_
واشنطن- برلين: «المعركة دون صخب»
مالك سعد مالك سعد

واشنطن- برلين: «المعركة دون صخب»

في أية علاقات سياسية، وتحديداً تلك العلاقات القائمة بين دول حليفة، ثمة مكان ليس فقط للخطط الإستراتيجية العامة التي يقوم على أساسها التحالف، بل كذلك تنشأ بين الحين والآخر مجموعة من التناقضات التي عند حدّ معين من تراكمها، تصل العلاقة إلى مرحلة يبدو فيها التحالف صعباً، نظراً لما يترتب عليه من نتائج مجحفة بحق أحد طرفي العلاقة.

على هذا النحو، يصل عدد كبير من المتابعين للعلاقات الأمريكية الألمانية إلى استنتاج مفاده: أن علاقة التحالف والتعاون القائمة بين الدولتين قد وصلت إلى حائط مسدود، ويعود ذلك إلى عجز واشنطن عن لعب دور الحليف، الذي ينبغي عليه كي يكون دوره بشكلٍ منطقي أن يضع في حساباته ضرورة مراعاة مصالح الأطراف التي يتحالف معها. لكن الولايات المتحدة التي ترفض بهذا الشكل أو ذاك الاعتراف بتحلل نظام القطب الواحد، وبدء تشكل منظومة عالمية متعددة الأطراف، لم يعد في جعبتها سوى إلحاق الضرر بهؤلاء الحلفاء. وليس أكثر دلالة على ذلك من طريقة التعامل الأمريكي مع أوروبا فيما يتعلق بموضوع الملف النووي الإيراني، وكذلك في مسألة «السيل الشمالي2».

«السيل الشمالي2» ومعركة الدولار

يتضمن مشروع نورد ستريم -2، بناء خطين لأنابيب الغاز بطاقة إجمالية تبلغ 55 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، من الساحل الروسي عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا، ومن المخطط بناء خط أنابيب جديد بجوار «السيل الشمالي» الحالي. ويمر المشروع عبر خمس دول وهي روسيا وفنلندا والسويد والدنمارك وألمانيا.

وسيمتد «السيل الشمالي2» بموازاة «السيل الشمالي1»، حيث تشارك في المشروع عدة شركات عالمية هي «غازبروم» الروسية التي تمتلك 50% منه، وتحالف مكوّن من 5 شركات طاقة أوروبية تحتفظ بالـ50% المتبقية منه بواقع 10% لكل منها، في ظل كلفة إجمالية تصل إلى 8 مليارات يورو.
ونظراً لسعيها للسيطرة على سوق الطاقة العالمي، وفي محاولة منها للحفاظ على التبادلات النفطية بالدولار الأمريكي، تطالب الولايات المتحدة «حلفاءها» من الدول الأوروبية بالتوقف عن المشاركة في مشروع «السيل الشمالي2»، وتهدد بفرض عقوبات على أولئك الذين لا يقبلون بمطالبها. وفي مقابل الاستغناء عن الغاز الروسي، تروّج الولايات المتحدة للغاز الطبيعي المسال الذي تنتجه وتعرض بناء محطات لإعادة تحويل الغاز في أوروبا، محاولة فرضه على الأوروبيين بعيداً عن المصلحة المشتركة التي تجمعهم بروسيا.

عقوبات ثانية

تعتزم الولايات المتحدة التي تهدف إلى تحصين المنتجات الأميركية من أية منافسة أجنبية، خصوصاً إذا كانت خاسرة مسبقاً في هذه المنافسة، فرض عقوبات ثانية على ألمانيا في محاولة لثنيها عن مشروع «السيل الشمالي2»، وهو ما يرقى إلى طريقة تعاطي الإمبراطوريات في العادة مع الدول التي تستعمرها لا إلى علاقة طبيعية بين دولتين من المفترض أنهما دولتان حليفتان.
ويرى العديد من المتابعين في هذا المجال، أن التدخّل الأمريكي السافر والبعيد كل البعد عن الأعراف الدبلوماسية، لمنع أي تقارب روسي أوروبي، ليس ناتجاً فقط عن صراع القوى التقليدي الذي يهدف إلى تأمين النفوذ، بقدر ما هو مرتبط بالسياسة التجارية الحمائية الأمريكية، ولا سيما بعد الصفعات التي تتلقاها الولايات المتحدة فيما يتصل بإيجاد بنى بديلة عن هيمنة الدولار على التبادلات العالمية.

بوادر للمضي قدماً

في نيسان الماضي، نشرت غرفة التجارة الروسية الألمانية تقريراً مفاده: أنّ عام 2018 وعلى الرغم من العقوبات، استثمرت الشركات الألمانية 3.2 مليار يورو في روسيا. وكان هذا رقماً قياسياً في السنوات الـ10 الماضية. وإلى جانب المشاريع الكبيرة مثل: «السيل الشمالي2»، تفتح الشركات الألمانية الصغيرة والمتوسطة أعمالاً جديدة لها السوق الروسية،
ووفقاً لرئيس الغرفة، ماتياس شيب، فإن «الشركات الألمانية التي تعرف السوق الروسية جيداً ليست خائفة من العقوبات والضغط من الولايات المتحدة. لقد لعب مشروع السيل الشمالي2 أكبر دور في نمو الاستثمارات الألمانية».
كل هذا يحدث على خلفية النمو في تداول السلع بين البلدين. إذ نمت بنسبة 8,4 ٪ وبلغت 61,9 مليار يورو. بينما زادت الشركات الألمانية شحناتها إلى روسيا بنسبة 14,7٪ لتصل إلى 36 مليار يورو، وكذلك زادت روسيا شحناتها بنسبة 0,6٪ لتصل إلى ما يقارب الـ 25,9 مليار يورو.

تعزيز العلاقات «دون صخب»

على هذا الأساس تخرج الاستنتاجات: أنّ تحوّل ألمانيا في اتجاه تعزيز العلاقات مع روسيا جارٍ بالفعل، لكنه سيتواصل وإن كان يظهر ذلك في الجانب الاقتصادي، فإنه لن يطول كي يجد تعبيراته السياسية. ربما لن نسمع أقوالاً صاخبة من المسؤولين الألمان حول بداية صداقة كبيرة مع روسيا. فلا تزال هنالك الكثير من التعقيدات التي تتعلق بطبيعة علاقة ألمانيا مع الولايات المتحدة، وبقايا الهيمنة الأمريكية في هذا المجال.
ومع ذلك، فإن النقطة المهمة هي: أن المشاريع الاقتصادية، والاستثمارات، وتداول السلع، تتزامن اليوم مع كثرة التحليلات السياسية المتعلقة بإعادة التفكير في منطق التحالفات وأسسها، وقياس ميزات التعاون مع الجار الروسي في مقابل التبعات غير المعروفة العواقب التي يلوّح بها احتمال إبقاء ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية دائرة في فلك واشنطن، التي لم يعد في جعبتها تقريباً سوى توريط حلفائها التقليديين بتحمل تكاليف فاتورة تراجعها على الصعيد العالمي

معلومات إضافية

العدد رقم:
915
آخر تعديل على الإثنين, 27 أيار 2019 13:50