_
الأزمة «الإسرائيلية» مرآة الأزمة الغربية
ملاذ سعد ملاذ سعد

الأزمة «الإسرائيلية» مرآة الأزمة الغربية

باتت الظواهر والمؤشرات العملية للأزمة العميقة في دولة الكيان الصهيوني تخرج وتكبر تدريجياً على مختلف الصعد، وبينما يندب البعض مكرراً أن القضية الفلسطينية في أصعب أوقاتها، والعدو في أفضل حالاته، فإن ما ينبغي استقراؤه هو العكس... فنحن اليوم في أقرب نقطة تاريخياً إلى زوال الدور الوظيفي للكيان.


أزمة الكيان الصهيوني تتعاظم في جانبين. الأول هو البنية (الإسرائيلية) بتناقضاتها الداخلية، وبشكل أساسي قيامه على أسس غير موضوعية، وبأدوات عنصرية ومن جذر فاشي، فالمجتمع (الإسرائيلي) غير مستقر، ويعتمد على الإحاطة والدعم الخارجي. والجانب الثاني والأساسي من أزمة الكيان: يرتبط بتراجع راعيها الأساسي، الولايات المتحدة الأمريكية، والانقسام الحاصل داخل الحكم الأمريكي، مما أفضى إلى حالة انقسام وتخبّط في الكيان الصهيوني نفسه، نتج عنه ضعف في الحكم وأزمة به، سيفتح الباب أمام التناقضات الداخلية لتتفاقم.

على المستوى الاجتماعي

من تلك التناقضات التي ظهر تفاعلها على المستوى الداخلي هو الأزمة الاجتماعية الجارية التي يتصدر عنوانها «يهود الفلاشا» أو «اليهود الأثيوبيين» كطائفة صغيرة داخل المجتمع الاسرائيلي، تُعاني من العنصرية الصهيونية والتهميش في معيشتها على المستوى التعليمي وفي سوق العمل والإدارة، وصولاً إلى القمع، حيث كان لمقتل شابٍ منها على أيدي شرطي صهيوني شرارة جديدة بانطلاق احتجاجات ومواجهات لم تهدأ حتى الآن. لكن رغم ذاك فإن الحقيقة ناقصة بعملية اجتزائها إعلامياً، فما يجري تداوله يوحي بتحديد المشكلة حول «الفلاشا» فقط، وكأن باقي المجتمع (الإسرائيلي) واحد، يحظى بحقوق متساوية؟... إن مسألة «الفلاشا» هذه لن تكون سوى «أول الرقص» على المستوى الداخلي، حيث السلوك العنصري ومنطق الحكم والإدارة الصهيوني يطال جميع الإطارات المجتمعية لمصلحة قلّة في الحُكم.

في الحكم

أما على مستوى «الحُكم» فالأمر يصب بذات العلّة، التناقضات الداخلية، حيث الكيان الصهيوني يعجز عن تشكيل حكومةٍ في اللحظة الحالية، ليصوّت الكنيست على حلّ نفسه والذهاب لانتخابات جديدة في أيلول. إنّ هذا الأمر لا علاقة له بدعاية «الديمقراطية»، فالخلاف في العمق ليس حول من يمتلك «برنامجاً» يوافق عليه (الإسرائيليون)، بل الخلاف يرتبط بالخيارات الضيقة والتي تضيق أمام دولة الكيان. (فالإسرائيليون) يدركون أكثر من غيرهم أن صفقة القرن، والعطايا الأمريكية لا تغير من واقع الميزان شيئاً. وأن الفشل السياسي هو مشروع جميع القوى «الإسرائيلية»، فلا أحد قادر على فرض توازن يلغي حقّ العودة، أو ينهي المقاومة المسلحة في غزة، أو يجعل التنسيق الأمني واستمرار أوسلو حتى مضموناً في الضفة الغربية. لا يستطيع «الإسرائيليون» أن يفرضوا شيئاً على القوى الفلسطينية، والشعبية تحديداً. فهم غير قادرين على الحرب، وغير قادرين على قبول أطر الحل الدولية، التي تؤكد على دولة فلسطينية، وحق العودة على الأقل، ففي هذه الحدود الدنيا من الحقوق الفلسطينية، مقتل للكيان. لذلك فإن جميع القوى السياسية (الإسرائيلية) المتصارعة اليوم، تتراوح بين التطرف، والتطرف الأقصى، وكلاهما خيار فاشل. ينجم عنه في نهاية الأمر تعقيدات سياسية تصل إلى حد عدم تشكيل حكومة، رغم «النجاح» الذي حصّله نتينياهو من وعود ترامب وتغريداته واعترافاته.

دولياً أيضاً

على المستوى الدولي توجد «صفقة القرن»، التي هي كما سبقها من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتوقيع واشنطن ورقة تفيد بأن الجولان «أرض إسرائيلية»، مُجرد «هدايا» شكلية يمكن القول عنها: إنها بحالتها وظروفها اليوم «تعويضات انتهاء الخدمة»، حيث إن كلاً منها قيمته الفعلية على المستوى الأمريكي في ظل التوازن الدولي الناشئ، لا يتعدى الصفر، ليُترك لذاك الكيان المأزوم وحده المواجهة بها بمحاولة يائسة لإطالة عمره. فصفقة القرن مؤخراً ومثالاً، فاشلة قبل إعلانها- إن أُعلنت أساساً- ففي العمق وأولاً: هي بعكس واقع تطورات واتجاهات الميزان الدولي الذي يؤكد مراراً: أن الكيان الصهيوني إلى زوال، بتراجع وسقوط راعيه ومُحركه الأمريكي، ليفقد دوره ووظيفته التي بُني عليها إلى غير رجعة، ويمكن التأكيد على ذلك بفشل صفقة القرن نفسها، سواء برفض كل المجتمع الدولي لها، أو بفشل اجتماع البحرين الذي حصل.

جزءٌ من كُل

إنّ الأزمات «الإسرائيلية»، الداخلية والخارجية، ليست إلا انعكاساً لأزمة المنظومة الدولية السابقة والتي تتماوت تدريجياً لتتفاعل تناقضاتها أكثر، وما تركيب الأزمة الاجتماعية وأزمة الحكم في الكيان الصهيوني إلا واحدةٌ من عديد أزمات الحكم عبر العالم، فالكيانات والأنظمة والدول التي ترتبط عميقاً بالحكم العالمي الغربي السابق، ومركزه في الولايات المتحدة، تعاني جميعها من تراجع رأس القاطرة الأمريكي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
922
آخر تعديل على الإثنين, 15 تموز/يوليو 2019 13:13