_
الزلازل الكبرى: قرارات جيفري «الصعبة» ليست بتلك الصعوبة!
سعد صائب سعد صائب

الزلازل الكبرى: قرارات جيفري «الصعبة» ليست بتلك الصعوبة!

«موسكو وواشنطن تستكشفان مقاربة تدريجية خطوة بخطوة لإنهاء النزاع السوري المستمر منذ 8 أعوام، لكن هذا يتطلب اتخاذ قرارات صعبة»...

ما تزال الأوساط المختلفة المعنية بالشأن السوري في حالة ترقب لتبلور النتائج «المثمرة جداً» التي تحدث عنها بومبيو بعد لقائه في سوتشي مع كل من الرئيس ووزير الخارجية الروسيين، منتصف الشهر الماضي.

بدت زيارة بومبيو بحد ذاتها، خروجاً عن سياق تصعيدي استمر لما يقرب من عام كامل، لم تجر خلاله أية لقاءات بهذا المستوى، بل بدا وكأن العلاقات الدبلوماسية بأكملها تمرّ في مرحلة انقطاع شبه كامل.
تعززت «استثنائية» الزيارة وأهميتها، بالتصريحات التي أطلقها بومبيو، والتي نمّت عن الوصول إلى اتفاقات في عدد غير قليل من القضايا المطروحة على طاولة العمل الدولي، ومن بينها المسألة السورية التي ظهر من التصريحات أنّ التفاهم الأكبر قد جرى فيها بالذات.

ورغم أنّ التصعيد لم يتوقف بعد الزيارة، وظهر على الأقل عبر جلسات مجلس الأمن حول سورية التي باتت شبه أسبوعية، وما تخللها من تصعيد ووعيد، ورغم أنّ المتشددين من كل الأطراف حاولوا بشتى السبل اعتبار الزيارة سحابة صيف سرعان ما ستزول لتعود الأجواء كما كانت حارة ومحملة بالأخطار، إلّا أنّ إعلاناً جديداً أطلقه الكرملين ظهر اليوم، أعاد التأكيد أنّ المسألة ليست عابرة على الإطلاق. جاء في الإعلان «أعلن يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي، أن موسكو لاحظت في الفترة الأخيرة إشارات من واشنطن حول رغبتها في إقامة حوار معها على أعلى المستويات».

وإذا كان الاستناد إلى التصريحات الرسمية للجهات المتصارعة، ينفع كأداة في تحليل ما يجري وتوقع ما سيجري، فإنّ الاستناد إليها وحدها هو أداة تضليل أكثر منها وسيلة للفهم؛ فالتصريحات ينبغي أن تقرأ على أساس فهم عام لموازين القوى وتطوراتها وحركتها، والاقتصادية منها خصوصاً.

أربعة زلازل كبرى

لم يعد جديداً الحديث عن التراجع الأمريكي وعن الأزمة الأمريكية خصوصاً والغربية عموماً، ومع ذلك يبدو أنّ الوصول إلى الاستنتاجات الضرورية التي يمليها هذا التراجع لا يزال أمراً معقداً بالنسبة للكثيرين؛ سواء أكان ذلك من قصور معرفي أو من ضيق أفق تفرضه ارتباطات مصلحية، وجودية في كثير من الأحيان، مع الأمريكي ونظامه الدولي الأحادي.

الأمر شبيه بطريقة ما بالاكتشافات العلمية الكبرى التي تزلزل أسس المعرفة القديمة، ولكنها لا تهدمها دفعة واحدة، بل بشكل متتابع كتساقط أحجار الدومينو؛ نسبية أنشتاين مثلاً، تحولت إلى منظار جديد لإعادة رؤية العالم وترتيب المعرفة الفيزيائية، ليس عبر سنة أو عقد من الزمن، بل لعقود عديدة متتالية...

بين أحجار الدومينو الكبرى التي نشهد تساقطها هذه الأيام يمكننا أن نقف عند أربعة (سباق التسلح، العلاقات الصينية الروسية، هواوي والجيل الخامس، صفقة القرن).

أولاً: سباق التسلح

«هنالك خطر عالمي يتمثل بالانزلاق باتجاه سباق تسلح جديد». كذلك يعبر ساسة وباحثون حول العالم. ولكن حقيقتين طريفتين تختبئان تحت هذا الكلام، الأولى هي أنّ السباق قد انتهى بالفعل وظهر المنتصر وقضي الأمر. عبّر وزير الدفاع الأمريكي عن ذلك صراحة في جلسة اعتراف أمام الكونغرس حين قال إن الولايات المتحدة باتت متأخرة في التكنيك العسكري بحوالي 15 عاماً عن روسيا. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ دراسات إحصائية عديدة باتت متفقة منذ مطلع هذه الألفية أنّ تسارع إنتاج المعرفة على العموم قد وصل حداً مذهلاً باتت فيه البشرية تنتج كل 9 سنوات معرفة جديدة تعادل كل ما أنتجته سابقاً... أي أنّ الـ15 عاماً التي تحدث عنها الوزير الأمريكي هي فترة فلكية.

الحقيقة الطريفة الثانية، بل والنتيجة البسيطة التي لا يمكن نكرانها، والتي لا مكان للخوض في تفاصيلها هنا، لكن المقام مناسب لذكرها، هي أنّ سباق التسلح الذي أعلن الأمريكي عِبْر وزير دفاعه هزيمته فيه، كان سباقاً مستمراً قبل الوصول إلى خط نهايته؛ أي أنه كان مستمراً حتى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، بل كان مستمرّاً بالضبط بعد سقوط الاتحاد السوفييتي... تلك مسألة لها تفسيراتها، التي باتت اليوم على «بسطات اليوتيوب» باللغة الروسية.

ثانياً: العلاقات الصينية الروسية

يتفق عدد كبير من الباحثين أنّ انتصار الأحادية القطبية الأمريكية، بدأ منذ ستينيات القرن الماضي مع الخلاف الصيني الروسي وظهر بشكله النهائي بانهيار الاتحاد السوفييتي، بل إنّ كسينجر يفاخر بدوره الشخصي بتعميق هذا الخلاف بوصفه أهم إنجازاته الشخصية، وله كل الحق في ذلك.

المنظرون الأمريكيون الكبار، حاولوا خلال العقدين الماضيين تثبيت إستراتيجية المثلث متساوي الأضلاع الذي رؤوسه هي الصين- روسيا- الولايات المتحدة. أي أنهم اعترفوا ضمناً بأنّ أفضل ما يمكن الوصول إليه هو الحفاظ على مسافات متساوية بين الأطراف الثلاثة بحيث لا تكون المسافة بين الصين وروسيا أقصر منها بين الصين والولايات المتحدة، لأنّ حدوث ذلك يعني اختلالاً هائلاً في الموازين سيلقي الولايات المتحدة خلف البحار، حيث مكانها الطبيعي المتناسب مع وزنها الاقتصادي والجيوسياسي، كدولة طبيعية وليست كإمبراطورية.

تقول الوقائع اليوم، إنّ المثلث الذي تصنّع الصينيون والروس وجوده، بل وتساوي أضلاعه، بل وحتى أن قرب كل منهما على حدة من الولايات المتحدة، أكبر من قربه من حليفه الحقيقي؛ إنّ المثلث إياه لم يكن موجوداً منذ عقدين على الأقل سوى في مخيلة الأمريكي، وواقع الحال أنّ الصين وروسيا كانتا تعملان جنباً إلى جنب ضمن إستراتيجية طويلة الأمد لابتلاع الأمريكي على دفعات بالتوازي مع شل قدرته على شن حروب شاملة ومدمرة، وخاصة حروب نووية.

حجم الاتفاقات الاقتصادية والأمنية التي جرى توقيعها بين البلدين منذ بضعة أيام، ليس سوى مؤشر إضافي، يأخذ شكل الإعلان السياسي، عن درجة تقارب بل وتحالف راسخة منذ سنوات عديدة...

 

ثالثاً: هواوي والجيل الخامس

من المعلوم أنّ القطاع العسكري، هو القطاع الذي تتكثف فيه لا قوة الدول الاقتصادية فحسب، بل وأهم من ذلك قوتها المعرفية التي تكون بجزء كبير منها اكتشافات علمية جديدة، نظرية وتطبيقية، تحتاج عادة لعقود لكي تصل إلى قطاع الصناعات المدنية، وهذه معركة أعلنت واشنطن خسارتها فيها كما أشرنا آنفاً.

ومن الطبيعي، والحال كذلك، أن تخسر أيضاً معركة التطور المعرفي ضمن التصنيع المدني، وأهمية الحرب على هواوي والجيل الخامس، هي بالضبط بأنها الموازي المدني لاعترافات وزير الدفاع الأمريكي العسكرية؛ أي إنها اعتراف بالهزيمة في هذا المضمار أيضاً.

وعن أهمية الجيل الخامس نفسه، والذي يتضمن مفهوم «إنترنت الأشياء» بوصفها مجالاً تطبيقياً سيغدو بعد قليل في متناول كل إنسان على وجه الأرض، فذلك شأن كبير كل ما كتب عنه حتى الآن لا يمثل سوى جزء من حقيقته وحقيقة تأثيره الثورية على مجمل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.

رابعاً: «صفقة القرن»

المنطقة التي سماها الاستعمار البريطاني «الشرق الأوسط»، وذلك انطلاقاً من تموضع التاج على الكرة الأرضية، لطالما شكلت محلاً لصراع الإمبراطوريات الكبرى، وكان صاحب النفوذ الأقوى فيها، بشكل أو بآخر هو ذاته صاحب النفوذ الأكبر عالمياً.

فَهِم البريطاني مبكراً جداً، حساسية هذه المنطقة وأهميتها، ولذلك عمل على تقطيع أوصالها، وزرع الشقاق بين مكوناتها وشعوبها، بحيث لا تتمكن هذه الشعوب وهذه المنطقة في أي وقت من الأوقات من التخلي عن الطرق البحرية كشريانات لاقتصاداتها؛ وهذه الأخيرة هي شعار الإمبراطورية وأداتها الأهم، لأنّ الطرق البرية تعني تواصل هذه المنطقة التي تشكل بذاتها إقليماً اقتصادياً متكاملاً يستطيع العيش والاكتفاء ذاتياً وبأحسن الشروط ودون الحاجة للتاج، ولكن التاج هو الذي يحتاج تلك المستعمرات ولذا يجب منعها من التقارب.

ورثت الولايات المتحدة الخارطة نفسها، ومضافاً إليها الكيان الصهيوني، كعامل لتعزيز تباعد دول المنطقة، سواء عبر جرّها لاصطفافات مختلفة على أساس الموقف من الكيان، أو عبر استنزافها المستمر وإبقائها في أجواء المعركة بشكل دائم، ما يمنع تطور اقتصاداتها، بل ويؤثر بشكل عميق على بناها السياسية التي يستشري فيها الفساد وتقمع الحريات، تحت شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».
وجرى تطوير الشقاقات بين دول وشعوب المنطقة خلال العقود الماضية، بتعميق العمل على الفوضى الخلاقة بأدواتها المختلفة، الطائفية والقومية والدينية...

التقارب الذي ظهر خلال السنوات القليلة الماضية بين روسيا وإيران وتركيا، وفي خلفية المشهد دائماً هنالك الصين والمشاريع الكبرى كالحزام والطريق، وبريكس وإلى ما هنالك، والذي تبلور على خلفية الأزمة السورية، وبشكل خاص في ثلاثي أستانا، فتح الباب أمام ابتلاع الثنائيات الوهمية الطائفية والقومية، وأغلق الباب إلى حد بعيد أمام إمكانية استخدامها أداة لضرب الشعوب ببعضها، أي لتعميم الفوضى الخلاقة.

في هذه الظروف، بات الكيان الصهيوني قلعة أخيرة للأمريكي، وقلعة مطلوب منها أداء مهام أكبر بكثير من حجمها وقدراتها، وكان لا بدّ من دعمها عبر صفقة تضع إلى جانبها وبشكل علني، أولئك «المعتلين» من العرب وغير العرب، الذين بنوا عبر عقود جسوراً من التطبيع والخيانات. مشكلة أمريكا ومشكلة الكيان، ومشكلة المعتلين، إنهم جميعهم يعيشون الأزمة ذاتها، أزمة باتت من العمق أنّ المقاومة في غزة وحدها، ودون الحديث عن أي شيء آخر، قادرة على إسقاط صفقة القرن، وهو ما جرى فعلياً، وانعكس في انسداد الأفق الواضح الذي عبر عنه بومبيو مؤخراً وبصراحة.

 

القرارات الصعبة

تحت تأثير الزلازل الكبرى التي ذكرناها هنا، فإنّ القرارات الصعبة التي يتحدث عنها جيفري، ليست بتلك الصعوبة، بل تبدو هُزلاً أمام حجم الأهوال التي تنتظر الأمريكي. ورغم ذلك فإنّ من المهم بالمعنى الآني توقع طبيعة تلك القرارات التي يتحدث عنها، وبالضبط على أساس الزلازل أعلاه.

الأمريكي عليه أن ينسحب من سورية نهائياً، وأن يتخلى عن استخدامه لقسد وكذلك عن استخدامه للنصرة.
التركي عليه أن ينسحب من عفرين ومن الشمال السوري، وعليه أن يتخلى عن أذنابه من السوريين.
الإيراني والروسي أيضاً عليهما أن يرتبا لانسحابهما بالتوازي مع انسحاب الآخرين.
الكيان الصهيوني عليه التحضر لانسحاب كامل وقريب من الجولان السوري المحتل.
الأطراف السورية المتشددة عليها أنّ تتخلى عن أي أمل زائف بالهروب من التطبيق الكامل والشامل والقريب للقرار 2254.

هي قرارات صعبة بلا شك، ولكنها ليست بتلك الصعوبة!

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
917
آخر تعديل على الأربعاء, 12 حزيران/يونيو 2019 16:27