الاقتصادية الاجتماعية المكرّسة لخدمة مصلحة أصحاب الأرباح على حساب أصحاب الأجور، وفي طبيعتها المرتبطة بالغرب من موقع التبعية التكنولوجية على أقل تقدير، إن لم تكن أيضاً التبعية التجارية والمالية.

النتيجة الأسوأ الممكنة لهذه الرسمة، والأفضل من وجهة النظر الغربية، (والتي بات ممكناً نظرياً، مع درجة تعقيد وتداخل مكونات الأزمة، الوصول إليها عبر الطريقين الحسم والإسقاط) هي الوصول إلى تفتيت البلاد وانهيارها، وتحويلها إلى بؤرة إشعاع للفوضى صوب المحيط، وصوب المنافسين الكبار.

من الذي يُعيق؟

إنّ حل الأزمة السورية على أساس التوافق، كما يقول 2254، والذي يكمن جوهره في إتاحة الظروف اللازمة للشعب السوري ليقرر مصيره بنفسه، يعني فتح الباب أمام تغيير جذري شامل خارج الصندوق الغربي، ولذا فإنّ واشنطن وحلفاءها يبذلون أقصى ما يستطيعون لمنع الحل ككل، ومنع اللجنة نفسها من الظهور بوصفها مفتاحاً لذلك الحل.

وضمن الأطراف السورية، هناك من يستفيد من العمل الأمريكي بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لإبعاد شبح التغيير الجذري...

نزعم أنّ هذا هو جوهر المسألة، وكل ما عداه تفاصيل يجري اللعب من خلالها. نزعم أيضاً أنّ وقت الألعاب بات محدوداً، فهامش اللعب ضد حل الأزمة السورية، مشتق في نهاية المطاف من هوامش اللعب الأمريكي في منطقتنا، وهذه الهوامش تتقلص بشكل يومي ومتسارع...

معلومات إضافية

العدد رقم:
930
آخر تعديل على الأربعاء, 11 أيلول/سبتمبر 2019 15:25