_
عن الوطنية والاستعمار الدولاري
رمزي السالم رمزي السالم

عن الوطنية والاستعمار الدولاري

يعتبر مفهوم الوطنية كغيره من المفاهيم، مفهوماً متحركاً، تتغير دلالاته وأبعاده وشروطه حسب معطيات الواقع الموضوعي، وتبعاً للمهام التي تنتصب أمام النخب السياسية في بلد من بلدان العالم.

ما لا شك فيه، إن الموقف من حماية الاستقلال السياسي كان وما زال يشكل الأساس المادي لأي موقف وطني، ولكنه في ظروف العالم المعاصر يعتبر هذا الشرط الضروري غير كافٍ، حيث يكتسب مفهوم الوطنية معنىً جديداً في بلدان الرأسمالية الطرفية عموماً، يتجاوز مسألة حماية الاستقلال الوطني، وحماية الحدود.
وبعيداً عن توزيع شهادات الوطنية أو حجبها عن أحد، فإن الاقتصار على الاستقلال السياسي يُحوّل الموقف إلى شعبوية وطنية يشوّه مفهوم الوطنية، ويميّعه ويجعله ملتبساً ويقزمه إلى المستوى العاطفي والانفعالي والوجداني والشعاراتية الخالية من المضامين الواقعية التي تؤمن الفعالية لأي موقف وطني.
يعتبر الإسراع في الخروج عن منظومة التبادل اللامتكافئ الشرط المكمل الذي لابد منه لحماية الاستقلال السياسي، ونقطة الانطلاق في الخروج عن هذه المنظومة في الظرف الراهن هي: التمرد على الدولار، المفروض كعملة أساسية في التبادل التجاري الدولي، إلى التبادل بالعملات المحلية أو المقايضة، أو أي إجراء آخر يبدعه العقل البشري في ظل ميزان القوى الدولي الجديد، الذي يوفر مساحة واسعة لبلدان الرأسمالية الطرفية للمناورة، لاسيما وأن التخلي عن الدولار بات ظاهرة عالمية، وهو أحد خطوط التماس في الصراع الدائر اليوم بين القوى الصاعدة والقوى المتراجعة. وتشير الاحصائيات الأمريكية نفسها إلى أن حصة الدولار في احتياطات الدول الأجنبية تبلغ حالياً 22%، بعدما كانت في وقت سابق عند مستوى 46%، خلافاً لحصة الذهب التي ارتفعت على مدى السنوات العشر الماضية إلى 19%.
جدير بالذكر، أن التخلي عن الدولار بالنسبة لبلدان الرأسمالية الطرفية هو معيار الموقف الوطني الحقيقي، وتجسيده الملموس في ظل عالم مضطرب مهدد بتسونامي الأزمة الذي سيجتاح كل البلدان بلا استثناء ويدفع بها إلى دوامة الفوضى الشاملة.
إن قوة الردع الوحيدة تجاه هذا التهديد الوجودي في عالم مضطرب، والخروج منه بأقل الخسائر تكمن في الإسراع بإيجاد الأدوات الضرورية للخروج من دوامة الدولار المأزوم، والاستناد إلى فكر اقتصادي جديد ينتج عنه نموذج اقتصادي قادر على إنتاج الأسس الضرورية للتنمية.
إن السقوط التدريجي لجدار الهيمنة الأمريكية، هو: السمة الأساسية للتطور اللاحق للعلاقات الدولية، ويتحتم على البلدان الطرفية الانطلاق من هذه الحقيقة للحفاظ على وجودها.
التحرر من الاستعمار الدولاري ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل يتعدى ذلك إلى التأثير على البنى الفوقية، فيلغي عملياً دور شريحة الكومبرادور وينسف وجودها، فهذه الشريحة التي نمت وترعرعت في البلدان الطرفية في ظل هيمنة رأس المال المالي على الاقتصاد العالمي مصيرها الموضوعي إلى الاضمحلال مع التحولات العميقة الجارية في العلاقات الدولية، ليزداد دور ومكانة الطبقات والشرائح المنتجة، التي تساهم فعلياً في الإنتاج الوطني.
إن تراجع وزن الدولار وتنامي مكانة ودور العملات المحلية في عملية التبادل التجاري يخلق تحديات مصيرية أمام كل أدوات الهيمنة الأمريكية على النطاق الدولي، ولعل أهم التحديات، هو تمويل ما يقارب ثمانمئة من القواعد العسكرية حول العالم، فتتراجع إمكانية دعم الدولار بالقوة العسكرية، كما هو سائد الآن، وأغلب الظن أن هذا المظهر من مظاهر القوة الأمريكية ربما يتحول لاحقاً إلى عبءٍ على الإمبراطورية الأمريكية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
918