لالتقاط الفرصة والظرف الجديد فلسطينياً
مالك موصللي مالك موصللي

لالتقاط الفرصة والظرف الجديد فلسطينياً

تسبّب قيام قوات العدو بهدم عددٍ من المنازل في حي وادي الحمص شرق مدينة القدس في الثاني والعشرين من الشهر الماضي- كخطوة جديدة في إطار العنوان الفضفاض المسمّى بـ«صفقة القرن»- بتداعياتٍ سياسية ودبلوماسية عدّة، كانت قد كشفت النقاب عن جهودٍ روسية إيرانية متوازية تسمح بتقدير أنه قد يكون هنالك حراك مشترك بين الدولتين للعمل على الملف الفلسطيني، ولا سيما موضوع الانقسام.

ما إن قام الكيان بهدم هذه المنازل، بدعوى أنها «أقيمت قريباً من الجدار العسكري العازل في الضفة الغربية»، حتى توالت التصريحات الدبلوماسية الرافضة لهذا السلوك، والتي زاد من حدتها رفض الولايات المتحدة طرح مسودة على مجلس الأمن مقدمة من الكويت وإندونيسيا وجنوب إفريقيا لاستصدار بيان يندد بعملية الهدم هذه.
ورداً على هذه التطورات، عقد رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، اجتماعاً طارئاً للسلطة الفلسطينية، بحثت خلاله موضوع الهدم ومسألة حجز الأموال الفلسطينية من قبل الكيان واستمرار النشاطات الاستيطانية، وأعلنت عقبه أن السلطة قد قررت «وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع الكيان وتشكيل لجنة معنية بتطبيق هذا القرار».
تلقت الفصائل الفلسطينية قرار السلطة هذا بكثيرٍ من الترحيب، ففيما اعتبرت حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي» هذا القرار بمثابة «خطوة في الاتجاه الصحيح»، أعلنت باقي الفصائل في اجتماعٍ لها في قطاع غزة تأييدها له، مؤكدة أن القرار يستلزم خطواتٍ عملية أخرى كي يؤثر بفعالية على كيان العدو. وفي العموم، أثار القرار جواً إيجابياً بين الفصائل الفلسطينية قد يشكّل امتداداً للتحركات الروسية الإيرانية على خط المصالحة الفلسطينية، والتي جرت قُبيل عملية الهدم بأيامٍ قليلة.

لقاءات متوالية في موسكو وطهران

في منتصف الشهر الماضي، أجرى رئيس مكتب العلاقات الدولية لحركة «حماس»، موسى أبو مرزوق، زيارة إلى العاصمة الروسية موسكو، التقى خلالها بمبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ونائب وزير الخارجية، ميخائيل بوغدانوف، وخلال اللقاء أكدّ أبو مرزوق أنّ روسيا رافضة لصفقة القرن، كما رفضت سابقاً مؤتمر وارسو وورشة البحرين الاقتصادية، وتقف إلى جانب طموحات الشعب الفلسطيني، «ونحن نثمِّن موقف روسيا على هذا الوضوح في مواقفها»، وصرح القيادي بأن مباحثاته مع بوغدانوف تناولت «إنهاء التفرد الأمريكي في الشرق الأوسط، والذي تصاحبه جهود البيت الأبيض الواضحة لتصفية القضية الفلسطينية، واستعادة الدور الروسي في المنطقة لتحقيق التوازن فيها»، مؤكداً أنه «كانت هنالك مقترحات محددة لدورٍ يمكن أن تلعبه موسكو خلال المرحلة المقبلة في موضوع تسوية القضية الفلسطينية والمصالحة الفلسطينية، لما لموسكو من علاقات ممتازة مع كل الأطراف الفلسطينية وتفرّدها في هذا السياق»، وبدوره، أكد بوغدانوف بعد اللقاء الذي دام لأربع ساعات أن العمل متواصل في الجوانب السياسية والعملية لإعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، باعتباره ظرفاً ترتبط به آفاق التسوية الفلسطينية.
وألحقت «حماس» زيارتها إلى موسكو بزيارة أخرى إلى طهران أجراها نائب رئيس المكتب السياسي للحركة، صالح العاروري، حيث بحث مع رئيس المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيرانية كمال خرازي، التطورات على صعيد القضية الفلسطينية، بما في ذلك ملف المصالحة.
وقبل ذلك كان رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، قد استقبل السفير الروسي، غوتشا بواتشيدزه، ليبحث الجانبان سُبل تفعيل ما توصل إليه عباس في اتصالٍ هاتفي مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي أكّد على ضرورة أن تتم المصالحة الفلسطينية ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وإنهاء الخلاف بين الفصائل، وتوفير روسيا ما يلزم لتنفيذ هذه العملية.

حراك جديد... ومراوحة أمريكية

تشي مجموعة الإجراءات المذكورة آنفاً والتي اتخذتها كل من روسيا وإيران في إطار تعزيز وحدة الصف الفلسطيني بأنّ زمام المبادرة في هذا الملف يشهد محاولات جديّة لنقلها من يد الولايات المتحدة، التي احتكرت دور «الوسيط» ردحاً طويلاً من الزمن، إلى يد الدول المناوئة للهيمنة الغربية.
فبينما تستطيع هذه الدول اليوم أن تنقل أفكارها بما يرتبط بالملف الفلسطيني إلى خطوات عملية ملموسة، لا تزال الولايات المتحدة تكابد من أجل إضفاء طابع جدي على تحركاتها المتخبطة في المنطقة، فبعد كل ما قامت به واشنطن لا يزال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، «يأمل» في انضمام دول الخليج إلى «الصفقة»، ولا يزال كبير مستشاري البيت الأبيض، جاريد كوشنر، يزور المنطقة طولاً وعرضاً دون أي تقدمٍ ملموس في هذا الملف، أما تصريحات المبعوث الأمريكي، جاسن غرينبلات، الذي لم ينفكّ يعلن أن ترامب سيكشف «قريباً» عن مضمون الصفقة، فقد تحوّلت إلى أضحوكة، وليس مصيرها سوى التأجيل كما تفعل الإدارة الأمريكية منذ نشوء فكرة هذه الصفقة.

موسكو تأخذ المبادرة؟

خلال اجتماع مجلس الأمن، شنت الخارجية الروسية هجوماً لاذعاً على واشنطن، كاشفة في تصريحاتها، وبما بين السطور، عن الخطوات العملية التي قد تتخذها في المستقبل القريب، حيث أكدت:
أولاً: واشنطن اتخذت نهجاً تدميرياً للمرجعيات الدولية للتسوية الفلسطينية.
ثانياً: الخطوات الأحادية التي اتخذتها الولايات المتحدة حوّلت عملية التسوية إلى رهينة.
ثالثاً: موقف واشنطن يعارض الأغلبية الساحقة لأعضاء المجتمع الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
رابعاً: على مجلس الأمن أن يتخذ زمام المبادرة ويرسل بعثة تابعة له إلى المنطقة.
خامساً: روسيا لن تقبل من اليوم فصاعداً باحتكار الجهود الدبلوماسية والسياسية في مسألة التسوية.
من شأن النقاط الخمس السابقة أن تشكّل أساساً لتعزيز الحضور الروسي في الملف الفلسطيني، الحضور الذي يسمح بفتح الباب واسعاً لتثمير النضالات الفلسطينية سياسياً، وبخروج هذا الملف من القيود التي كانت تفرضها مرحلة «الوساطة الأمريكية» على عملية التثمير هذه، مما يتطلب من القوى السياسية والشعبية الفلسطينية التقاط الفرصة، والظرف الجديد لتسريع هذه العملية من خلال إزالة كافة العوائق التي يمكن أن تقف في وجهها وتبطئ من حركتها، بما في ذلك إنهاء ملف الانقسام الذي ينبغي التعامل معه بوصفه أحد مفرزات المرحلة الأمريكية التي دفع ثمنها الشعب الفلسطيني سابقاً، وليس من المنطقي اليوم أن يدفع ثمن استمرارها بقوة العطالة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
925
آخر تعديل على الأربعاء, 07 آب/أغسطس 2019 14:08